المَنهَجُ الخَفِيُّ وصَمْتُ الأَخْلاقيَّاتِ الطِّبِّيَّةِ عَنْ غَزَّةَ

بقلم الكاتبة د. تاليا عراوي عضو المجلس العالمي للأخلاقيات الطبية الإسلامية وناشطة في مجال حقوق الإنسان

يُعدُّ إدراجُ الهجماتِ الممنهجةِ على المنشآتِ الصحيّةِ ضمنَ خانةِ الضروراتِ العسكريّةِ، مع ما يرافقُ ذلكَ من صمتٍ مُطبقٍ للمجامعِ الأكاديميةِ عن التوصيفِ الأخلاقيِّ الجادّ، يُعدُّ إعلاناً رسميّاً عن انتهاءِ الصلاحيةِ الأخلاقيةِ للمنظومةِ التي أرستْ قواعدَ الطبِّ الحديثِ منذُ عام ١٩٤٧، وليس مجردَ خرقٍ عابرٍ للمواثيقِ. فهذهِ الفجوةُ السحيقةُ بينَ رفاهيةِ التنظيرِ الأخلاقيِّ في أروقةِ الجامعاتِ وبينَ الجحيمِ الميدانيِّ الذي يعيشُهُ زملاؤنا في غزة، لم تعدْ مجردَ تباينٍ في الرؤى؛ بل هي أشبه بخيانة معرفيةٌ تؤشرُ على انهيارٍ بنيويٍّ في جوهرِ الضميرِ الأكاديميِّ العالميّ. فالانهيارُ الأخلاقيُّ الحقيقيُّ لا يبدأُ بطلقةِ رصاصٍ طائشةٍ، بل حينَ تستقيلُ المؤسسةُ البحثيةُ من دورِها السياديِّ في مساءلةِ الفظائعِ، فتمنحُ الشرعيّةَ الصامتةَ لمحوِ الإنسانِ تحتَ ذريعةِ الضرورةِ، محوّلةً أخلاقياتِ الطب من درعٍ للضعفاءِ إلى مجردِ أداةٍ لتبريرِ القوة.

وإذا تأمَّلنا المواثيقَ التي تحكمُ وجدانَ الطبِّ الحديثِ اليومَ، لوجدناها صدىً لآلامِ الأربعينيّاتِ التي لم تجدْ مجيباً في حينِها؛ إذ لم يكنْ ميثاقُ نورمبرغ لعامِ ١٩٤٧ الذي أرسى دعائمَ الأخلاقيّاتِ الطبّيةِ وصانَ حقوقَ المشاركينَ مجرّدَ استقصاءٍ تاريخيٍّ، بل انبثقَ كعهدٍ إنسانيٍّ مُلزمٍ ردّاً على التوظيفِ غيرِ الإنسانيِّ للطبِّ والبحث العلمي الذي اقترفهُ النظامُ النازيُّ. وفي عامِ ٢٠٢٣، صنّفتْ لجنةُ “لانست” المعنيّةُ بالطبِّ والنازيّةِ والمحرقةِ هذا التاريخَ بوصفهِ الركيزةَ التأسيسيّةَ للهُويّةِ الطبيّةِ. استناداً إلى الشهاداتِ الحيةِ لزملائي الأطباءِ في غزة، أجدُني أمامَ معضلةٍ أخلاقيةٍ تتجاوزُ حدودَ القاعاتِ الدراسية: أيُّ جدوى تبقى لتدريسِ مواثيقِ الأخلاقياتِ الطبيةِ في مستشفياتِنا الجامعيةِ، ومبادئُها الأساسيةُ تُنتهكُ جهاراً في غزة؟ إنَّ استمرارَ هذا الصمتِ الدوليِّ يحوّلُ دروسَنا إلى نصوصٍ مفرغةٍ من معناها، ويضعُ المصداقيةَ الأخلاقيةَ للطبِّ العالميِّ في مهبِّ الريحِ أمامَ اختبارِ الميدانِ الغزيِّ المحاصر.

كشفَ هذا المشهدُ المعاصرُ عن مفارقةٍ صارخةٍ. فبينما تتصاعدُ الانتهاكاتُ الأخلاقيّةُ والطبيّةُ في غزةَ بشكلٍ مطّردٍ، نجدُ غياباً تامّاً لهذهِ الجرائمِ في المناهجِ الطبيّةِ أو دروسِ الأخلاقيّاتِ المعاصرةِ، وهذا الصمتُ الممنهجُ ليسَ مجرّدَ إهمالٍ معرفيٍّ بل هو فعلٌ سياسيٌّ وانحيازٌ صريحٌ يجرّدُ الضحيةَ من أهليّتِها الأخلاقيّةِ. ويغدو الأمرُ أكثرَ فداحةً حينَ تتبنى كلياتُ الطبِّ في العالمِ العربيِّ هذا الصمتَ عبرَ ارتهانِها لنماذجَ أخلاقيةٍ مستوردةٍ ترفضُ الاشتباكِ معَ واقعِنا الميدانيِّ. إنَّ هذا الصمتَ لا يكسرُ المواثيقَ العلمانيةَ فحسب، بل يضربُ في عمقِ المفهومِ القيميِّ للشهادةِ؛ ففي وجدانِنا الثقافيِّ، الطبيبُ والأكاديميُّ هما شهودُ حقٍّ قبلَ أن يكونا ناقلي معرفةٍ. وتتجلى هذهِ المسؤوليةُ في الهديِ النبويِّ الذي رسمَ تدرُّجاً حركيّاً لمواجهةِ الظلمِ: “من رأى منكم منكراً فليغيّرهُ بيدهِ”، وحينَ يُسلبُ منَ الأطباءِ في غزةَ القدرةُ على التغييرِ باليدِ بسببِ الاستهدافِ والمحوِ، يصبحُ اللسانُ الأكاديميُّ هو الثغرَ الأخيرَ للمقاومةِ الأخلاقيّةِ؛ فالتهرُّبَ من توصيفِ المذابحِ وتدريسِها هو نكوصٌ عن أداءِ شهادةِ الحقِّ التي ائتُمِنّا عليها، وتحويلٌ للعلمِ من رسالةٍ لتغييرِ المنكرِ إلى أداةٍ لمُواراتِهِ.

يُعدُّ رفضُ دمجِ الانتهاكاتِ الطبيّةِ الممنهجةِ في غزةَ ضمنَ مناهجِ الأخلاقيّاتِ الطبّيةِ تأكيداً بنيويّاً على أنَّ أُطُرنا الأكاديميةَ لا تزالُ تعيشُ حالةً منَ الاستعمارِ المعرفيِّ، فحينَ نُسلطُ الضوءَ على نموذجِ الشرِّ المطلقِ في التاريخِ الأوروبيِّ متمثلاً في توظيفِ الطبِّ لخدمةِ الأيديولوجيا النازيّةِ بينما نلتزمُ صمتاً أكاديمياً تجاهَ مشاركةِ أطباءٍ في عملياتِ القتلِ والتشويهِ وسرقةِ الأعضاءِ في الشرقِ الأوسطِ فإننا نكشفُ بذلكَ عن تدرُّجٍ هرميٍّ معيبٍ لقيمةِ البشريّةِ.

بيداغوجيا الصمت:

إنَّ هذا الانحلال في أمانة التعليم الطبي يُفضي إلى حالةٍ من الفصام المعرفي؛ حيث تُستدعى فجائع الماضي كدروسٍ تاريخية مُعلّبة، في حين تُختزل الجرائم الطبية المعاصرة في غزة ضمن تأويلات سياسية مبررة. إنَّ هذا المسلك لا يقف عند حدود التغافل، بل يمثل مشاركةً فعلية في المحو الوجودي لضحايا سُلبت إنسانيتهم التي كفلها الخالق، في مقابل منح الجُناة حصانةً أخلاقيةً داخل أروقة الأكاديميا التي تدّعي صون القيم المهنية. وهنا يتجلى الفراغ الجوهري في واقعنا الأكاديمي ليس بوصفه نقصاً في البيانات، بل بوصفه انهياراً في الإرادة الأخلاقية .إنَّ إقصاء تجربة غزة من أن تكون دراسة حالة مرجعية في مناهجنا هو النتاج المباشر لـمنهجٍ خفي يغرس في وعي أطباء الغد أنَّ الصمت هو ‘الحياد المهني الآمن’.

إنَّ استعادة ميثاق الطب تتطلبُ تحرراً جذرياً من الارتهان للضغوط التي تحول دون تسمية الجرائم الطبية بمسمياتها الصريحة. فغياب إرادة الشهادة يحيل أخلاقيات الطب من رسالةٍ إنسانية حية ومسؤولة، إلى مجرد قوالب تنظيرية جافة، تُنتزعُ قسراً من سياقها القيمي لتصبح أداةً لتجميل الواقع لا لتقويمه.

يتجاوزُ هذا المحوُ حدودَ المناهجِ والنظرياتِ الغربيةِ ليصطدمَ مباشرةً بالمنظوماتِ القيميّةِ الراسخةِ في المنطقةِ. إنَّ الأخلاقيّاتِ الطبّيةَ الإسلاميةَ في الحربِ تتجذّرُ في قدسيّةِ الحياةِ وتتمحورُ حولَ الحفاظِ على مقاصدِ الشريعةِ الخمسةِ وهي حفظُ النفسِ والعقلِ والدينِ والنسلِ والمالِ، وتشملُ المبادئُ الأساسيّةُ وجوبَ الرعايةِ الطبيّةِ للمصابينَ منَ المقاتلينَ والأسرى بدافعِ الرحمةِ والنهيَ الصارمَ عن قتلِ غيرِ المقاتلينَ منَ النساء والأطفال والشيوخ وتجنُّبَ القوةِ المفرطةِ أو التدميرِ البيئيِّ. ففي التراثِ الأخلاقيِّ يُعدُّ الجسدُ أمانةً ربّانيةً ويقضي مبدأُ حُرمةِ الميتِ بأنَّ قدسيّةَ المتوفّى تُعادلُ قدسيّةَ الحيِّ، فكسرُ عظمِ الميتِ ككسرِ عظمِ الحيِّ في الإثمِ، ومع ذلكَ تُنتهكُ هذهِ القدسيّةُ في غزةَ بانتظامٍ عبرَ فيزياءِ الموتِ التي تعمدُ إلى تدميرِ البنيةِ التحتيّةِ اللازمةِ للحفاظِ على الحياةِ والكرامةِ معاً. لقد كشفتْ فِرَقُ الطبِّ الشرعيِّ في مجمّعِ ناصرٍ الطبيِّ عن فظاعةِ هذا الانتهاكِ باستخراجِ أكثرَ من مائةٍ وعشرينَ جثةً من مقابرَ جماعيّةٍ تحملُ بصماتِ الإعدامِ والتعذيبِ الشديدِ وسطَ شُبهاتِ سرقةِ الأعضاءِ وفقدانِ أنسجةٍ حيويةٍ منَ القرنيّاتِ والكلى والكبدِ في أشلاءٍ أُعيدتْ مجهولةَ الهُويةِ ومميّزةً بملصقاتٍ مُرقّمةٍ فقط. لا يمكنُ تصنيفُ هذهِ الأفعالِ كآثارٍ جانبيةٍ لصراعٍ بل هي خروقاتٌ جسيمةٌ لاتفاقياتِ جنيف واعتداءٌ صارخٌ على الفطرةِ الكراميّةِ للإنسانِ التي تقضي بقدسيةِ الجسدِ البشريِّ وحصانتهِ الوجوديةِ حيّاً وميّتاً وتحرّمُ تحريماً قاطعاً المثلةَ بالأجسادِ.

يُعيدُ التعدي الصارخُ على الأمانةِ الجسديةِ إلى الأذهانِ فصولاً قاسيةً من التاريخِ الطبيِّ، حيثُ يبرزُ الموازي الأكثرُ وضوحاً للحقبةِ النازيّةِ في دورِ الكوادرِ الطبيّةِ التي تيسرُ عنفَ الدولةِ؛ فبينما نُدرّسُ المحرقةَ لأنَّ الأطباءَ فيها كانوا مهندسي النظافةِ العرقيةِ، شهدَ شهرُ نوفمبر من عامِ ألفينِ وثلاثةٍ وعشرينَ خطاباً مروعاً وقّعتْ عليهِ مجموعةٌ منَ الكوادرِ الطبيّةِ يطالبونَ فيهِ صراحةً باستهدافِ مستشفى الشفاءِ وتدميرهِ.

إنَّ هذا التوقيعَ ليسَ مجردَ سقطةٍ سياسيةٍ، بل هو ردةٌ أخلاقيةٌ وانتحارٌ مهنيٌّ ينسفُ جوهرَ القسَمِ الطبيِّ. فهذا الخطابُ يُمثلُ نقضاً صريحاً لإعلان جنيف) ذاك الميثاقُ الذي يُعدُّ الركيزةَ الحديثةَ لقسَمِ هيبوقراط (والذي يُلزمُ الطبيبَ باحترامِ الحياةِ البشريةِ كأولويةٍ قصوى، مانعاً أيَّ اعتباراتٍ عرقيةٍ أو قوميةٍ أو سياسيةٍ من الحيلولةِ بينَ الطبيبِ وواجبهِ المقدسِ تجاهَ المريض. إنَّ هؤلاءِ الذينَ استبدلوا أمانةِ الاستشفاء بأيديولوجيا الإبادةِ قد خانوا الميثاقَ الإنسانيَّ قبلَ القانوني، وصاروا شركاءَ فعليينَ في جُرمٍ لا يمحوهُ اعتذار؛ فأخلاقيّاتِ الحربِ الإسلاميّةِ والشرائعَ السماويةَ قاطبةً توجبُ حمايةَ المستضعفِ وتعدُّ صروحَ الاستشفاءِ حرماً آمناً لا يجوزُ مسُّه.

وقد استنكرَ الأطباءُ في غزةَ، من قلبِ المأساةِ، هذهِ الدعواتِ الجائرةَ معتبرينَ إياها خيانةً عظمى لرسالةِ الطبِّ الساميةِ، ومؤكدينَ أنَّ دورَ الطبيبِ هو الحفاظُ على الحياةِ لا التحريضُ على سلبِها. إنَّ الدعوةَ لهدمِ صرحٍ للاستشفاء هي هجومٌ مِيتافيزيقيٌّ على الإنسانيةِ ذاتها ونقضٌ للميثاقِ الغليظِ بينَ الطبيبِ والخالقِ. وعندما يُسوّى مجمّعُ الشفاءِ بالأرضِ، ويُضطرُّ الجرّاحونَ لإجراءِ عملياتِ بترِ أطرافٍ للأطفالِ دونَ تخديرٍ على أرضيّاتٍ ملطخةٍ بالدماءِ، نجدُ أنفسنا أمامَ عالمِ موتٍ مُهندسٍ؛ حيثُ يُجبرُ الأطباءُ تحتَ وطأةِ الحصارِ المطبقِ على إعادةِ استخدامِ أدواتٍ ملوثةٍ وبترِ الأجسادِ الغضةِ بلا تخديرٍ، في عمليةٍ قسريةٍ تَنقلُ ‘العنفَ البنيويَّ’ للنظامِ السياسيِّ مباشرةً إلى جسدِ المريضِ المنتهكِ.

تتجسدُ ذروةُ هذه الفاجعةِ في المشهدِ الصاعق لـ الدكتور هاني بسيسو؛ وهو يَقومُ ببترِ ساقِ ابنةِ أخيهِ على طاولةِ المطبخِ، مستعيناً بسكينِ طعامٍ وخيوطِ حياكةٍ عاديةٍ. إنَّ هذا المشهدَ ليسَ مجردَ واقعةٍ طبيةٍ، بل هو إدانةٌ صارخةٌ لكلِّ من حرضَ على حصانةِ المستشفياتِ؛ ففي تلك اللحظةِ، تحوّلَ المئزرُ الأبيضُ من رمزٍ للطهرِ والحياةِ إلى كفنٍ للقانونِ الدوليِّ الإنسانيِّ، وصارَ سكينُ المطبخِ في يدِ الطبيبِ المكلومِ شهادةً أبديةً على موتِ الضميرِ العالميِّ الذي سكتَ عنْ قتلِ رُوحِ المهنةِ ومصداقيتِها الأخلاقيةِ.

فيزياء الموت وهندسة الانتهاك الميداني:

يتجلّى هذا التواطؤُ أيضاً في العنفِ البنيويِّ عبرَ توظيفِ المعرفةِ الطبيّةِ في هندسةِ الجوعِ وهو ما كشفتْ عنهُ وثائقُ سابقةٌ حولَ مبادراتِ إحصاءِ السعراتِ الحراريةِ المعروفةِ بسياسةِ الخطوطِ الحمراءِ، في تلكَ المبادرةِ استُخدمتِ المعاييرُ الطبيّةُ لحسابِ الحدِّ الأدنى منَ السعراتِ اللازمةِ للبقاءِ على قيدِ الحياةِ والمقدّرةِ بنحوِ ألفينِ ومائتينِ وتسعٍ وسبعينَ سعرةً حراريةً للفردِ ليسَ لضمانِ التدفقِ الغذائيِّ الكافي أو تحقيقِ الصحةِ بل كمسطرةٍ رياضيةٍ لتقنينِ عددِ الشاحناتِ المسموحِ بدخولها وتبريرِ منعِ أصنافٍ حيويةٍ منَ الغذاءِ. إنَّ مكمنَ الجريمةِ الأخلاقيةِ هنا يكمنُ في تحويلِ الرقمِ النظريِّ إلى غطاءٍ قبيحٍ لتجويعٍ ممنهجٍ حيثُ استُخدمَ هذا المتوسطُ الحسابيُّ كأداةٍ إحصائيةٍ للتحكمِ في تدفقِ الحياةِ وإبقاءِ السكانِ عندَ حافةِ الرمقِ الأخيرِ دونَ الانهيارِ الكاملِ معَ تجاهلٍ تامٍّ للاحتياجاتِ الخاصةِ للجرحى والأطفالِ والنساء الحواملِ. يمثلُ هذا التوظيفُ التقنيُّ للمعرفةِ الطبيّةِ أبشعَ صورِ استعمارِ الطبِّ حيثُ تتحولُ مهنةُ الإحياءِ من رسالةٍ لضمانِ العافيةِ إلى أداةٍ للتحكمِ في مستوياتِ الجوعِ في تحدٍّ صارخٍ للأمرِ القرآنيِّ الذي جعلَ إحياءَ النفسِ الواحدةِ بمثابةِ إحياءِ الناسِ جميعاً. ويتصلُ هذا بمبدأ لا ضررَ ولا ضرارَ في الأخلاقيّاتِ الطبّيةِ الميدانيّةِ حيثُ يجبُ أن تهدفَ التدخلاتُ إلى إزالةِ الضررِ لا هندستِهِ كما أنَّ التوجيهاتِ النبويةَ شددتْ على الالتزامِ بأعلى المعاييرِ الأخلاقيّةِ بما في ذلكَ الرأفةُ بالأسرى والمدنيّينَ وتجنُّبَ إلحاقِ الأذى غيرِ الضروريِّ بالممتلكاتِ أو المحاصيلِ أو المواشي.

ولم يقتصرْ توظيفُ الطبِّ كأداةِ ضغطٍ فقط بل انتقلَ ليشملَ الكوادرَ الطبيةَ أنفسَهم عبرَ الاختطافِ الممنهجِ، فقد تعرّضَ مئاتُ الكوادرِ الطبيّةِ للاختطافِ والإخفاءِ القسريِّ دونَ لائحةِ اتهامٍ واحدةٍ. يجبُ أن نذكرَ في هذا السياق اسمَ الدكتور عدنان البرش رئيسِ قسمِ العظامِ بمستشفى الشفاءِ الذي ارتقى في سجنِ عوفر سيءِ الصيتِ في أبريل ألفينِ وأربعةٍ وعشرينَ حيثُ تشيرُ التقاريرُ إلى أنهُ تعرّضَ لتعذيبٍ وعنفٍ جسديٍّ لا يتخيّلهُ عقلٌ. قبلَ وفاتهِ كانَ مدنيّاً ومُعالجاً محميّاً بموجبِ القانونِ الدوليِّ ومعَ ذلكَ عُوملَ كهدفٍ. كما يجب ذكرن الدكتور أحمد الكحلوت مديرِ مستشفى كمالِ عدوانَ الذي سُحلته دبابةٍ واختُطِفَ كرهينةٍ والدكتور خالد السير الذي وصفَ تهديدَ المحققينَ بكسرِ أصابعهِ خصيصاً لضمانِ ألّا يتمكّنَ من الجراحةِ أبداً.

وفي مقابلِ محاولاتِ كسرِ إرادةِ الجسدِ الطبيِّ تبرزُ نماذجُ منَ الصمودِ الأخلاقيِّ الذي يتجاوزُ التفسيراتِ الماديّةِ للعلاجِ، فوسطَ مشهدِ المحوِ هذا يقفُ الدكتور حسام أبو صفية المديرُ الحاليُّ لمستشفى كمالِ عدوانَ شاهداً حيّاً على الشهادةِ الطبيّةِ. لقد أصبحَ أبو صفية صوتَ النظامِ الصحيِّ المنازعِ في شمالِ غزةَ مستمرّاً في علاجِ الأطفالِ الخُدّجِ المصابينَ بسوءِ التغذيةِ حتى بعدَ استشهادِ ابنهِ البالغِ منَ العمرِ خمسةَ عشرَ عاماً في غارةٍ لطائرةٍ مُسيّرةٍ. إنهُ يؤدّي فرضَ الكفايةِ عنِ المجتمعِ الطبيِّ بأكملهِ بينما يظلُّ بقيّةُ العالمِ صامتاً ومحققاً لمبدأ حفظِ النفسِ الذي هو أسمى مقاصدِ الشريعةِ. بالنسبةِ لمن هم في الميدانِ تبدو النقاشاتُ الأكاديميةُ حولَ فرادةِ الهولوكوست ترفاً فكريّاً يُمارَسُ من مكانٍ آمنٍ. لقد علّمنا جلالُ الدين الرومي أنَّ الجرحَ هو المكانُ الذي يدخلُ منهُ النورُ إليكَ وفي غزةَ الجروحُ غائرةٌ وواسعةٌ لكنَّ العالمَ يُشيحُ بنظرهِ عن نورِ الحقيقةِ الذي تكشفُهُ.

هذا النورُ الذي تُظهّره الجروحُ الميدانيةُ يضيءُ أيضاً على اتساعِ حملةِ المحوِ لتشملَ الذاكرةَ الجمعيةَ والحضورَ الثقافيَّ إذ يمدُّ هذا الاعتداءُ لما هو أبعدُ منَ الجسدِ الفيزيائيِّ ليصلَ إلى الروحِ الثقافيةِ حيثُ توثّقُ التقاريرُ تدميرَ مئاتِ المساجدِ والمعالمِ التاريخيةِ مثلِ الجامعِ العمريِّ الكبيرِ وكنيسةِ القديسِ بوفيريوس التي آوتْ عائلاتٍ نازحةً، شاركتْ راهبةٌ فلسطينيةٌ مؤخراً شهادةً تذكّرنا بأنَّ هذا ليسَ صراعَ أديانٍ بل حملةُ تهجيرٍ روتْ فيها القصةَ المفجعةَ للفتى جوني تالجي ابنِ الستةَ عشرَ ربيعاً الذي أرداهُ قنّاصٌ قتيلاً وهو يركلُ كرةَ القدمِ ببساطةٍ؛ هذهِ ليستْ أضراراً جانيّةً بل هي محوٌ متعمّدٌ لهُويّةِ شعبٍ وتاريخهِ.

يتطلبُ إصلاحُ الوعيِ الأخلاقيِّ أيضاً إدراكَ أنَّ جوهرَ الأخلاقيّاتِ الطبّيةِ لا يتمحورُ حولَ سلوكِ الطبيبِ فحسب بل يرتكزُ بالأساسِ على حقوقِ المريضِ وكرامتِه الوجوديةِ التي هي أمانةٌ استودعها الخالقُ في بني آدمَ. إنَّ الحرمانَ الممنهجَ منَ الغذاءِ والدواءِ ومنعَ تصاريحِ السفرِ للعلاجِ واستهدافَ سبلِ النجاةِ الصحيّةِ يمثلُ اعتداءً مباشراً على الفطرةِ الإنسانيةِ ونقضاً لمقاصدِ الشريعةِ التي جعلتْ حفظَ النفسِ منَ الضروراتِ الخمسِ الكبرى. يجبُ أن تُصبحَ هذهِ الانتهاكاتُ الميدانيةُ جزءاً لا يتجزأُ منَ المناهجِ الدراسيةِ المعنيّةِ بـ الأخلاقيّاتِ الطبّيةِ في الحروبِ والنزاعاتِ، والهدفُ من هذا الإدراجِ المعرفيِّ ليسَ مجرّدَ توجيهِ أصابعِ الاتهامِ بل تعليمُ الأجيالِ القادمةِ أنَّ الصمتَ الأكاديميَّ تجاهَ سلاحِ المنعِ الطبيِّ هو نكوصٌ عن أداءِ شهادةِ الحقِّ ومشاركةٌ في تجريدِ المريضِ من إنسانيتِه. إنَّ تحويلَ معاناةِ المرضى في غزةَ إلى دراساتِ حالةٍ تعليميةٍ هو السبيلُ الوحيدُ لضمانِ ألّا يظلَّ الطبُّ أداةً في يدِ القويِّ لممارسةِ البغيِ بل رسالةً ربانيةً لحمايةِ المستضعفِ وصونِ حقّهِ في البقاءِ والكرامةِ تحقيقاً للتوجيهِ القرآنيِّ الذي جعلَ إحياءَ النفسِ الواحدةِ بمثابةِ إحياءِ الناسِ جميعاً.

بناءً على ما تقدّمَ، فإنَّ الوقوفَ على حافّةِ هذا الانهيارِ يضعُنا أمامَ مسؤوليّةٍ وجوديّةٍ وقانونيّةٍ لا تقبلُ التهميشَ؛ إذ إنَّ انتهاكَ مبادئِ التمييزِ، والتناسبِ، والتحوُّطِ بانتظامٍ ليسَ مجرّدَ خرقٍ تقنيٍّ، بل هو تقويضٌ للمنطقِ الأخلاقيِّ الذي قامتْ عليهِ الحضارةُ الحديثةُ. لقد أشارَ دانتي إلى أنَّ أشدَّ الأماكنِ حرارةً في الجحيمِ محجوزةٌ لأولئكَ الذينَ يحافظونَ على حيادِهِم في أوقاتِ الأزماتِ الأخلاقيّةِ؛ فالحيادُ في وجهِ تعذيبِ، واستهدافِ، واختطافِ الأطباءِ، كما جرى معَ الدكتورِ عصام أبو عجوة، والدكتورِ هاني الهيثم، والدكتورِ حسام أبو صفية الذي يواجهُ اليومَ ظروفاً اعتقاليّةً قاسيةً وتدهوراً حادّاً في صحّتِهِ بعدَ أنْ فُجِعَ باستشهادِ ابنِهِ، ليسَ موضوعيّةً علميّةً بل هو انحيازٌ صريحٌ للظالمِ وتواطؤٌ معَ فِعلِ المَحْوِ الممنهجِ لِمَن لم تكنْ جريمتُهُم سوى الوفاءِ بقسَمِهِم الطبيِّ ومداواةِ الجرحى. إنْ كانَ لـ الأخلاقيّاتِ الطبّيةِ أنْ تستمرَّ بصفتِها تخصُّصاً ذا مصداقيّةٍ وقيمةٍ إنسانيّةٍ، فعليها أنْ تُحرّرَ مناهجَها منَ الاستعمارِ المعرفيِّ، وأنْ تتعاملَ معَ أنقاضِ مستشفى الشفاءِ والانتهاكاتِ في مستشفى كمالِ عدوانَ بنفسِ الصرامةِ والقدسيّةِ التي تُطبُّقُها على أرشيفِ نورمبرغ؛ فالمعيارُ الأخلاقيُّ لا يتجزّأُ بحسبِ الجغرافيا، ولا يتبدّلُ بتبدُّلِ الضحايا. يجبُ أنْ نُطلقَ صرخةَ الإنذارِ الآنَ وبأعلى صوتٍ أكاديميٍّ وميدانيٍّ؛ فإذا لم تُختبرْ أخلاقيّاتُنا الطبّيةُ وتُطبَّقْ بيقينٍ على المعاناةِ الحيّةِ التي نراها اليومَ، فهي لا تنطبقُ على أيِّ شيءٍ على الإطلاقِ، وتتحوَّلُ إلى مجرّدِ صدىً لضميرٍ عالميٍّ قد فارقَ الحياةَ وتخلّى عن أمانةِ الشهادةِ.

وكما كُتِبَ يوماً بمدادِ الصمودِ على سبّورةِ العمليّاتِ الجراحيّةِ في قلبِ الحصارِ:

مَنْ يَبقى سَيَرْوي القِصَّةَ.. نَحْنُ فَعَلْنا ما بِوُسْعِنا.. فاذْكُرونا.