عبدالله بن سبأ يؤجج ويدير الفتنة الكبرى

المقال السادس من سلسلة ( انبياء الدجال )

بقلم الدكتور/ احمد عبد الرحيم

الباحث فى التاريخ الإسلامى

ومما يؤيد هذا الطرح وان ابن سبأ هو الدجال بعينه ، أنه لم يُؤْثر ـ فيما أُثر من أخبار ـ أنه قتل أو مات ولم يكتب أحد من المؤرخين أو أصحاب السير او الحديث مثل ذلك بل أن كل ما عرف من نهايته هو أن سيدنا على ابن ابى طالب نفاه الى المدائن ومن هناك ظهرت فتنه وانتشرت وضربت ما حولها من القرى والبلدان.

ومن العجيب أن الله تعالى انتقم من قتلة سيدنا عثمان بن عفان ، ليس هذا فقط بل أن جميع من أعان على قتل سيدنا عثمان انتقم الله منه ومات شر موتة ، روى مبارك بن فضالة قال: سمعت الحسن البصري يقول: ما علمت أحداً أشرِك في دم عثمان رضي الله عنه ولا أعان عليه إلا قُتل.

وفي رواية أخرى: لم يدع الله الفسقة – قتلة عثمان – حتى قتلهم بكل أرض. تاريخ المدينة المنورة لابن شبّة (4/ 1252).

نعم .. لقد انتقم الله من قتلة سيدنا عثمان بن عفان جميعاً ولم يترك الله منهم أحداً إلا وانتقم منه قَصُرَ عُمره أو طال ، ما عدا شخص واحد هو ذلك الشخص الذى ألَّب الخارجين على عثمان بن عفان وأشعل الفتن حوله ، وأقاد لها وقوداً لا يخبو هو عبد الله بن سبأ ، فلم يَردْ فى الأثر او الأخبار أنه قد مات أو قُتل بل اختفى كحاله عند ظهوره.

ومما يؤيد هذا الطرح أيضاً أن هناك شبه إجماع بين أصحاب السيَّر والتاريخ فى أن عبد الله بن سبأ قد ظهر فى خلافة عثمان بن عفان وقد أسلم فى عهده وزعم انه آتٍ من اليمن وكانت خلافة عثمان تبدأ من وقت مبايعته بالخلافة فى سنة 23 من الهجرة حتى استشهاده فى حادثة الدار سنة 35 هجرياً ، ومن المتوقع ان ابن سبأ قد ظهر فى النصف الأول من خلافة عثمان لاسيما بعد أحداث الكوفة وتولية الوليد بن عقبة حكمها سنة 26 هـ وبعد اشتعال الاحداث فى مصر بعد توليته حكمها سنة 27 هـ ـ يعنى انه ظهر فى الربع الثانى من خلافة سيدنا عثمان بين عامى 26 هـ 30 هـ على أغلب الظن.

وترجع أهمية بداية ظهور ذلك الرجل عندما نسترجع الأحداث ونرى صنيعه فيها وكيف استطاع إدارة أكبر فتنة ضربت الإسلام حتى هذا الوقت ، ليس هذا فقط بل ان كل فتنة بعده اليه يرجع أصلها ومصدرها فى عصر الفتنة الكبرى وما تلاه.

بعد استشهاد عثمان بن عفان وتولية سيدنا على بن ابى طالب التحق عبد الله بن سبأ بأهل العراق حيث آنس الفتنة هناك ، ورأى زيغ أصحاب الامام على بن ابى طالب وكيف أنهم يعصوا أمره ويمكنوا منه عدوه.

كان الوضع فى العراق أشبه بحال بنى اسرائيل مع موسى عليه السلام ، خالفوه وآذوه وذهبوا فى العنت معه كل مذهب قال تعالى ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا” الأحزاب الآية 69 ، حتى أنهم عبدوا العجل وبادروه بما يكره من أنهم أخطئوا لما ذهبوا مع موسى وتركوا فرعون.

كان الوضع شديد التطابق فلقد آذى أهل العراق سيدنا على بن أبى طالب أشد الأذى وخالفوه أشد الخلاف حتى أنه عندما يأمرهم بالقتال فلا يطيعون ، وعندما يأمرهم بالانتهاء لا ينتهون حتى قال سيدنا علىِّ كم الله وجهه فى ذلك مقالات تدل على ما يعانيه منهم منها قوله : (لا رأى لمن لا يطاع) وهو يقصد بذلك نفسه عليه السلام ، وقال (لوددت والله لو أن معاوية صارفنى بكم صرف الدينار بالدرهم ، فأخذ منى عشرة وأعطانى رجل منهم ، يا أهل الكوفة مُنيت منكم بثلاثٍ واثنتين : صمٌ ذوو أسماع ، وبكمٌ ذوو كلام ، عمىٌ ذوو أبصار ، لا أحرارٌ صدقٌ عند اللقاء ، ولا إخوان ثقة عند البلاء) ، وحتى روى أن سيدنا على رضى الله عنه كان يتمنى الموت فيقول (والله لوددت لو انبعث اشقاها) يقصد قاتله عليه لعنة الله.

لقد كان لابن سبأ ايضاً يدٌ فى ذلك العصيان ، إذ كان هو أول العاصين المؤلبين على سيدنا على بن ابى طالب وذلك من مصادر الشيعة أنفسهم يذكر أبو جعفر الصدوق بن بابويه القمي (ت 381هـ) في كتاب من لا يحضره الفقيه (1/ 213)، موقف ابن سبأ وهو يعترض على عليِّ رضي الله عنه رفع اليدين إلى السماء أثناء الدعاء.

 ولقد كره سيدنا على بن ابى طالب هذا الرجل أشد الكراهة وأبغضه أبعد البغض حتى أنه همَّ بقتله لولا أن حذَّره سيدنا عبد الله بن عباس مغبَّة ذلك ـ ولله سبحانه وتعالى شئون ـ ذكر البغدادي في الفرق بين الفرق (ص223): أن السبئية أظهروا بدعتهم في زمان علي رضي الله عنه فأحرق قوماً منهم ونفى ابن سبأ إلى سباط المدائن إذ نهاه ابن عباس رضي الله عنه عن قتله حينما بلغه غلوه فيه وأشار عليه بنفيه إلى المدائن حتى لا تختلف عليه أصحابه، لاسيما وهو عازم على العودة إلى قتال أهل الشام.

ومن المعلوم أن الإمام على بن ابى طالب كان صبوراً جلداً شديد الإحتمال ، إلا أنه رضى الله عنه ضاق ذرعاً بعبد الله بن سبأ ، ذكر ابن عساكر بسنده إلى سلمة بن كهيل عن حجية بن عدي الكندي قال: رأيت علياً كرم الله وجهه وهو على المنبر، وهو يقول: من يعذرني من هذا الحميت الأسود، الذي يكذب على الله ورسوله؟ – يعني ابن السوداء – لولا أن لا يزال يخرج عليّ عصابة تنعى عليّ دمه كما أدّعيت عليّ دماء أهل النهر، لجعلت منهم ركاماً.

ويقول نعمة الله الجزائري المتوفى فى 1112هـ وهو أحد مراجع الشيعة في كتابه الأنوار النعمانية (2/ 234): (قال عبد الله بن سبأ لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أنت الإله حقاً فنفاه علي عليه السلام إلى المدائن وقيل إنه كان يهودياً فأسلم وكان في اليهودية يقول في يوشع بن نون وفي موسى مثل ما قال في عليِّ).