ظاهرة الألوان في الخلق والأكوان
26 ديسمبر، 2025
القرآن حياة

بقلم الدكتور : محمود حسن محمود
دكتوراه فى الأدب والنقد
كان وما يزال القرآن الكريم نورا يتلألأ ناصع البياض لا يحوم حوله دنس ولا يقربه باطل أو شرك فهو في قلعة حصينة سياجها (إنا نحن نزلنا الذكر وإناله لحافظون )(الحجر9), ولما كان كذلك تحولت الآية القرآنية إلى حقيقة كونية فكلاهما وجهان لعملة واحدة يعكسان إبداع الخالق لصنعته في الخلق .
فلم يجعله الله تعالى كتاب تاريخ ,أوخريطة جغرافيا , أو مسائل رياضيات ,أومعادلات كيمياء, أو فيزياء ، وإنما حوى كل ذلك ووضع له عنوان جامع مانع أفصح عنه جل وعلا قائلا (مافرطنا في الكتاب من شىء)(الأنعام38). ففتح الله بذلك آفاق التأمل وأعطي الضوء الأخضر للعقول أن تقوم بمهامها التي من أجلها خلقت لتبحث عن معاني الآيات ومايقابلها من حقائق الكون لتصل بالعقل مع القلب إلي الإيمان والتسليم .
وبنظام من اللغة محكم قد فاق من أبدعوه وجاء ليتحداهم ويعلن على رؤس الأزمان عجزهم ليبقى القرآن الكريم حقائق ساطعة وأحكام لا تقبل التبديل في ذاتها أومقتضياتها تنبض بالحياة لتضع الباحث مستمرا في البحث استمرار المضارعة في قوله تعالى( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتي يتبين لهم أنه الحق )(فصلت53).
وفي رائعة من روائع القرآن الكريم والتي تحكي قصة إعجاز لكتاب لا ريب فيه ولا نظير له ولا شبيه وقول الله تعالي :﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُود ومن الناس والدواب والأنعام مختلفا ألوانه كذلك إنما يخشي الله من عباده العلماءإن الله عزيزغفور) (فاطر27) وقبل أن نخوض غمار الآية الكريمة يدعونا التأمل إلي أن نقف وقفة مع ترتيب الآية الكريمة فإن ورائه سر لا بد أن ينكشف فالمتأمل في القرآن الكريم يلاحظ أن الله عز وجل لا يسيّر القرآن الكريم علي وتيرة واحدة فهو يزاوج بين الفقه والخبر وما في الكون من آيات ثم يسبح في آفاق الدار الآخرة يستشرف الوعد والوعيد وهنا السؤال الذي يطرح نفسه ياتري لم إتخذت الآيات هذا المسلك ولم تأت مرتَّبة حسب ما تفرضه نوعية الموضوع فحديث الفقه في مكانه الخاص وحديث التاريخ في مكانه وحديث الوعد والوعيد في مكانه ؟
ويأتي الجواب ليميط اللثام عن السر فالقرآن الكريم جاء لنفس بشرية متقلبة الهوى والمزاج والحليم العليم جل وعلا هو العليم بالنفس من ذاتها فهو بناء العظمة يقول تعالى:( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ماتوسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) (ق 16) .
ينوع الله تعالى لتلك النفس بين ماهو كوني ترتقي به إلى الله وبين فقه تصلح به دنياها وخبر فيه العبرة والعظة عن أقوام سبقوا فتستفيد النفس من تجارب الآخرين فتتحول الآيات إلي علامات ارشادية أشبه بوجبة شهية مليئة بكل أنواع المقبلات والدسم والفواكه والشراب والحلويات لنفس طبيعتها الملل والسأم فتنفتح شهيتها لتتذوق أشهي المعاني أظن أن السر قد وضح والسر قد إنكشف علي أن الترتيب هو توقيفي من الله العالم بالنفس وما أضمرت ويحصي عليها ماقدمت وأخرت وهي علي علم بكل ما أحضرت .
حان الآن للذهاب إلي الآية الكريمة لنفتش فيها عما حوت من نفائس ودرر (ألم تر) سؤال تطرحه الآية علي بني الإنسان عبر صفحة من صفحات الكون لتدعوه إلي النظر بالعين أو القلب أو كلاهما معا فعندما نقول رأيت القمر ليلا فتلك رؤية البصر وعندما نقول رأيت الأدب نافعا فتلك رؤية القلب ولكن الآية تشير إلي رؤية القلب وتوجه السؤال إلي بني الإنسان لتوقظه من غفلته وينظر أمامه بعين التأمل إلي نزول المطر بين يديه كيف يحدث وماهي العملية الكونية التي يتولي الله جل وعلا إدارتها بداية من سقوط أشعة الشمس علي سطح الماء فيتبخر ثم يأتي دور السحاب لتحمله والرياح لتسيره حيث شاء الله ثم ينزل في قطرات متناثر حتى لا يوثر علي أماكن السقوط ولو نزل دفعة واحدة لكان ضررا علي المخلوقات. إلي أن يسقط علي الأرض اليبسة لتأخذه إلي جوفها فتخرج أشهي الثمرصنع من هذا أيها الانسان؟ …..فهل من مدكر.
تفتتح الآية بمخاطبة قَلْب المكلَّف واستثارة بصره الوجداني بقولها: «ألم ترَ»، وهي صيغة استفهام إنكارية تروم التعجب والتنبيه أكثر من طلب الجواب. ثم تثبت الفاعل «اللَّهَ» بوساطة «أنّ»، مما يُؤكِّد أن مصدر النِّعَم والخلق هو ذاتٌ واحدة مُطلَقَة القَدْرة. كلمة «أنزل» تُستعمل تصويراً بلاغيّاً لنزول المطر من علياء السماوات، وفيها تذكير بالوسائل والعلل الطبيعية دون نزعة مادية تُغفل الفعل الإلهي. الفاء في «فأخرجنا» تربط السببية بين نزول الماء وظهور الثمرات، والضمير «نا» في «أخرجنا» أسلوب قرآني يحقق الأسلوب البلاغي لتبيين الفعل الإلهي بصيغة تقرّب المعنى إلى المتلقي. «به» ظرف وسيلة، و«ثمرات» نتيجة محسوسة تدعو إلى التأمل الحسي، فيها «مختلفًا ألوانها» حالة تُبرز التنوع الإبداعي: من ماء واحد تتجلى أصناف وألوان متعددة. بلاغياً، تجمع الآية بين الاقتصار اللفظي والاتساع المعنوي؛ فهي بمفرداتها القليلة تُقدّم منظومة كاملة عن العناية الإلهية، وتستدرّ الخشوع والشكر، وتدعو العقل إلى التفكّر في حكمة الأسباب ومراتبها من دون إنكارها أو انفصالها عن المشيئة الربانية.
ثم تصعد بنا المعاني إلي محور الآية ألا وهو ظاهرة الألوان في الكون . إن الأشياء تمتص كل الألوان ولا تعكس إلا لونها تلك حقيقة علمية فالسماء مثلا تمتص كل الألوان ولا تعكس إلا لونها الأزرق هكذا باقي الأشياء على الرغم من وجود سبعة ألوان في الكون ولكن الأشياء تأخذ السبعة ولا تعكس منهم إلا واحد وهو ما نراه علي الأشياء كل بلونه، مما خلق نوعا من التنوع في ألوان الأشياء بل في الشئ الواحد فالفاكهة الواحدة لها أكثر من لون (كالتفاح مثلا )ولم يكن الأمر قاصرا علي الفاكهة بل علي صعيد الطيور والحيوانات بما يثير البهجة في النفس لما تراه العين من متعة في الألوان تصميم من وهندسة من ؟
فهل من مدكر.
ثم تسبح بنا الألوان لتوجه الأنظار إلي الجبال (ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود) لنترك الفاكهة قليلا ولنذهب إلي فيافي الجبال لنري العجب في تنوع ألوان الجبال فقد نذهب فنري جبالا حمراء وأخري صفراء وثالثة سوداء ألاترى عزيزي القارئ أن هناك تشابه بين ماعليه النباتات من تنوع وماعليه الجبال من ألوان ألا يدل ذلك على أن تنوع الألوان هو ظاهرة كونيه وسنة إلهية في الكون كله ولم يكن الإنسان أو الحيوان عن ذلك ببعيد (ومن الناس والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك) فمنا الأسمر والأسود ومنا القمحي والأبيض أما عن تنوع الحيوان فحدث ولا حرج فمن البقر والغنم والإبل وغيرها الأسود والأبيض والأصفر.
وهنا نشعر بثبات ظاهرة الألوان في الكون كله بما يدعو إلى تدبر إبداع صنع الخالق فيما خلق.
تنقلنا هذه الآية من رحاب الحيوان والنبات إلى صَلد الصخر، فتؤكِّد شمولية الإبداع الإلهي في الجماد قبل المتحرِّك. بادئة بـ«ومن الجبال» تدلُّ على استدراكٍ وتوسيع للبرهان: ليس التنوع محصورًا في الثمرات، بل الجبال نفسها تحمل «جددًا» — أي طبقات أو شرائط صخرية تُشبِه زخرفة الطبيعة.
وصف اللون بـ«بيضٍ» ثم «حمرٍ» يشكّل تدرجًا بصريًّا يقابله «غرابيب سود» التي تضاعف المعنى بتكثيف السواد، وهو أسلوب بلاغي لتوضيح شدة التغاير. لفظ «مختلف ألوانها» يأتي لتجريد الحكم: ليس مجرد اختلاف عارض بل حكمة نظامية في الخلق. نحويًا، الجملة قصيرة ومتماسكة، والربط بين مفرداتها يخلق نَسقًا صوتيًّا وموسيقياً يسهل تلاوته والتدبر فيه. على مستوى الدلالة، تحثّ الآية على ملاحظة تفاصيل الطبيعة وفهم أسباب اختلاف الألوان — من معادن وترسبات وتأثير عوامل جيولوجية — ثمّ ربط هذا الفهم بالاعتراف بقدرة الخالق. أخلاقيًا، توجّه الآية الإنسان إلى التواضع أمام عظمة الخَلْق وإلى استثمار العلم في رؤية الآيات، فالتأمل العلمي لا يتعارض مع الإيمان بل يعمّقه ويولّد شكرًا ووقارًا أمام المُبدع الحكيم.
ويبقي السؤال الذي يطرح نفسه على مائدة التأمل ما علاقة الماء بكل ذلك وما مدى تدخل الماء في ظاهرة الألوان وتأتي الإجابه فيما أورده النابلسي في موسوعته :إن اختلاف الألوان ذكر في ثلاث مواضيع وقد وجد بحثا لا يتسع المقام لسرده ملخصه إن ألوان الصخور هي نتاج تركيبتها العنصرية وبنيتها وتفاعلها مع الماء . فالماء هو العنصر الحاسم في تلوين صخور الجبال (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء…… )
فيا لعجب حين يثبت البحث أن الماء هو أعلى العناصر المذيبة والفعالة وهو العامل الحاسم في تلوين الجبال التي تأخذ ألوانها من ألوان معادنها وألوان المعادن تتحدد بقدرتهاعلي التأكسد مع عنصر الماء وهناك ينجلي السر في ربط الماء بظاهرة الألوان في الكون (صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون )(النمل88).
وأخيرا. {الإشارة إلى العلماء}: في الآية 28، يوضح أن الذين يخشون الله حقًا هم العلماء، وذلك لأنهم أشد الناس إدراكًا لعظمته وقدرته، ويستدلون بذلك على الإيمان به وبقدرته وكذلك ختام الآية بـ”إن الله عزيز غفور” هو توكيد على قوة الله وعزته ورحمته، وذلك لبيان أن هذه الصفات هي التي يخشاها العلماء ويؤمنون بها.
إن من يخشي لابد أن يدرك ويعلم ومن أدرك وعلم لابد أن يخشي فهي منظومة ابداعية صنعها الخالق تعالى ربط فيها بين الكون وكتابه الكريم يحمل دعوة للتفكير والتأمل والتدبر لأن الآية القرآنية هي كذلك آية كونيه.