بين دفء الرفقة وصفاء العزلة


المقالة الأولى من سلسلة ( رحلة القلوب إلى الله )
بقلم الدكتورة : إيمان إبراهيم عبد العظيم

مدرس القانون التجارى والبحرى والجوى بكلية الشريعة والقانون

لا شك أن الحياة رحلة معقدة، فهي ليست سوى مزيج متوازن من تجارب متناقضة؛ فرغم حاجتنا إلى الآخرين وما تمنحه الرفقة من دفء وطمأنينة، يبقى للعزلة مكانها الخاص الذي يعيد للنفس صفاءها وللروح بريقها، و تتأرجح النفس في هذه الرحلة بين حاجتها إلى الآخرين وحاجتها إلى الخلوة بنفسها، وبين دفء الرفقة وصفاء العزلة تتشكل شخصية الإنسان وتكتمل تجربته الروحية والإنسانية. ولأن الإسلام دين الفطرة، نجد أن الإنسان قد يتجه إلى التوازن بينهما، فيجعل الاجتماع قوة، و يجعل العزلة عبادة، و يربط الاثنين بغذاء القلب والروح كالتالي:

أولًا: الرفقة: حاجة إنسانية وسند إيماني

لأن الإنسان اجتماعي بطبعه فلا يستطيع العيش بمفرده؛ فهو مفطور على الاجتماع والأنس بالآخرين. لذلك جاءت نصوص الوحي تؤكد قيمة الرفقة وتحث على الصحبة الصالحة.قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}(المائدة: ٢).

و قال رسول الله ﷺ: « المؤمن لِلْمؤْمن كالبُنْيان يَشُدُّ بَعْضُه بَعْضا، ثُمَّ شَبّك بين أَصابعه».

وفي حديث آخر: «المرءُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم مَن يُخاللُ» .
هذه الأحاديث توضح أن الرفقة ليست مجرد وجود اجتماعي، بل هي قوة إيمانية، تسند الإنسان في ضعفه، وتوجهه في حيرته، وتحميه من الانزلاق.

فالرفقة الصالحة غذاء للقلب، تعلّمه الصبر، وتعينه على الطاعة، وتخفف عنه وحشة الطريق.

ولهذا شبَّه النبي ﷺ أثر الصاحب بقوله: «إِنَّما مثَلُ الجلِيس الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ: كَحَامِلِ المِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، …..».

فالرفقة الصالحة تبعث فيك الطيب أينما جلست معها.

ثانيًا: العزلة و هي خلوة مع النفس و ربّ النفس، فيعلّمنا الإسلام أن العزلة ضرورة، لا هروبًا من الحياة، بل صفاءً للروح وتجديدًا للعهد مع الله ، و لنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة فقد كان النبي ﷺ قبل البعثة يعتكف في غار حراء، يتأمل الكون، ويبحث عن الحق في عزلة صامتة. وبعد البعثة شُرع الاعتكاف في المساجد، ليكون فرصة يقطع فيها المسلم صلته بالدنيا قليلًا، ويعيد الاتصال بخالقه.

قال تعالى في محكم آياته: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨].
وهذا التبتل هو الانقطاع إلى الله بالذكر والعبادة.

بل إن النبي ﷺ أخبر أن هناك طائفة من الناس يُحبها الله لأنها تعيش هذا المعنى، فقال:«طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله ، أشعث رأسه ، مغبرة قدماه ، إن كان في الحراسة كان في الحراسة ، وإن كان في الساقة كان في الساقة ، إن استأذن لم يؤذن له ، وإن شفع لم يشفع “.

هؤلاء أناس آثروا العزلة والزهد، فصاروا عند الله مقربين.

فلا شك أن العزلة تمنح الإنسان مساحة للتفكر، والقرآن يدعو إلى ذلك التفكر و التدبر قال تعالى: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١].
فالخلوة ليست تعطيلًا للحياة، بل إعادة نظر في معناها.

ثالثًا: الجمع بينهما… طريق التوازن:

فالتدين الحق لا يقوم على الانعزال التام، ولا على الذوبان الكامل في المجتمع، وإنما يقوم على التوازن.

قال ﷺ: «المؤمِنُ الذي يُخالِطُ الناسَ ويَصبِرُ على أذاهم، أفضَلُ من المؤمِنِ الذي لا يخالِطُ الناس، ولا يَصبِرُ على أذاهم.».

فالمخالطة أساس الدعوة، والصبر على أذى الناس عبادة عظيمة. ومع ذلك، يبقى للعزلة مقامها عند الحاجة، خاصة حين يكثر الفساد ويقلّ أهل الحق.

وقد جاء في الحديث:
«يوشِكُ أن يَكونَ خيرُ مالِ المسلِمِ غنمًا يتبعُ بِها شَعَفَ الجبالِ ومواقعَ القطرِ يفرُّ بدينِهِ منَ الفتنِ».

إذن، الجمع بين دفء الرفقة وصفاء العزلة هو طريق الحكمة، يُعلّمنا متى نكون مع الناس لنعينهم ونعان، ومتى نخلو بأنفسنا لنقوّي صلتنا بربنا.

رابعًا: غذاء القلب والروح

* غذاء القلب في الرفقة الصالحة التي تذكرك بالله إذا نسيت، وتشد على يدك إذا ضعفت.
* غذاء الروح في خلوة صافية، بين يدي الله، تسمع فيها همس روحك، وتستعيد فيها طمأنينتك.

ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].

تخلص من ذلك أنه

بين دفء الرفقة وصفاء العزلة يمضي الإنسان إلى نضجه. في الأولى يجد قوة وسندًا، وفي الثانية يجد صفاءً وارتقاءً. ومن وُفِّق للجمع بينهما، فقد نال غذاء القلب والروح، وبلغ السكينة التي لا تهبها الدنيا إلا لمن عرف كيف يوازن بين أن يكون مع الناس، وأن يكون مع الله.