أزمة الثبات في الفكر السلفي المعاصر: قراءة في الجذور والنتائج
2 مارس، 2026
الخوارج وخطرهم على الأمة

بقلم الشيخ : عبدالله قدرى سعد
في السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة لافتة في المشهد الدعوي؛ وهي عدم ثبات كثير من الشباب المنتمين إلى التيار السلفي المعاصر، وسرعة انتقالهم من حال إلى حال، بل وتحول بعضهم إلى نقد التجربة التي عاشها من داخلها. وهذه الظاهرة ليست عرضًا طارئًا، وإنما نتيجة طبيعية لبنية منهجية تحتاج إلى مراجعة جادة.
بين الشعار والمنهج
يرفع الخطاب السلفي المعاصر شعار “الرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم السلف”، وهو شعار في أصله محل إجماع بين المسلمين. غير أن الإشكال لا يكمن في الشعار، بل في تنزيله على الواقع، وفي الكيفية التي تُبنى بها المنظومة التربوية والعلمية داخل هذا التيار.
فعند التأمل، نجد أن كثيرًا من البنى الدعوية المعاصرة تقوم على خطاب تعبوي أكثر منه تأسيسي؛ يُكثر من التحذير، ويُجيد صناعة الاصطفاف، لكنه يفتقر في أحيان كثيرة إلى البناء العلمي العميق الذي يُنشئ عقلًا ناقدًا متوازنًا، لا عقلًا منغلقًا متوجسًا.
هشاشة البناء العلمي
العلم الرصين لا يُبنى بالمحاضرات الحماسية، ولا بالمقاطع المختصرة، ولا بالجدل الموسمي، وإنما يُبنى بالتدرج في الطلب، وضبط الأصول، وفهم الخلاف، ومعرفة سياق الأقوال، والتمييز بين القطعي والظني، وبين الأصول والفروع.
وقد كان علماء الأمة الكبار — كالإمام أحمد بن حنبل، والإمام الشافعي، والإمام أبو حامد الغزالي — يجمعون بين الفقه والحديث والأصول والتزكية، ويُربّون طلابهم على سعة الأفق قبل ضيق العبارة، وعلى معرفة قدر النفس قبل الحكم على الناس.
أما حين يُختزل العلم في مجموعة مسائل خلافية تُقدَّم بوصفها معيار النجاة الوحيد، ويُغفل عن البناء الأصولي والتربوي، فإن النتيجة تكون شخصية متحمسة بلا جذور، سريعة الانجذاب وسريعة الانصراف.
التركيز على الشكل وإهمال الجوهر
من أبرز ملامح الأزمة كذلك: تضخيم الجزئيات الشكلية، مقابل ضعف العناية ببناء الإنسان إيمانيًا وأخلاقيًا وفكريًا. فينشأ الشاب مشغولًا بتصنيف الناس، وتتبّع المخالف، والدخول في معارك الهوية، بينما يظل ضعيفًا في فقه المقاصد، وفقه المآلات، وفقه الأولويات.
وعندما يخرج هذا الشاب إلى فضاء أوسع — جامعات، بيئات فكرية مختلفة، أسئلة فلسفية، تحديات اجتماعية — يكتشف أن ما حُصّل لديه لا يكفي للإجابة، ولا يمنحه أدوات الفهم العميق، فيبدأ التصدع من الداخل.
الأنشطة بدل العلم
لا يمكن إنكار أهمية الأنشطة الاجتماعية في جذب الشباب واحتوائهم، لكن حين تتحول الأنشطة إلى بديل عن العلم، أو تصبح هي الوسيلة الأساسية للارتباط بالتيار، فإن العلاقة تكون سطحية بطبيعتها.
الشباب يُجذب بالطعام واللعب والرحلات، لكن لا يثبت إلا بالعلم والتربية. وإذا لم يكن هناك منهج علمي واضح، متدرج، يُخرج طالب علم لا مجرد مناصر، فإن الانتماء يظل انتماءً عاطفيًا، سرعان ما يتلاشى عند أول اختبار فكري جاد.
المنهج الأصيل: تجربة الأزهر الشريف
وعند البحث عن نموذج تاريخي معاصر حافظ على توازن المنهج وعمق البناء، فإن الأنظار تتجه إلى الأزهر الشريف، بوصفه أحد أعرق المؤسسات العلمية في العالم الإسلامي.
فالأزهر لم يُبنَ على الحماسة العابرة، بل على تراكم علمي ممتد لقرون، يجمع بين الفقه بمذاهبه المعتبرة، والعقيدة القائمة على أصول مدرسة أهل السنة، والتصوف السني التربوي، إلى جانب علوم اللغة وأصول الفقه والتفسير والحديث.
ويمتاز المنهج الأزهري بعدة خصائص:
الترسيخ قبل الترجيح: فلا يُدخِل الطالب في معارك الخلاف قبل أن يُحكم أصوله.
فقه الخلاف: حيث يُدرَّس الخلاف باعتباره ثراءً علميًا لا سلاحًا للإقصاء.
الوسطية المنضبطة: لا تفريط في النص، ولا جمود على الظاهر دون فهم المقاصد.
الجمع بين العلم والتزكية: فلا علم بلا خلق، ولا فقه بلا أدب.
ولذلك ظل الأزهر — رغم ما مر به من تحولات تاريخية — قادرًا على تخريج علماء راسخين، لا مجرد خطباء متحمسين، وصناعة عقلية علمية تعرف كيف تفهم النص في سياقه، وكيف تنزل الحكم في موضعه.
بين المنهج المؤسسي والخطاب الحركي
الفرق الجوهري أن المنهج المؤسسي العريق يُخرِّج عالمًا يعيش للعلم، بينما الخطاب الحركي يُخرِّج غالبًا ناشطًا يعيش للمعركة.
والأمة اليوم أحوج إلى العالم الراسخ من حاجتها إلى المقاتل اللفظي.
إن ثبات الشباب لن يتحقق إلا إذا وجدوا أمامهم منهجًا علميًا واضح المعالم، متصل السند، عميق الجذور، واسع الأفق.
ومن هنا تتأكد الحاجة إلى إحياء النموذج العلمي الأصيل الذي مثّله الأزهر عبر تاريخه، بوصفه مدرسة للعلم قبل أن يكون عنوانًا للهوية.
واعلم إن أي مشروع دعوي لا يقوم على علم راسخ، وتربية متزنة، وفقه واسع، سيبقى معرضًا للاهتزاز مهما بدا صلبًا في الظاهر.
ثبات الشباب قضية منهج، والمنهج الأصيل هو ما صمد عبر القرون، وأثمر علماء، لا مجرد أتباع.
والله من وراء القصد.