ظاهرة الانتحار الأسباب والعلاج
18 أبريل، 2026
قضايا وأحكام

أ.د/ سعد عبد المعطي عبد العليم شعبان
عضو بلجنة الفتوى
ورئيس لجنة الدعوة بمجمع الفقه الاسلامي بكندا
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وإمام النبين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
تعتبر ظاهرة الانتحار في الإسلام من كبائر الذنوب وجريمة شرعية كبرى، حيث نهى الله عز وجل عن إلقاء النفس في التهلكة فقال تعالى: ﴿وَلا تُلقوا بِأَيديكُم إِلَى التَّهلُكَةِ وَأَحسِنوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحسِنينَ﴾ [البقرة: 195]
بل وأعظم من هذا أن الله تعالى حرم قتل النفس المؤمنة عموماً وجعل عاقبته وخيمة وعقوبته شديدة فقال تعالى: ﴿وَمَن يَقتُل مُؤمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظيمًا﴾ [النساء: 93]
وأعظم من هذا ذنبًا وأكبر جرمًا أن يقتل المرء نفسه فحرمه تحريمًا قطعيًا فقال تعالى: ﴿ وَلا تَقتُلوا أَنفُسَكُم إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُم رَحيمًا﴾ [النساء: 29]
لأن الروح ليس ملكًا للإنسان بل هي أمانة مستودعة عنده لا يجوز العبث بها ولا المساس بما يؤذيها
الأسباب
وترجع أسباب هذه الظاهرة المتفشية في هذا الجيل والمتكررة هذه الأيام إلى:
1- ضعف الايمان في القلوب
2- عدم الرضا بما قسم الله وقدر
3- عدم الثقة بوعد الله وعدم اليقين فيما عند الله تعالى.
4- الجهل بقيمة الإنسان والجهل بحقيقة الروح.
5- غياب الوازع الديني،
والبعد عن الله، والشعور باليأس والقنوط والضغط النفسي والاكتئاب.
6- الاستسلام لوساوس الشيطان.
حكمه:
إن المنتحر مرتكب لكبيرة عظيمة، وجرم كبير ولكنه عند جمهور العلماء لا يخرج عن الملة (ليس بكافر)ٍ، ويُغسل ويُصلى عليه، وأمره إلى الله.
1- “لم يقل بكفر المنتحر أحد من علماء المذاهب الأربعة، لأن الكفر هو الإنكار والخروج عن دين الإسلام، وصاحب الكبيرة – غير الشرك – لا يخرج عن الإسلام عند أهل السنة والجماعة”.
الموسوعة الفقهية الكويتية (6/ 291-292)
2- ذكر الإمام النووي ( أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة”.
شرح النووي على مسلم (2/ 132)
3- “من قتل نفسه ولو عمداً يغسل ويصلى عليه، به يفتى”.
ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته (6/291).
4- (أن قاتل نفسه عاصٍ وليس كافراً، ويغسل ويصلى عليه).
ولقد توعدت السنة النبوية المنتحر بعقوبة شديدة، حيث يُعذب بما قتل به نفسه في الآخرة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلي الله عليه وسلم 🙁 من قتَلَ نفسَهُ بحديدةٍ جاءَ يومَ القيامَةِ وحديدتُهُ في يدِه يتوجَّأُ بِها في بطنِهِ في نارِ جَهنَّمَ خَالدًا مخلَّدًا أبدًا ، ومن قَتلَ نفسَه بسُمٍّ فَسمُّهُ في يدِه يتحسَّاهُ في نارِ جَهنَّمَ خالدًا مخلَّدًا)
أخرجه البخاري (5778)، ومسلم (109)، والترمذي (2043) واللفظ له
ذكر الإمام النووي أن هذا الحديث الذي ورد فيه وعيد لمن قتل نفسه قال:
“فيه حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة”.
شرح النووي على مسلم (2/ 132)
بعد أن وضح النبي صلى الله عليه وسلم هذا العقاب الأليم والوعيد الشديد لمن قتل نفسه بأي وسيلة من الوسائل فقد وضع الاسلام علاجا للوقاية من الوقوع في هذه الجريمة النكراء وارتكاب هذه الكبيرة الشنعاء.
العلاج:
1- تعزيز العقيدة وتصحيحها
2- التوعية الايمانية والتربية الاخلاقية وتغليب الوازع الديني والاخلاقي في الوعظ والتوجيه
3- تعليم المسلم أن الروح ملك لله، قال تعالى:﴿وَيَسأَلونَكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرّوحُ مِن أَمرِ رَبّي وَما أوتيتُم مِنَ العِلمِ إِلّا قَليلًا﴾ [الإسراء: 85]
4- التحلي بالصبر؛ والتغلب على مشكلات الحياة فليس كل ما يصيب الإنسان من شوكة يهرع إلى إزهاق روحه؛ فالدنيا دار اختبار وابتلاء وامتحان؛ ولقد أوذي الأنبياء والصالحون وعاشوا في ضيقٍ من العيش حتى شدوا على الحجارة على بطونهم وما صرفهم عن دينهم شيئا؛ فعن خَبّاب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلَا تَدْعُو لَنَا، فَقَال -صلى الله عليه وسلم-: “قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُون) صحيح البخاري
(6943) ومسلم (619)
وليعلم المؤمن أن جميع أمره خير يدور بين السراء والضراء فهو إما صابر وإما شاكر فعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: “عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ؛ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ؛ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ” صحيح مسلم (2999)
5- التكافل الاجتماعي والدعم النفسي: حث الإسلام على التراحم وتفقد أحوال الناس، فالمجتمع المتماسك يخفف من أسباب اليأس.
6- نشر الوعي وبث روح الأمل والتفاؤل لعلاج الاكتئاب وتوجيه المبتلى للجوء إلى الله بالدعاء والذكر، والثقة بفرج الله ورحمته.
لقد وضع الإسلام منهجاً وقائياً يوازن بين إيمان الفرد وتماسكه النفسي، وبين التضامن المجتمعي لحمايته من الهلاك بترسيخ الإيمان والرضا بالقضاء، واليقين بأن الابتلاءات مؤقتة، مع توفير الدعم النفسي والاجتماعي لاستمرار الحياة.