الفرق بين التصوير الفوتوغرافي والتصوير المنهي عنه شرعًا

بقلم الدكتور: محمد عبدالحليم المعصراوى 

تُمثّل قضية “التصوير” أحد أدق النماذج التطبيقية لإشكالية “الجمود على الألفاظ” في مقابل “فقه الحقائق”.

فقد أحدث الخلط بين الدلالة اللغوية القديمة والواقع التقني المعاصر فجوةً فكرية كبيرة، تسببت في إرباك الوعي الفقهي لدى العامة، حيث سحب البعض نصوص الوعيد والنهي الواردة في “الأوثان والمضاهاة” على “الآلة الضوئية”، دون مراعاة لاختلاف الماهية أو تباين العلة. إن جوهر المشكلة يكمن في عدم إدراك أن الاشتراك في الاسم (تصوير) لا يستلزم بالضرورة الاشتراك في الحكم الشرعي، خاصة حينما ينقلب المعنى من “إيجاد تمثال من عدم” إلى “حبسٍ لانعكاس الضوء”. لذا، كان لزامًا تحرير هذا النزاع عبر تفكيك المصطلحات وبيان الفوارق الجوهرية التي تجعل الفوتوغراف خارجًا تمامًا عن دائرة النهي.

أولاً: التغاير في الحقيقة والماهية

أُطْلِقَ اسم التصوير على التقاط الأشكال الفوتوغرافية مجازًا؛ تشبيهًا له بالتصوير اللغوي؛ فإن التصوير في أصل الوضع اللغوي هو مصدر “صوَّر”؛ أي: “جعل له صورة مجسَّمة”؛ كما في “المعجم الوسيط”، “والتصاوير: التماثيل”؛ كما في “الصحاح” للجوهري.

ولذلك فالتصوير الفوتوغرافي يختلف عن التصوير الذي ورد النهيُ الشرعيُّ عنه؛ إذ إنه يغايره في حقيقته ويباينه في علة تحريمه. فأمَّا كونه مغايرًا له في الحقيقة؛ فالتصوير الفوتوغرافي: انحباس ظل، والتصوير الذي ورد النهي عنه: هو التمثيل أو ما جُعِل على نظير مثال سابق قابل للأبعاد الثلاثة، يقال: مثلت الشيء؛ أي: جعلت له مثالًا أو تمثالًا.

قال العلامة ابن منظور في “لسان العرب” (11/ 613): [والتِّمْثالُ: الصُّورةُ، والجمع: التَّماثيل، ومَثَّل له الشيءَ: صوَّره حتى كأَنه ينظر إِليه]. وقد تقرَّر في قواعد الفقه في مثل هذه الحالة أن “العبرة في الأحكام للمعاني لا للألفاظ والمباني”، فإذا تغير المعنى تغير الحكم؛ وإن تشابهت الألفاظ والمسميات. قال الإمام السرخسي الحنفي في “المبسوط” (12/ 201): [والعبرة للمعنى دون الألفاظ].

ثانياً: التباين في علة التحريم

وأما كونه مباينًا له في علة التحريم: فقد حرم الشرع الشريف التصوير؛ لما ارتبط به في الجاهلية من العبادة والتقديس، أو مضاهاة خلق الله تعالى تحدّيًا وكبرًا.

قال الإمام ابن العربي المالكي في “أحكام القرآن” (4/ 9): [والذي أوجب النهي عنه في شرعنا -والله أعلم-: ما كانت العرب عليه من عبادة الأوثان والأصنام، فكانوا يُصَوِّرون ويعبدون، فقطع الله الذريعة وحمى الباب].

وقال الإمام النووي الشافعي في “شرح مسلم” (14/ 91): [وأما رواية: «أشدُّ عذابًا» فقيل: هي محمولة على من فعل الصورة لتُعْبَدَ، وهو صانع الأصنام ونحوها فهذا كافر، وهو أشد عذابًا، وقيل: هي فيمن قصد المعنى الذي في الحديث من مضاهاة خلق الله تعالى واعتقد ذلك].

ثالثاً: قاعدة دوران الحكم مع علته

فإذا زالت علة التحريم -وهي العبادة أو المضاهاة- زال التحريم وجاز اتخاذها واستعمالها؛ لما هو مقرر أنَّ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، ويشهد لذلك أن النبي ﷺ نهى أن توضعَ الصورة في البيت في موضع يشغله عن الصلاة، ثم أباحها للمصلحة إذا زالت هذه العلل عنها؛ فروى الإمام مسلم في “صحيحه” عن عائشة رضي الله عنها، أنه كان لها ثوب فيه تصاوير، فكان النبي ﷺ يصلي إليه فقال: «أَخِّرِيهِ عَنِّي»، قالت: “فأخَّرته فجعلته وسائد”.

وفي حديث آخر أخرجه الإمام أحمد، قالت عائشة رضي الله عنها: “فطرحته فقطعته مرفقتين، فقد رأيته ﷺ متكئًا على إحداهما وفيها صورة”. قال العلامة بدر الدين العيني في “عمدة القاري” (22/ 73): [فهذا يدلّ على أنه استعمل ما عملت منها، وهما المرفقتان].

الخلاصة:

على ذلك: فالتصوير الفوتوغرافي ليس هو التصوير المنهيَّ عنه في الحقيقة، وليست فيه علةُ التحريم التي ورد النهي عن التصوير لأجلها، فإذا خلا من كشف العورات أو اختراق الخصوصيات فلا مانع منه شرعًا.

والله سبحانه وتعالى أعلم.