
خطبةُ الجمعةِ بعنوان ( إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ )
للدكتور : مُحَمَّد حِرز
لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
ena kafenal almostahzean
الْحَمْدُ للهِ الذِي جَعلَ لنَا مِنَ الأنبيَاءِ والصَّالحِينَ قُدوَةً وَمَثَلًا، الحمدُ للهِ القائلِ في محكمِ التنزيلِ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وليُّ الصالحين، وَأشهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وصفيُّهُ مِن خلقهِ وخليلُهُ القائلُ كما في صحيحِ البخاريِ ومسلمٍ مِنْ حديثِ أَبِي هريرةَ رضى الله عنه عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فُضِّلْتُ على الأنبياءِ بسِتٍّ: أُعطيتُ جوامعَ الكلِمِ ونُصِرْتُ بالرُّعبِ وأُحِلَّتْ لي الغنائمُ وجُعِلت لي الأرضُ طَهورًا ومسجدًا وأُرسِلْتُ إلى الخَلقِ كافَّةً وخُتِم بي النَّبيُّونَ))
سعدتْ ببعثةِ أحمدَ الأزمـانُ *** وتعطـرتْ بعبيرِه الأكـــــــوانُ
والشركُ أنذرَ بالنهايةِ عندمـا *** جاء البشيرُ وأشرقَ الإيمانُ
يا سيدَ العقلاءِ يا خيرَ الورَى*** يا مَن أتيتَ الى الحياةِ مبشرًا
وبُعثتَ بالقرآنِ فينَا هاديًّا ***وطلعتَ في الأكوانِ بدرًا نيرًا
واللهِ ما خلقَ الإلهُ ولا برَى ***بشرًا يُرَى كمُحمدٍ بينَ الورَى
فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْأَطْهَارِ الْأَخْيَارِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي أَيُّهَا الْأَخْيَارُ بِتَقْوَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102).عِبَادَ اللهِ: « إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ » عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.
عناصر ُ اللقاءِ
-
أَوَّلًا: مِن فَضَائِلَ وَشَمَائِلَ النَّبِيِّ ﷺ.
-
ثَانِيًا: عُذْرًا رَسُولَ اللَّـهِ ﷺ!!!!
-
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: قَطْعُ لِسَانِكَ يَا مَنْ تَطَاوَلْتَ عَلَى سَيِّدِ الأَنَامِ ﷺ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنِ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ وَخَاصَّةً مِنْ آنٍ لِلْآخَرِ يَخْرُجُ عَلَيْنَا صَعْلُوكٌ لَا قِيمَةَ لَهُ وَلَا وَزْنَ لَهُ وَيَتَطَاوَلُ عَلَى سَيِّدِ الْبَشَرِ صلى الله عليه وسلم، وَخَاصَّةً وَهَـٰؤُلَاء كَذُبَابَةٍ حَقِيرَةٍ حَطَّتْ عَلَى نَخْلَةٍ تَمْرٍ عِمْلَاقَةٍ، فَلَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَغَادِرَ قَالَتْ لَهَا: أَيَّتُهَا النَّخْلَةُ تَشَبَّثِي وَتَمَسَّكِي بِالْأَرْضِ؛ فَإِنِّي مُغَادِرَةٌ إِيَّاكِ، فَأَجَابَتْهَا النَّخْلَةُ الْعِمْلَاقَةُ فِي غَيْرِ اكْتِرَاثٍ: غَادِرِي أَوْ لَا تَغَادِرِي؛ فَوَاللَّـهِ مَا شَعَرْتُ بِكِ وَأَنْتِ تَحُطِّينَ، فَكَيْفَ أَشْعُرُ بِكِ وَأَنْتِ تُغَادِرِينَ! وَخَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا فَقَدَ فِيهِ شَبَابُنَا وَأَبْنَاؤُنَا الْقُدْوَةَ وَالْمَثَلَ الْأَعْلَى فِي كُلِّ مَيَادِينِ الْحَيَاةِ، فَبَحَثُوا عَنْ الْقُدْوَةِ فِي التَّافِهِينَ وَالتَّافِهَاتِ وَالسَّاقِطِينَ وَالسَّاقِطَاتِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَمَا أَحْلَى أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عَنْهُ وَكَيْفَ لَا؟ وَهُوَ إِمَامُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِمَامُ الْأَتْقِيَاءِ وَإِمَامُ الْأَصْفِيَاءِ وَكَيْفَ لَا وَهُوَ قُدْوَتُنَا وَأَسْوَتُنَا وَمُعَلِّمُنَا وَمُرْشِدُنَا بِنَصٍّ مِنْ عِندِ اللَّهِ، وَالْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثٌ جَمِيلٌ رَقِيقٌ رَقْرَاقٌ طَوِيلٌ لَا حَدَّ لِمَنْتَهَاهُ وَبَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ وَكَيْفَ لَا؟
مُحَمَّدٌ أَشْرَفُ الأعْرَابِ والعَجَمِ***مُحَمَّدٌ خَيْرٌ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمِ
مُحَمَّدٌ باسِطُ المَعْرُوفِ جَامِعَةً***مُحَمَّدٌ صاحِبُ الإِحْسانِ والكَرَمِ
مُحَمَّدٌ تاجُ رُسْلِ اللهِ قاطِبَةً***مُحَمَّدٌ صادِقُ الأٌقْوَالِ والكَلِمِ
مُحَمَّدٌ ثابِتُ المِيثاقِ حافِظُهُ***مُحَمَّدٌ طيِّبُ الأخْلاقِ والشِّيَمِ
مُحَمَّدٌ خَيْرُ خَلْقِ اللهِ مِنْ مُضَرٍ***مُحَمَّدٌ خَيْرُ رُسْلِ اللهِ كُلِّهِمِ
-
أَوَّلًا: مِن فَضَائِلَ وَشَمَائِلَ النَّبِيِّ ﷺ.
أيُّها السَّادةُ: مِن رَحمةِ اللهِ بِعِبادِه المؤمنين أنْ بَعَثَ فيهم خيرَ رُسُلِه وخاتِمَ أنبيائِه وأفضَلَ خَلْقِه سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ، وَأَنزَلَ عليهِ القُرْآنَ وَأَيَّدَهُ بالحُجَّةِ وَالبرهانِ، فَهُوَ رَسُولٌ مُصطَفى، وَنَبِيٌّ مُجتَبی، نَبِيٌّ عَظيمٌ وَإمامٌ كَريمٌ، قَدْوةٌ للأَجيالِ وَأُسْوةٌ للرِّجالِ وَمَضْرِبُ الأَمْثالِ وَقائِدُ الأَبطالِ، مَعصومٌ قَلْبُهُ مِن الزَّيغِ، وَيَمِينُهُ مِن الخِيَانةِ، وَيَدُهُ مِن الجَوْرِ، وَلِسانُهُ مِن الكَذِبِ، وَنَهْجُهُ مِن الانحِرافِ، ما سَجَدَ لِصَنَمٍ وَلا اتَّجَهَ لِوَثَنٍ، ما مَستْ يَدُهُ يَدَ امرَأَةٍ لا تَحلُّ لَهُ، وَلا شارَكَ قَوْمَهُ في لَهوٍ وَمَجونٍ، طهّرَ اللهُ فؤادَهُ، وحفظَ رسالتَهُ، وأيّدَ دعوتَهُ، ونصرَ ملّتَهُ، وأظهرَ شريعتَهُ، ختمَ بهِ أنبياءَهُ، ونصرَ بهِ أولياءَهُ، وكبتَ بهِ أعداءَهُ, وخصَّهُ بفضائلَ كثيرةٍ لا تُحصَى في الدنيا والآخرة ، وهذا دليلٌ على علوِّ قدرِه ،وسموِّ مقامِهِ عندَ اللهِ جلَّ وعلا، وتميِّزهِ على غيرهِ مِن بنِي البشرِ، فضلًا على الأنبياءِ والمرسلين، ولا عجبَ؛ فهو سيدُ المرسلين وإمامُ الموحدين وقائدُ الغرِّ المحجلين وهو سيدُ الخلقِ وحبيبُ الحقِّ ﷺ وهو حبيبُ الرحمنِ وهو خليلُ الرحمنِ، فعن ابنِ مسعودٍ رضى اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: ” إنِّي أبْرَأُ إلى اللهِ أنْ يَكونَ لي مِنكُم خَلِيلٌ، فإنَّ اللهِ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كما اتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، ولو كُنْتُ مُتَّخِذًا مِن أُمَّتي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، “. رواه مسلم. وهذه الخلةُ لم ينلْهَا أحدٌ سوىَ النبيِّ ﷺ، وسيدِنَا إبراهيمَ عليه السلامُ. ومِن هذه الفضائلِ التي أكرمَ اللهُ ـ عزَّ وجلَّ ـ بهَا نبيَّنَا ﷺ مدْحُ اللهِ ـ عزَّ وجلَّ ـ وثناؤُهُ على حسنِ صفاتِه، وعظيمِ أخلاقهِ ﷺ فقال مخاطبًا إيّاهُ: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم الآية: 4)، ومِن فضائلِه ﷺ: رعايتُهُ له، وعنايتُه بهِ مِن قبلِ بعثتِه بالنبوةِ، بل منذُ ولادتِه فقالَ جلَّ وعلا (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} الضحى الآية: 6: 8 ومِن فضائلِه ﷺ: أنَّ اللهَ ـ عزَّ وجلَّ ـ رفعَ له ذكرَهُ في الدنيا والآخرةِ، قال جل وعلا (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ} الشرح: 4)، قال ابنُ كثيرٍ: ” قال مجاهدٌ: لا أُذكرُ إلّا ذكِرْتَ معي، أشهدُ ألّا إلهَ إلّا الله، وأشهدُ أنّ مُحمدًا رسولُ اللهِ “. وقال قتادةُ: رفعَ اللهُ ذكرَهُ في الدنيا والآخرةِ فليس خطيبٌ ولا متشهّدٌ ولا صاحبُ صلاةٍ إلّا يُنادِي بها أشهدُ ألّا إلهَ إلّا اللهُ وأنَّ مُحمدًا رسولُ اللهِ.. وقال حسانُ بنُ ثابتٍ ـ رضي اللهُ عنه:
ضمَ الإلهُ اسمَ النبيِّ إلى اسمهِ****إذا قال في الخمسِ المـؤذنُ: أشهـدُ
وشـقَّ له مِـن اسـمِه لـيُـجِلَّـهُ **** فـذو العـرشِ محمودٌ وهـذا محمدُ
ومِن فضائلِه ـ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ ـ أنه خَاتَمُ النَّبِيِّين وأفضلُهُم، لقولِ اللهِ تعالى ( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ }(الأحزاب: 40)، وعن أبي هريرةَ ـ رضي اللهُ عنه ـ قال: قال أبو القاسمِ ﷺ: مَثَلِي وَمَثَلُ الأنبياءِ مِن قبلِي كمثلِ رجلٍ بنَى بيتًا فأحسنَهُ وأجملَهُ إلّا موضعَ لَبِنَةٍ مِن زاويةٍ مِن زواياه، فجعلَ الناسُ يطوفونَ به ويَعجبونَ لهُ ويقولونَ: هلَّا وُضِعتْ هذه اللبنةُ!، قال: فأنَا اللبنةُ، وأنَا خاتمُ النبيينَ. ) رواه مسلم).. ومِن فضائلِه ﷺ أنَّه ﷺ أمانٌ لأمتِه، كما في صحيحِ مسلمٍ مِن حديثِ أبي موسَى الأشعرِي رضى اللهُ عنه قال، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ ما تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي ما يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتي ما يُوعَدُونَ،( قالَ جلَّ وعلا )وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون)[الأنفال:33).
ومِن فضائلِه ﷺ: أنَّ اللهَ سمّاهُ بأسماءَ كثيرةٍ فقالَ ﷺ: ( إِنَّ لِي خَمْسَةُ أسْماءٍ: أنا مُحَمَّدٌ، وأَحْمَدُ، وأنا الماحِي الذي يَمْحُو اللَّهُ بي الكُفْرَ، وأنا الحاشِرُ الذي يُحْشَرُ النَّاسُ علَى قَدَمِي، وأنا العاقِبُ). ومِن فضائلِه ﷺ: أنَّ اللهَ -سبحانه- نهَى المسلمين مِن أنْ يخاطبُوا النبيَّ ﷺ باسمِه، فقالَ جلَّ وعلا مخاطبًا المؤمنينَ (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا)، قال ابنُ عبّاسٍ ومجاهدُ وسعيدُ بنُ جبيرٍ: ((كانوا يقولون: يا محمّدٌ، يا أبا القاسِم، فنهاهُم اللهُ عزّ وجلّ عن ذلك إعظامًا لنبيِّهِ ﷺ، وأمرَهُم أنْ يقولُوا: يا نبيَّ اللهِ، يا رسولَ اللهِ). ومِن فضائلِه ﷺ: أنَّ اللهَ -سبحانه- وعدَهُ بأنْ يعطيَهُ حتّى يرضَى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ ربك فترضى)، وأنْ يرضيَهُ في أمتِهِ، ففي صحيحِ مسلمٍ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ قال – أنَّ النبيَّ ﷺ تَلا قَوْلَ اللهِ عزَّ وجلَّ في إبْراهِيمَ: {رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فمَن تَبِعَنِي فإنَّه مِنِّي} (إبراهيم: 36) الآية، وقالَ عِيسَى عليه السَّلامُ: {إنْ تُعَذِّبْهُمْ فإنَّهُمْ عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لهمْ فإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} )المائدة ( 118:، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتي أُمَّتِي، وبَكَى، فقالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: يا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ، ورَبُّكَ أعْلَمُ، فَسَلْهُ ما يُبْكِيكَ؟ فأتاهُ جِبْرِيلُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَسَأَلَهُ فأخْبَرَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ بما قالَ، وهو أعْلَمُ، فقالَ اللَّهُ: يا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إنَّا سَنُرْضِيكَ في أُمَّتِكَ، ولا نَسُوءُكَ))
بل اختصَّ اللهُ تعالى عبدَهُ ورسولَهُ مُحمّدًا ﷺ تشريفًا له وتكريمًا بأنْ غفرَ له ما تقدّمَ مِن ذنبهِ وما تأخّرَ وأخبرَهُ بهذه المغفرةِ وهو حيٌّ صحيحٌ يمشِي على الأرضِ، قال جلَّ وعلا ((إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ)) وعن عائشةَ- رضي اللهُ عنها- أنَّ النّبيَّ ﷺ كانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هذا يا رَسولَ اللَّهِ، وقدْ غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ؟ قالَ: أفلا أُحِبُّ أنْ أكُونَ عَبْدًا شَكُورًا ). بل جعلَ اللهُ -سبحانه وتعالى- طاعةَ النبيِّ ﷺ مِن طاعتِه، وهذا فضلٌ عظيمٌ، وجعلَ طاعةَ النبيِّ معيارًا لمحبتِه، قالَ -تعالى-: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يحببكم الله)، وفي صحيحِ البخارِي مِنْ حديثِ أَبِى هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ـ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: « كُلُّ أُمَّتي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَن أَبَى، قالوا:يا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَن يَأْبَى؟ قالَ: مَن أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَن عَصَانِي فقَدْ أَبَى)) فهو ﷺ خليلُ الرحمنِ، وصفوةُ الأنامِ، لا طاعةَ للهِ إلَّا بطاعتهِ، ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ النساء: 80، وخيرُ مَن وطئَ الثرَى، يقولُ شاعرُ الإسلامِ حسانُ بنُ ثابتٍ رضي اللهُ عنه في مدحِ النبيِّ ﷺ
وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِي ***** وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ
خُلِقْتَ مُبَرَّأً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ * ******كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ
ولرسولِ اللهِ ﷺ شأنٌ خاصٌّ فريدٌ يومَ القيامةِ فهو أوَّلُ مَن تنشقُّ عنه الأرضُ يومَ القيامةِ، ويأخذُ لواءَ الحمدِ بيدِهِ ﷺ ،وهو إمامُ النبيِّين فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ(( وفي حديثِ أبي سعيدٍ الخدرِي رضي اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الحَمْدِ وَلَا فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ وَلَا فَخْرَ)) وعن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ كُنْتُ إِمَامَ النَّبِيِّينَ وَخَطِيبَهُمْ وَصَاحِبَ شَفَاعَتِهِمْ، غَيْرُ فَخْرٍ)) وهو صاحبُ الشفاعةِ العظمَي يومَ الدينِ: كما في حديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي اللهُ عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَشَ مِنْهَا نَهْشَةً، ثُمَّ قَالَ: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ..))وهو صاحبُ الحوضِ المورودِ: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ)).ومِن فضائلِ النبيِّ ﷺ أنَّ اللهَ جلَّ وعلا أعطاهُ الكوثر، وهو نهرٌ عظيمٌ وعدَهُ اللهُ بهِ في الجنةِ، قال جلَّ وعلا (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) الكوثر: 1،
وعن أنسٍ رضي اللهُ عنه قال: بيْنَا رَسولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ بيْنَ أظْهُرِنَا إذْ أغْفَى إغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا، فَقُلْنَا: ما أضْحَكَكَ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأَ: بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {إنَّا أعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ (2) إنَّ شَانِئَكَ هو الأَبْتَرُ} [الكوثر: 1 – 3]، ثُمَّ قالَ: أتَدْرُونَ ما الكَوْثَرُ؟ فَقُلْنَا اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فإنَّه نَهْرٌ وعَدَنِيهِ رَبِّي عزَّ وجلَّ، عليه خَيْرٌ كَثِيرٌ (وفي رواية الترمذي: الكوثَرُ نَهْرٌ في الجنَّةِ، حافَّتاهُ من ذَهَبٍ، ومَجراهُ على الدُّرِّ والياقوتِ، تُربتُهُ أطيبُ مِنَ المسكِ، وماؤُهُ أحلَى منَ العسلِ، وأبيَضُ منَ الثَّلجِ).
وهو ﷺ صاحبُ المقامِ المحمودِ: قال جلَّ وعلا مخاطبًا نبيَّهُ ﷺ في القرآنِ الكريمِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ الإسراء: 79 قال ابْنُ عُمَرَ رضي اللهُ عنه: إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُثًا كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا يَقُولُونَ: يَا فُلَانُ اشْفَعْ يَا فُلَانُ اشْفَعْ. حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ)) ومِن شرفهِ وفضلهِ ﷺ: أنَّه ﷺ صاحبُ الوسيلةِ، وهي أعلى درجةٍ في الجنةِ لا تنبغِي إلّا لعبدٍ مِن عبادِ اللهِ، وهي لهُ ﷺ ففي صحيحِ مسلمٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قال (إذا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ، فَقُولوا مِثْلَ ما يقولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فإنَّه مَن صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عليه بها عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الوَسِيلَةَ، فإنَّها مَنْزِلَةٌ في الجَنَّةِ، لا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْدٍ مِن عِبادِ اللهِ، وأَرْجُو أنْ أكُونَ أنا هُوَ، فمَن سَأَلَ لي الوَسِيلَةَ حَلَّتْ له الشَّفاعَةُ( وهو ﷺ أولُ مَن يفتحُ بابَ الجنةِ: كما في حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ رضى اللهُ عنه قال، قال النبيُّ المختارُ ﷺ (أنا أكْثَرُ الأنْبِياءِ تَبَعًا يَومَ القِيامَةِ، وأنا أوَّلُ مَن يَقْرَعُ بابَ الجَنَّةِ)، وعن أنسِ بنِ مالكٍ ـرضي اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: آتي باب الجنةِ يوم القيامة فأستفتِحُ، فيقولُ الخازِنُ: مَنْ أنت؟ فأقول: محمدٌ، فيقول: بك أُمرتُ لا أفتحَ لأحدٍ قبلَك) رواه مسلم.
ربَّاكَ ربُّكَ، جلَّ من ربَّاكا *** ورعاكَ في كنفِ الهُدى وحَمَاكا
سبحانَه أَعطاكَ فيضَ فَضائلٍ *** لم يُعْطِها في العالمينَ سِواكا
-
ثَانِيًا: عُذْرًا رَسُولَ اللَّـهِ ﷺ!!!!
أيُّها السَّادة: عُذْرًا رَسُولَ اللّهِ أنْ تَطاولَ السُّفَهاءَ عَلَيْكَ فَهُمْ لا يَعْرِفُونَ قَدْرَكَ، عُذْرًا رَسُولَ اللّهِ أنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ الجَاهِلُونَ فَهُمْ لا يَعْرِفُونَ شَأْنَكَ، عُذْرًا رَسُولَ اللّهِ أنْ قَصَرْنَا فِي حَقِّكَ وَفِي حَقِّ الدِّفَاعِ عَنْكَ. عُذْرَاً مِنْكَ يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللهِ، يَا مَنْ حَمَلْتَ هُمُومَ الأُمَّةِ، حَتَّى جَعَلْتَهَا أُمَّةً عَالِيَةً على سَائِرِ الأُمَمِ، وَشَهِدَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ، فَقَالَ تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. وَكَمَا قُلْتَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» رواه الإمام البخاري عَنْ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
عُذْرَاً مِنْكَ يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللهِ، يَا مَنْ جَعَلْتَ المُؤْمِنِينَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، وَجَعَلْتَ المُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَالجَسَدِ الوَاحِدِ. عُذْرَاً مِنْكَ يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللهِ، يَا مَنْ رَبَّيْتَ رِجَالَاً حَمَلُوا أَخْلَاقَكَ السَّامِيَةَ العَالِيَةَ التي قَالَ اللهُ تعالى فِيهَا شَاهِدَاً لَكَ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. فَحَمَلُوا هَذَا الخُلُقَ إلى البَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ حَتَّى دَانَتْ لَهُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ، بِالأَخْلَاقِ التي أَتَيْتَ بِهَا لِهَذِهِ الأُمَّةِ، كَمَا حَصَرْتَ رِسَالَتَكَ وَالغَايَةَ مِنْهَا بِقَوْلِكَ: «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» رواه الحاكم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. عُذْرَاً مِنْكَ يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللهِ، يَا مَنْ كُنْتَ هِدَايَةَ اللهِ تعالى للبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ، وَنِعْمَتَهُ العُظْمَى على الإِنْسَانِيَّةِ كُلِّهَا، وَمِنَّتَهُ على الأُمَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ، كَمَا قَالَ تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولَاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. عُذْرَاً مِنْكَ يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللهِ، يَا مَنْ أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ، وَمِنَ الغِوَايَةِ إلى الهِدَايَةِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إلى سَعَةِ الآخِرَةِ. عُذْرَاً مِنْكَ يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللهِ، يَا مَنْ لَمْ تَدَعْ خَيْرَاً مِنْ خَيْرَاتِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلَّا دَعَوْتَنَا إِلَيْهِ، وَلَمْ تَدَعْ شَرَّاً يُؤْذِينَا في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلَّا حَذَّرْتَنَا مِنْهُ.
عُذْرَاً مِنْكَ يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللهِ، يَا مَنْ تَرَكْتَنَا على المَحَجَّةِ البَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ.
عُذْرَاً مِنْكَ يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللهِ، لِأَنَّنَا نَسِينَا أَوْ تَنَاسَيْنَا قَوْلَ اللهِ تعالى فِيكَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. وَقَوْلَ اللهِ تعالى فِيكَ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وَقَوْلَكَ عَنْ ذَاتِكَ الشَّرِيفَةِ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ» رواه الحاكم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. عُذْرَاً مِنْكَ يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللهِ، لِأَنَّنَا نَسِينَا أَوْ تَنَاسَيْنَا قَوْلَكَ يَوْمَ أُحُدٍ، عِنْدَمَا سَأَلَكَ أَصْحَابُكَ أَنْ تَدْعُوَ اللهَ عَلَى المُشْرِكِينَ الذينَ شَجُّوا جَبِينَكَ الشَّرِيفَ، وَشَفَتَكَ السُّفْلَى، وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَكَ، وَأَدْخَلُوا المِغْفَرَ في وَجْنَتَيْكَ، حَتَّى وَقَعْتَ في الحُفْرَةِ، فَقَالَ لَكَ أَصْحَابُكَ: ادْعُ على المُشْرِكِينَ. فَقُلْتَ لَهُمْ ـ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللهِ ـ : «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانَاً، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً» رواه الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. عُذْرَاً مِنْكَ يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللهِ، لِأَنَّنَا نَسِينَا أَوْ تَنَاسَيْنَا قَوْلَكَ لِسَيِّدِنَا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْمَ عَوْدَتِكَ مِنَ الطَّائِفِ، عِنْدَمَا جَاءَكَ وَمَعَهُ مَلَكُ الجِبَالِ، وَكَانَ مَلَكُ الجِبَالِ بِإِمْرَتِكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ يُطْبِقَ الأَخْشَبَيْنِ على أَهْلِ الطَّائِفِ الذينَ فَعَلُوا بِكَ مَا فَعَلُوا، فَقُلْتَ ـ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ـ : «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئَاً» رواه الشيخان عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا.
عَذْرًا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ قَصَرْتُ فِي*****وَصْفِي فَإِنَّ جَمَالَكُمْ لَنْ يُوَصَفَا
جَاءَتْ قَدِيمًا ذُرَّةً مِنْ نُورِكُمْ******قَدْ جَمَّلَ الرَّحْمَـنُ مِنْهَا يُوسفًا
وَاللَّهُ لَوْ جَدَّ الْعَبَاقِرُ كُلُّهُمْ******فِي وَصْفِ أَفْضَالٍ لَهُ لَـنْ يُعَرَّفَا
وَاللَّهُ لَوْ مَاءُ الْبِحَارِ جَمِيعِهَا*****كَانَ الْمِدَادَ لِوَصْفِ أَحْمَدَ مَا كَفَى
وَاللَّهُ لَوْ قَلَمُ الزَّمَانِ مِنَ الْبِدَايَةِ****** لِلنِّهَايَةِ ظَلَّ يَكْتُبُ مَا اِكْتَفَى
وَاللَّهُ لَوْ قَبْرُ النَّبِيِّ تَفَجَّرَتْ أَنْوَارُهُ******لِلْبَدْرِ وَلِّي وَاخْتَفَى
يَكْفِيهِ لَقْيَا فِي السَّمَوَاتِ الْعُلَى***** وَبِحَضْرَةِ الرَّبِّ الْجَلِيلِ تَشَرَّفَا
يَكْفِيهِ أَنَّ الْبَدْرَ يَخْسِفُ نُورَهُ *******لَكِنَّ نُورَ مُحَمَّدٍ لَنْ يَخْسِفَا
سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَحَدٌ – عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ – اسْتَهْزَأَ بِنبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَبِيُّ الْهُدَى وَالرَّحْمَةِ أَوْ سَخِرَ مِنْهُ إِلَّا عَاجَلَهُ اللَّهُ بِالْهَلاَكِ سَنَةً كُونِيَّةً مُتَكَرِّرَةً.. ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) وَإِنَّ مِنْ أَعْجَبِ الْقِصَصِ فِي ذَلِكَ: مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ: عَنْ أَبِي نَوْفَلِ بْنِ أَبِي عَقْرَبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ لَهَبُ (ابن لأَبِي لَهَبٍ عَلَى الْأَرْجَحِ أَنَّهُ عُتَيْبَةُ) بْنُ أَبِي لَهَبٍ يَسُبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ». فَخَرَجَ فِي قَافِلَةٍ يُرِيدُ الشَّامَ فَنَزَلَ مَنْزِلًا، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالُوا لَهُ: كَلَّا. فَحَطُّوا مَتَاعَهُمْ حَوْلَهُ وَقَعَدُوا يَحْرُسُونَهُ فَجَاءَ الْأَسَدُ فَانتَزَعَهُ فَذَهَبَ بِهِ..
وَكَيْفَ لَا؟ وَاللَّهُ خَاطَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ لَا تَخْفَهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ كَافِيكَ إِيَّاهُمْ، وَحَافِظُكَ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ [المَائِدَة: 67].. وَرَوَى أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَمَزَهُ بَعْضُهُمْ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ أَحْسِبُهُ قَالَ: فَغَمَزَهُمْ فَوَقَعَ فِي أَجْسَادِهِمْ كَهَيْئَةِ الطَّعْنَةِ حَتَّى مَاتُوا…
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِسْحَاقَ: كَانَ عُظَمَاءُ الْمُسْتَهْزِئِينَ خَمْسَةَ نَفَرٍ، كَانُوا ذَوِي أَسْنَانٍ وَشَرَفٍ فِي قَوْمِهِمْ، مِنْ بَنِي أَسَدٍ: الْأَسْودُ بْنُ الْمُطَّلِبِ أَبُو زَمْعَةَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ دَعَا عَلَيْهِ؛ لَمَّا كَانَ يُبَلِّغُهُ مِنْ أَذَاهُ وَاسْتَهْزَائِهِ بِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ، أَعْمِ بَصَرَهُ، وَأَثْكِلْهُ وَلَدَهُ. وَمِنْ بَنِي زَهْرَةَ: الْأَسْودُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ… وَمِنْ بَنِي مُخْزُومٍ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ.. وَمِنْ بَنِي سَهْمٍ: الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ.. وَمِنْ خَزَاعَةَ: الْحَارِثُ بْنُ الطَّلاطِلَةِ.. فَلَمَّا تَمَادَوْا فِي الشَّرِّ وَأَكْثَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْاسْتَهْزَاءَ، أَنزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ [الحجر: 94، 96].. صدق الله: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ !.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقَامَ وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جَنْبِهِ، فَمَرَّ بِهِ الْأَسْوَدُ ابْنُ الْمُطَّلِبِ فَرَمَى فِي وَجْهِهِ بِوَرَقَةٍ خَضْرَاءَ، فَعَمِيَ. وَمَرَّ بِهِ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، فَأَشَارَ إِلَى بَطْنِهِ، فَاسْتَسْقَى بَطْنَهُ، فَمَاتَ مِنْهُ. وَمَرَّ بِهِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، فَأَشَارَ إِلَى أَثَرِ جُرْحٍ بِأَسْفَلَ كَعْبِ رَجُلِهِ – كَانَ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَٰلِكَ بِسَنَتَيْنِ وَهُوَ يَجُرُّ إِزَارَهُ – وَذَٰلِكَ أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ مِنْ خَزَاعَةَ يُرَيشُ نَبْلًا لَهُ، فَتَعَلَّقَ سَهْمٌ مِنْ نَبْلِهِ بِإِزَارِهِ، فَخَدَشَ رَجُلَهُ ذَٰلِكَ الْخَدْشَ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ – فَانتَقَضَ بِهِ فَقَتَلَهُ. وَمَرَّ بِهِ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، فَأَشَارَ إِلَى أَخْمَصِ قَدَمِهِ، فَخَرَجَ عَلَى حِمَارٍ لَهُ يُرِيدُ الطَّائِفَ، فَرَبَضَ عَلَى شَبْرَقَةٍ فَدَخَلَتْ فِي أَخْمَصِ رَجِلِهِ مِنْهَا شَوْكَةٌ فَاقَتَلَتْهُ. وَمَرَّ بِهِ الْحَارِثُ بْنُ الطَّلاَطِلَةِ، فَأَشَارَ إِلَى رَأْسِهِ، فَامْتَخَطَ قَيْحًا، فَقَتَلَهُ.. وصدق الله: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ !.
هـذا الـحبيـبُ الذي في مدحِهِ شرفٌ *** وذكُرُهُ طيبٌ في مسمعِـي وفـمِـي
هذا أبو القـاسـمِ المـخـتـارُ مِن مُضَر ** هــذا أجـــلُّ عـبـــادِ اللـهِ كـلِّــهِـــمِ
هذا هو المصطفَى أزكَى الورَى خلقًا ** سبحانَ مَن خصَّهُ بالفضلِ والكرمِ
هذا الذي لا يصحُّ الفرضُ مِن أحـــدٍ**ولا الآذانُ بـلا ذكـرِ اسـمِـهِ الـعَـلَـمِ
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ. الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِسْمِ اللهِ وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ … أَمَّا بَعْدُ:
صَلَّتْ عَلَيْكَ مَلَائِكُ الرَّحْمَنِ **** وَسَرَى الضِّيَاءُ بِسَائِرِ الْأَكْوَانِ
لَمَّا طَلَعْتَ عَلَى الْوُجُودِ مُزَوَّدًا **** بِحِمَى الإِلَهِ وَرَايَةِ الْقُرْآنِ
قَالَ حَسَّانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مَدْحِ النَّبِيِّ وَفِي وَصْفِ النَّبِيِّ ﷺ:
لَمَّا رَأَيْتُ أَنْوَارَهُ سَطَعَتْ *** وَضَعْتُ مِنْ خِيفَتِي كَفِّي عَلَى بَصَرِي
خَوْفًا عَلَى بَصَرِي مِنْ حُسْنِ صُورَتِهِ *** فَلَسْتُ أَنْظُرُهُ إِلَّا عَلَى قَدَرِي
رُوحٌ مِنَ النُّورِ فِي جِسْمٍ مِنَ الْقَمَرِ *** كَحِلْيَةٍ نُسِجَتْ مِنَ الْأَنْجُمِ الزُّهْرِ
-
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: قَطْعُ لِسَانِكَ يَا مَنْ تَطَاوَلْتَ عَلَى سَيِّدِ الأَنَامِ ﷺ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: عَاداهُ مشركو قريشٍ وطردوهُ فأخزاهم اللهُ، ومزَّقَ كِسرى رِسالتَه فمزَّقَ مُلكَه اللهُ، وإذا كَانَ اللهُ تَعالى يَقولُ: (من عَادى لي وَليَّاً فقد آذنتُه بالحربِ)، فكيفَ بمن عَادى إمامَ الأولياءِ، وسَيدَ الأنبياءِ؟، وصدقَ اللهُ تعالى: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبتَرُ)، فكلُّ من أبغضَ النَّبيَّ صلى اللهُ عليه وسلمَ أو عاداه، فإن اللهَ تعالى يَقطعُ دَابرَه وذِكراه، وتبقى الصَّلاةُ والسلامُ عليه تملأُ الأفواهَ، وتطيبُ بذكرِه ومَحَبَتِهِ الحياةُ. كَيفَ بِرَجُلٍ، اللَّهُ (هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ)، كَيفَ بِرَجلٍ، قَالَ اللهُ تَعَالى لَهُ: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ)، فَكَفَاه فِي الحَياةِ وبَعدَ المَمَاتِ، وَجَعَلَ الدِّفاعَ عَنْهُ مِنْ أَعظَمِ القُرُباتِ، حَتَى قَالَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَسَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عِندَما هَجَا قُريشَ: (إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ)، وَقَد قَالَ حَسَّانُ:
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ *** وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الجَزَاءُ
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي *** لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ *** وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ
أيُّها الأحبَّةُ .. لَا جَديدَ فِي الْإِسَاءَةِ إِلَى نَّبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ عُبَّادِ الصَّلِيبِ وَالْبَقَرِ، وَالْمُلْحِدِينَ وَغَيْرِهِمْ وَلَا جَديدَ فِي أَنَّهُ يَبْقَى هُوَ بِأَبِي وَأُمِّي إمامَ النَّاسِ وَسَيِّدَ الْبَشَرِ، لَا يَضُرُّه نَعِيقُ نَاعِقٍ، وَلَا صَرِيخُ زَاعِقٍ، وَهَلْ يَضُرُّ السَّمَاءَ نَبَحُ الْكِلَابِ !! وَهَلْ يَضُرُّ السَّمَاءَ أَنْ تَمْتَدَّ إِلَيْهَا يَدٌ شَلَّاءُ !!
لا والله ((قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ؛ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ؛ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ” وَعَلَى مُرُورِ الأَزْمِنَةِ وَتَلاَحُقِهَا وَتِعَاقُبِهَا قَامَ أَلْفُ أَبِي لَهَبٍ، وَأَلْفُ أُمِّ جَمِيلٍ، وَأَلْفُ أَبِي جَهْلٍ، وَأَلْفُ عُتْبَةَ… كُلُّهُمْ يُرِيدُ أَنْ يَنْتَقِصَ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ أَوْ مِن رَفْعَةِ السَّمَاءِ أَوْ مِن سُمُوِّ النُّجُومِ! فَلَا يَسْتَطِيعُونَ؛ فَكَيْفَ لِذُبَابَةٍ تَافِهَةٍ أَنْ تَسَامِيَ الأَفْلَاكَ السَّائِرَاتِ!
وَمَا زَالَ اللَّهُ -تَعَالَى- يَكْبِتُ خُصُومَ نَبِيِّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَيُخْزِيَهُمْ وَيَنْصُرُهُ عَلَيْهِمْ، مَعَ مَا يَنْتَظِرُهُمْ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[التوبة: 61]، وَقَالَ -تَعَالَى-: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا)[الأحزاب: 57]. فَمَا نَالَ أَحَدٌ مِن رَسُولِ اللّهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللّهُ كَانَ أَبُو لَهَبٍ وَابْنُهُ عَتْبَةَ قَدْ تَجَهَّزَا إِلَى الشَّامِ، فَقَالَ ابْنُهُ عَتْبَةُ: وَاللَّهِ لَأَنْطَلِقَنَّ إِلَى مُحَمَّدٍ وَلَأُوَذِينَّهُ فِي رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ (هُوَ يَكْفُرُ) بِالَّذِي دَنَى فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “اللّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِّن كِلَابِكَ”. ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، فَرَجَعَ إِلَى أَبِيهِ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ مَا قُلْتَ لَهُ؟ فَذَكَرَ لَهُ مَا قَالَهُ، فَقَالَ: فَمَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ: “اللّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِّن كِلَابِكَ”. قَالَ: يَا بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا آمَنْ عَلَيْكَ دُعَاءَهُ! فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا بِالشَّرَاةِ وَهِيَ أَرْضٌ كَثِيرَةُ الْأَسَدِ، فَقَالَ: أَبُو لَهَبٍ إِنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ كِبَرَ سِنِّي وَحَقِّي، وَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ دَعَا عَلَى ابْنِي دُعْوَةً وَاللَّهِ مَا آمَنْهَا عَلَيْهِ، فَاجْمَعُوا مَتَاعَكُمْ إِلَى هَذِهِ الصُّومَعَةِ وَافْرُشُوا لابْنِي عَلَيْهَا ثُمَّ افْرُشُوا حَوْلَهَا، فَفَعَلْنَا، فَجَاءَ الْأَسَدُ فَشَمَّ وُجُوهَنَا فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ مَا يُرِيدُ تَقَبَّضَ فَوَثَبَ وَثْبَةً، فَإِذَا هُوَ فَوْقَ الْمَتَاعِ فَشَمَّ وَجْهَهُ ثُمَّ هَزَمَهُ هَزْمَةً فَفَسَخَ رَأْسَهُ!! فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَا يَتَفَلَّتُ مِن دُعْوَةِ مُحَمَّدٍ!! (تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ).
وَلَقَدْ كَفَى اللّٰهُ -عَزَّ جَلَّ- نَبِيَّهُ -صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سُبَّ أُمِّ جَمِيلٍ هَذِهِ؛ إِذْ أَقْبَلَتْ “وَلَهَا وَلَوْلَةٌ وَفِي يَدِهَا فَهْرٌ وَهِيَ تَقُولُ: مُذَمَّمًا أَبِينَا وَدِينَهُ قَلَيْنَا وَأَمْرَهُ عَصَيْنَا، وَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا رَآهَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللّٰهِ، قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَنَا أَخَافُ أَنْ تَرَاكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللّٰهِ -صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “إِنَّهَا لَنْ تَرَانِي”، وَقَرَأَ قُرْآنًا فَاعْتَصَمَ بِهِ.. فَوَقَفَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَلَمْ تَرَ رَسُولَ اللّٰهِ -صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-“(رَوَاهُ الْحَاكِم)… وَكَانَ -صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يُصَرِّفُ اللّٰهُ عَنْيَ شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ، يَشْتُمُونَ مُذَمَّمًا، وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا وَأَنَا مُحَمَّدٌ”(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
مجلة روح الاسلام فيض المعارف