خُطْبَةُ الجُمُعَةِ : ((تَقَارِيرُ تُكْتَبُ وَأَعْمَالٌ تُرْفَعُ)) للدكتور : محمد حرز
30 يناير، 2026
خطب منبرية

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ : ((تَقَارِيرُ تُكْتَبُ وَأَعْمَالٌ تُرْفَعُ))
للدكتور : محمد حرز
لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
الَحْمَدُ للهِ الَّذِي زَيَّنَ قُلُوبَ أَوْلِيَائِهِ بِأَنْوَارِ الوِفَاقِ، وَسَقَى أَسْرَارَ أَحِبَّائِهِ شَرَابًا لَذِيذَ المَذَاقِ، وَأَلْزَمَ قُلُوبَ الخَائِفِينَ الوَجَلَ وَالإِشْفَاقَ، فَلَا يَعْلَمُ الإِنْسَانُ فِي أَيِّ الدَّوَاوِينِ كُتِبَ وَلَا فِي أَيِّ الفَرِيقَيْنِ يُسَاقُ، فَإِنْ سَامَحَ فَبِفَضْلِهِ، وَإِنْ عَاقَبَ فَبِعَدْلِهِ، وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى الْمَلِكِ الْخَلَّاقِ. وَأَشْهَدُ أَن لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحَدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، إِلَٰهٌ عَزَّ مَنْ اعْتَزَّ بِهِ فَلَا يُضَامُ، وَذَلَّ مَنْ تَكَبَّرَ عَنْ أَمْرِهِ وَلَقِيَ الْآثَامَ. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا وَشَفِيعَنَا مُحَمَّدًا عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيَّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَحَبِيبُهُ، خَاتَمُ أَنْبِيَائِهِ، وَسَيِّدُ أَصْفِيَائِهِ، الْمَخْصُوصُ بِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، فِي الْيَوْمِ الْمَشْهُودِ، الَّذِي جُمِعَ فِيهِ الْأَنْبِيَاءُ تَحْتَ لَوَائِهِ.
آيَاتُ أَحْمَدَ لَا تُحَدُّ لَواصِفٍ ******وَلَوْ أَنَّهُ أُمِلِيَ وَعَاشَ دَهُورًا
بَشَّرَكُمْ يَا أُمَّةَ الْمُخْتَارِ فِي ******يَوْمِ الْقِيَامَةِ جَنَّةً وَحَرِيرًا
فُضِّلْتُمْ حَقًّا بِأَشْرَفِ مُرْسَلٍ ******خَيْرِ الْبَرِيَّةِ بَادِيًا وَحُضُورًا
صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ رَبِّي دَائِمًا *******مَا دَامَتِ الدُّنْيَا وَزَادَ كَثِيرًا
وَعَلَى آلهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ، وَتَمَسَّكَ بِسُنَّتِهِ، وَاقْتَدَى بِهَدْيِهِ، وَاتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَنَحْنُ مَعَهُمْ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ..أمَّا بعدُ …..فأوصيكُم ونفسِي أيُّها الأخيارُ بتقوى العزيزِ الغفارِ)): يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( (آل عمران :102
عِبَادَ اللهِ :(( تَقَارِيرُ تُكْتَبُ وَأَعْمَالٌ تُرْفَعُ))عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا .
عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:
أَوَّلًا: تَقَارِيرُ تُكْتَبُ وَأَنتَ لَا تَشْعُرُ!!!
ثَانِيـــًـا: دَرَجَاتُ رَفْعِ الأَعْمَالِ.
ثَالِثـــًـا وَأَخِيرًا: وَمَعَ تِلْكُمُ التَّقَارِيرِ اللّهُ تَوَابٌ رَّحِيمٌ !!
أَيُّهَا السَّادَةُ: بَدَايَةً مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ تَقَارِيرَ تُكْتَبُ وَأَعْمَالٍ تُرْفَعُ خَاصَّةً وَالنَّاسُ تَعِيشُ فِي غَفْلَةٍ عَنْ ذَٰلِكَ كُلِّهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وَخَاصَّةً وَتِلْكُمُ التَّقَارِيرُ تَقَارِيرٌ مِّن نَوْعٍ خَاصٍّ لَا مُجَامَلَةَ وَلَا مُحَابَاةَ وَلَا تَزْوِيرَ وَلَا تَأْلِيفَ فَانْتَبِهْ قَبْلَ كِتَابَةِ تِلْكُمُ التَّقَارِيرِ فَتَكُونَ مِّنَ الْهَالِكِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
نَهَارُكَ يا مَغْرورُ سَهْوٌ وغَفْلَةٌ ****ولَيْلُكَ نَومٌ والرَّدَى لَكَ لازِمُ
وتَعْمَلُ فيما سَوفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ *****كَذلِكَ في الدُّنيا تَعِيشُ البَهائِمُ
أَوَّلًا: تَقَارِيرُ تُكْتَبُ وَأَنتَ لَا تَشْعُرُ!!!
أيُّهَا السَّادَةُ : هُناكَ تَقَارِيرُ تُكْتَبُ وَتُرْفَعُ إِلَى مَلِكِ الْمَلَوِكِ وَجَبَّارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَنْتَ لَا تَدْرِي!!! وَأَنْتَ فِي غَفْلَةٍ!! قَالَ جَلَّ وَعَلَا ((﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾، وَكُلُّ أُمَّةٍ انْقَطَعَ عَنْهَا الْإِنذَارُ، وَتُرِكَ فِيهَا التَّذْكِيرُ تَقَعُ فِي الْغَفْلَةِ؛ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾، وَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِهِ غَافِلُونَ؛ ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ فَالْاِنْتِبَاهُ الْاِنْتِبَاهُ قَبْلَ كِتَابَةِ التَّقْرِيرِ عِبَادَ اللَّهِ . تَقَارِيرُ تُكْتَبُ فِي رَفْعِ الْعَمَلِ لِلَّهِ تَعَالَى وَقَبُولِهِ وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ !!!قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾ [فاطر: 10].
لَكِنَّ هَذِهِ التَّقَارِيرِ تَخْتَلِفُ عَنْ تَقَارِيرِ البَشَرِ تَقَارِيرُ البَشَرِ فِيهَا مُجَامَلَةٌ فِيهَا مُحَابَاةٌ فِيهَا ظُلْمٌ فِيهَا خِيَانَةٌ فِيهَا كَذِبٌ فِيهَا تَلْفِيقٌ فِيهَا تَضْلِيلٌ فِيهَا آهاتٌ وَخِزْيٌ وَعَارٌ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ أَمَّا تَقَارِيرُ الْمَلَائِكَةِ لَا مُجَامَلَةَ لَا مُحَابَاةَ لَا ظُلْمَ لَا خِيَانَةَ لَا تَلْفِيقَ لَا تَضْلِيلَ فِيهَا آهاتٌ وَفِيهَا سَعَادَةٌ عَلَى حَسَبِ عَمَلِ الْإنْسَانِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ – فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَى عَنْ اللَّهِ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيَهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوفِّيكُمِ إِيَّاهَا، فَمَن وُجِدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وُجِدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ)) تَقَارِيرُ لَيْسَتْ كَتَقَارِيرِ الْبَشَرِ وَكَيْفَ لَا؟ وَقَدْ وَكَلَ اللَّـهُ بِنَا مَلَائِكَةً يَكْتُبُونَ أَعْمَالَنَا، فَقَالَ لَنَا: “وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ “الانفطار: 10 – 12. وَقَالَ تَعَالَى: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 17-18] رَقِيبٌ عَتِيدٌ هُوَ وَصْفٌ لِكُلِّ مَلَكٍ وَلَيْسَ اسْمًا لَهُمَا، وَمَعْنَى رَقِيبٌ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مَن كِتَابَةِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ! وَعَتِيدٌ يَعْنِي حَاضِرٌ لَا يَغِيبُ وَلَا لَحْظَةٌ، وَكَيْفَ لَا؟ وَأَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ فَضْلِ اللهِ وَكَرَمِهِ: أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَعَمِلَهَا كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِهَا وَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِندَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَبِالْعَكْسِ السَّيِّئَةَ: فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ هَمَّ بِهَا وَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَ لَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً. وَمُصْدَاقُ هَذَا مَا جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَا يَرْوِيَ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: (قَالَ اللهُ: إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَٰلِكَ، فَمَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِندَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ عِندَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِندَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمَلَهَا كَتَبَهَا اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَكَيْفَ لَا؟
هَذِهْ التَّقَارِيرُ لَيْسَتْ كَتَّقَارِيرِ البَشَرِ، بَلْ هِيَ تَقَارِيرُ تَخْتَلِفُ عَنْهَا فِي أُمُورٍ عَدَّةٍ، مِنْهَا: أَنَّ كَتَّابَ هَذِهْ التَّقَارِيرِ مُهَرَةٌ فِي الْكِتَابَةِ وَالإِحْصَاءِ، فَيَكْتُبُونَ الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ وَالزَّمَانَ وَالْمَكَانَ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. وَقَالَ: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكَهْف: 49].
وَقَالَ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنْبِيَاءِ: 47]. ومِنْهَا أَنَّ كَتَبَةَ هَذِهْ التَّقَارِيرِ أُمَنَاءُ، فَلَا يُحَابُونَ وَلَا يُجَامِلُونَ؛ ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفِطار: 11- 12]، ﴿مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التَّحْرِيم: 6]. ومِنْهَا أَنَّ هَذِهِ التَّقَارِيرَ تُكْتَبُ فِي سِجِلَّاتٍ كَبِيرَةٍ، ثُمَّ تُنْشَرُ يَوْمَ الْبَعْثِ وَالنَّشُورِ: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: 10]، ﴿وَكُلَّ إنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإِسْرَاءِ: 13- 14]. ﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ ﴾ [الزمر: 69].
وقال: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7- 8].
وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ سَيُخْلِصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُنْشَرُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سَجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ، …..) رَوَاهُ التُّرْمِذِيُّ، وَمِنْهَا أَنْ هَذِهِ التَّقَارِير يُبْنَى عَلَيْهَا الْمُسْتَقْبَلُ الْحَقِيقِيُّ لِلشَّخْصِ، فَإِن كَانَتْ تَقَارِيرَ إِيْجَابِيَّةً، سَعِدَ صَاحِبُهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِن كَانَتْ سَلْبِيَّةً، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ! ومِصْدَاقُ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – وَفِيهِ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ))؛ [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
وَمِنْهَا أَنَّ الَّذِي يَطَّلِعُ عَلَى هَذِهِ التَّقَارِيرِ لَيْسَ رَئِيسَ مُؤَسَّسَةٍ، وَلَا وَزِيرًا، وَلَا رَئِيسًا، وَلَا مَلِكَ؛ إِنَّمَا هُوَ مَلِكُ الْمُلُوكِ جَلَّ فِي عَلَاهُ: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الكَهْفِ: 48]. وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (يُدْنَى الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ وَقَالَ هِشَامٌ: يَدْنُو الْمُؤْمِنُ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنفَهُ، فِيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقْرِرُهُ بِذُنُوبِهِ، تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ يَقُولُ: أَعْرِفُ، يَقُولُ: رَبِّي أَعْرِفُ مَرَّتَيْنِ، فَيَقُولُ: سَتَرْتُهَا فِي الدُّنْيَا، وَأَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ تُطْوَى صَحِيفَةُ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْآخَرُونَ أَوْ الْكُفَّارُ فَيُنَادَى عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ: ﴿هَؤُلَاءِ الْذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هُودَ: 18]) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
مَثَلَ لِنَفْسِكَ أَيُّهَا الْمُغَرُّورُ ** يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَمُورُ
إِذْ كُوِّرَتْ شَمْسُ النَّهَارِ وَأُدْنِيَتْ ** حَتَّى عَلَى رَأْسِ الْعِبَادِ تَسِيرُ
وَإِذَا النُّجُومُ تَسَاقَطَتْ وَتَنَاثَرَتْ ** وَتَبَدَّلَتْ بَعْدَ الضِّيَاءِ كَدُورٍ
وَإِذَا الْبِحَارُ تَفَجَّرَتْ مِنْ خَوْفِهَا ** وَرَأَيْتُهَا مِثْلَ الْجَحِيمِ تَفُورُ
وَإِذَا الْجِبَالُ تَقَلَّعَتْ بِأُصُولِهَا ** فَرَأَيْتُهَا مِثْلَ السَّحَابِ تَسِيرُ
وَإِذَا الْعَشَارُ تَعَطَّلَتْ وَتَخَرَّبَتْ ** خَلَتِ الدِّيَارُ فَمَا بِهَا مَمعُورٌ
وَإِذَا الْوُحُوشُ لَدَى الْقِيَامَةِ أُحْشِرَتْ ** وَتَقُولُ لِلْأَمْلَاكِ أَيْنَ تَسِيرُ
وَإِذَا تَقَاةُ الْمُسْلِمِينَ تَزَوَّجَتْ ** مِنْ حُورِ عَيْنٍ زَانَهُنَّ شُعُورٌ
وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ عَنْ شَأْنِهَا ** وَبِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ مَيْسُورٌ
وَإِذَا الْجَلِيلُ طَوَى السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ** طَيِّ السَّجِلِّ كِتَابَهُ الْمَنْشُورُ
وَإِذَا الصَّحَائِفُ نُشِرَتْ فَتَطَايَرَتْ ** وَتَهَتَّكَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ سُتُورٌ
وَإِذَا السَّمَاءُ تَكْشَطَتْ عَنْ أَهْلِهِا ** وَرَأَيْتُ أَفْلَاكَ السَّمَاءِ تَدُورُ
وَإِذَا الْجَحِيمُ تَسَعَّرَتْ نِيرَانُهَا فَلَهَا ** عَلَى أَهْلِ الذُّنُوبِ زَفِيرٌ
وَإِذَا الْجِنَانُ تَزَخْرَفَتْ وَتَطَيَّبَتْ لِفَتًى ** عَلَى طُولِ الْبَلَاءِ صَبُورٌ
وَإِذَا الْجَنِينُ بِأُمِّهِ مُتَعَلِّقٌ يَخْشَى ** الْقَصَاصَ وَقَلْبُهُ مَذْعُورٌ
هَذَا بِلا ذَنبٍ يَخَافُ جَنِينَهُ كَيْفَ ** الْمُصِرُّ عَلَى الذُّنُوبِ دُهُورٌ؟!
ثانِيـــًـا: دَرَجَاتُ رَفْعِ الأَعْمَالِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ : إِنَّ مِنْ وَظَائِفِ الْمَلَائِكَةِ عَرْضُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ وَرَفْعُهَا لِخَالِقِهَا، وَدَرَجَاتُ الرَّفْعِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَرَاحِلَ رَفْعٍ يَوْمِيٍّ وَرَفْعٍ أُسْبُوعِيٍّ وَرَفْعٍ سَنَوِيٍّ وَرَفْعٍ خِتَامِيٍّ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: “عَمَلُ الْعَامِ يُرْفَعُ فِي شَعْبَانَ؛ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ وَيُعْرَضُ عَمَلُ الْأُسْبُوعِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، وَعَمَلُ الْيَوْمِ يُرْفَعُ فِي آخِرِهِ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَعَمَلُ اللَّيْلِ فِي آخِرِهِ قَبْلَ النَّهَارِ، فَهَذَا الرَّفْعُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَخَصُّ مِنَ الرَّفْعِ فِي الْعَامِ، وَإِذَا انْقَضَى الْأَجَلُ رُفِعَ عَمَلُ الْعُمُرِ كُلِّهُ وَطُوِيَتْ صَحِيفَةُ الْعَمَلِ)) وَيَكُونُ هَذَا الرَّفْعُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَانِ، مَرَّةً فِي اللَّيْلِ وَمَرَّةً فِي النَّهَارِ، وَتُرْفَعُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّتَانِ، مَرَّةً فِي يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ وَالْأُخْرَى تَكُونُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَتُرْفَعُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَيَكُونُ رَفْعُهَا فِي شَهْرِ شَعْبَانَ وَيَكُونُ رَفْعُهَا الْخِتَامِيَّ عِندَ خُرُوجِ الرُّوحِ مِنَ الْجَسَدِ أَيُّهَا الْأَخْيَارُ وَأَمَّا الرَّفْعُ الْيَوْمِيُّ فَعَمَلُ النَّهَارِ يُرْفَعُ فِي آخِرِهِ وَعَمَلُ اللَّيْلِ فِي آخِرِهِ فَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: (قامَ فِينا رَسولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- بخَمْسِ كَلِماتٍ، فقالَ: إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ لا يَنامُ، ولا يَنْبَغِي له أنْ يَنامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهارِ، وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجابُهُ النُّورُ). “أخرجه مسلم” قَالَ المُنَاوي: “مَعْنَاهُ يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَعَمَلُ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ الَّذِي بَعْدَهُ؛ فَإنَّ الحَفَظَةَ يَصْعَدُونَ بِأَعْمَالِ اللَّيْلِ بَعْدَ انْقِضَائِهِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَيَصْعَدُونَ بِأَعْمَالِ النَّهَارِ بَعْدَ انْقِضَائِهِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ”
وَتُرْفَعُ الأَعْمَالُ كُلَّ يَوْمٍ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَوَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَيُرْفَعُ فِيهَا عَمَلُ اللَّيْلِ وَحْدَهُ مُنفَصِلًا عَنْ رَفْعِ عَمَلِ النَّهَارِ، لِحَدِيثٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وملائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ وصلاةِ العصْرِ، ثُمَّ يعْرُجُ الَّذِينَ باتُوا فِيكم، فيسْأَلُهُمُ اللَّه وهُو أَعْلمُ بهِمْ: كَيفَ تَرَكتمْ عِبادِي؟ فَيقُولُونَ: تَركنَاهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ، وأَتيناهُمْ وهُمْ يُصلُّون» [متفقٌ عَلَيْهِ] .
وَرَفَعَ أُسْبُوعِيّ حَيْثُ تَرفَعُ الْمَلَائِكَةُ الْأَعْمَالَ سَوَاءً صَالِحَةً كَانَتْ أَمْ سَيِّئَةً فِي يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ مِنْ كُلِّ أُسْبُوعٍ. لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: (تُعرضُ أعمالُ الناسِ في كلِّ جُمعةٍ مَرتيْنِ : يومَ الإثْنينِ، و يومَ الخميسِ، فيُغفَرُ لِكلِّ عبدٍ مُؤمِنٍ، إلا عبدًا بَينَهُ و بين أخِيهِ شحناءُ، فيُقالُ اتْركُوا هذَيْنِ حتى يَفِيئا). “أخرجه مسلم”
وَرَفْعُ سَنَوِيٍّ وَيَكُونُ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ الْمُبَارَكِ حَيْثُ الْبَيَانُ الْخِتَامِيُّ لِلْسَّنَةِ كُلِّهَا حَيْثُ نِهَايَةُ السَّنَةِ التَّكْلِيفِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ فَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّـهِ -صَلَّى اللّـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: (يا رسولَ اللَّهِ! لم ارك تَصومُ شَهْراً منَ الشُّهورِ ما تصومُ من شعبانَ؟ قالَ: ذلِكَ شَهْرٌ يَغفُلُ النَّاسُ عنهُ بينَ رجبٍ ورمضانَ، وَهوَ شَهْرٌ تُرفَعُ فيهِ الأعمالُ إلى ربِّ العالمينَ، فأحبُّ أن يُرفَعَ عمَلي وأَنا صائمٌ). “أخرجه النسائي وَهَذَا حَدِيثٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَعْمَالَ السَّنَةِ تُرْفَعُ كَامِلَةً فِي شَهْرِ شَعْبَانَ، فَلِذَلِكَ يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنَ الصِّيَامِ فِيهِ، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَفْعَلُ.
وَالْآنَ بَعْدَ مَعْرِفَةِ أَوْقَاتِ رَفْعِ الْأَعْمَالِ فَأَوْصِيكَ أَخِي وَأَوْصِي نَفْسِي بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ: • احْرِصْ أَنْ تُقَدِّمَ الْعَمَلَ الطَّيِّبَ فَإِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا • اقْرِنْ عَمَلَكَ بِالِإِخْلَاصِ فَأَعْمَالُكَ بِدُونِهِ تَكُونُ هَبَاءً مَنْثُورًا وَلَنْ تَجْنِي مِنْهَا سِوَى التَّعَبِ. • لِيَكُنْ لَكَ خَبِيئَةٌ لَا تَرَاهَا الْأَعْيُنُ وَلَا تَسْمَعُهَا الْآذَانُ وَلَا تَلْتَقِطُهَا الْعَدَسَاتُ. • احْذَرِ الشَّحْنَاءِ فَإِنَّهَا تَمْنَعُ قَبُولَ الْأَعْمَالِ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا). [صحيح مسلم] • دَاوِمْ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً لِيُكْتَبَ لَكَ أَجْرُهَا وَلَعَلَّ اللَّهَ يَخْتِمُ لَكَ عَلَيْهَا. • أَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَنْ يَتَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْكَ وَأَكْثِرْ مِنَ الاستغفار. قَالَ بَكْرٌ الْمُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «إِنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تَرفَعُ، فَإِذَا رُفِعَتْ صَحِيفَةٌ فِيهَا استغفارٌ رُفِعَتْ بَيْضَاءَ، وَإِذَا رُفِعَتْ صَحِيفَةٌ لَيْسَ فِيهَا استغفارٌ رُفِعَتْ سَوْدَاءَ.ولله در شوقي :
دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائِلَةٌ لَهُ*****إِنَّ الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَواني
فَاِرفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها***فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عُمرٌ ثاني
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَاسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ وَبِسْمِ اللَّهِ وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ …………………… وَبَعْدُ
وَبَحَثْتُ عَنْ سِرِّ السَّعَادَةِ جَاهِدًا *****فَوَجَدْتُ هَذَا السِّرَّ فِي تَقْوَاكَا
فَلْيَرْضَ عَنْي النَّاسُ أَوْ فَلْيَسْخَطُوا *****أَنَا لَمْ أَعُدْ أَسْعَى لِغَيْرِ رِضَاكَا
ثَالِثـــًـا وَأَخِيرًا: وَمَعَ تِلْكُمُ التَّقَارِيرِ اللّهُ تَوَابٌ رَّحِيمٌ !!
أَيُّهَا السَّادَةُ: وَمَعَ أَنْ هَذِهِ التَّقَارِيرَ تُكْتَبُ وَتُرْفَعُ إِلَى رَبِّ الْعِبَادِ، إِلَّا أَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَوَّابٌ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ؛ وَلِذَٰلِكَ فَقَدْ جَعَلَ لِلْتَّوْبَةِ بَابًا مَفْتُوحًا إِلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا؛ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ؛ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)؛ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَهَذَا مِنْ كَرَمِهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ حَتَّى وَإِن تَأَخَّرَتْ، فَإِذَا أَذْنَبَ الْإِنْسَانُ ذَنْبًا فِي النَّهَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ وَلَوْ تَابَ فِي اللَّيْلِ، وَإِذَا أَذْنَبَ وَتَابَ فِي النَّهَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ، بَلْ إِنَّهُ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ حَتَّى يَتَلَقَّى هَذِهِ التَّوْبَةَ الَّتِي تَصْدُرُ مِنْ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ. فَإِذَا تَابَ الْعِبَادُ تَوْبَةً صَادِقَةً، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَبَدَّلَ السَّيِّئَاتِ حَسَنَاتٍ، كَمَا أَخْبَرَ بِذَٰلِكَ فِي قَوْلِه:﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: 70]. اللّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ التَّائِبِينَ الَّذِينَ بُدِّلَتْ سَيِّئاتُهُمْ حَسَنَاتٍ، يَا رَبَّ العَالَمِينَ!
فَالتَّوبَةُ التَّوبَةُ عِبادَ اللّهِ فَقَدْ أَمَرَنَا اللّهُ تَعَالَى بِهَا فِي كِتابِهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ قالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ﴾ [التحريم: 8]، وَقالَ تَعَالَى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31].
فِي هَذَا الحَديثِ: أَنَّ اللّهَ – تَعَالَى – يَقْبَلُ التَّوبَةَ مِنْ عِبادِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا مَا لَمْ يُغَرْغِرُوا، أَوْ تَطْلُعُ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، قَالَ اللّهُ – تَعَالَى -:﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ﴾ [الأنعام: 158].
فَإِذَا تَابَ الْعِبَادُ تَوْبَةً صَادِقَةً، تَابَ اللَّـهُ عَلَيْهِمْ، وَبَدَّلَ السَّيِّئَاتِ حَسَنَاتٍ، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلكَ فِي قَوْلِهِ:﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان: 70)) فاللهُ عزَّ وجلَّ هو أرحمُ الرَّاحِمين، يغْفِرُ الذُّنوبَ للعاصِي والمذْنبِ منْ عبادِه مهما بلَغَت، لكنْ بشرطِ أنْ يكونَ هذا العبْدُ مُوحِّدًا لربِّه لا يُشْرِكُ به شيئًا؛ فكلُّ ذنْبٍ تحْتَ مشيئةِ اللهِ تعالى فيغْفِرُ لِمنْ يشاءُ، إلَّا الشِّركَ؛ فإنَّ اللهَ تعالى لا يَغْفِرُه إذا ماتَ الإنسانُ عليه ولَقِيَه به.
وفي الحديثِ يقولُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: “قال اللهُ تباركَ وتعالى” في الحديثِ القدسيِّ: يا ابنَ آدمَ، “إنَّكَ ما دعوْتَني ورجوْتَني”، أي: ما دمْتَ تدْعونِي وتَرْجو رَحْمتي، ولمْ تَقْنَطْ “غفَرْتُ لكَ”، أي: محَوتُ ذنبَكَ أيُّها العبْدُ الدَّاعي الرَّاجي لربِّه، “على ما كانَ فيكَ” مِنَ الذُّنوبِ والمعاصِي، “ولا أُبالي”، أي: ولا أهتَمُّ بهذه الذُّنوبِ والمعاصِي وإنْ كانَت منَ الكبائرِ وفي عدَمِ مُبالاتِه معنى قولِه: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23] ، يا ابنَ آدمَ “لو بلغَتْ”، أي: وصلَتْ، “ذنوبُك” الَّتي ارتكبتَها وفعَلتَها، “عَنانَ السَّماءِ”، أي: السَّحابَ، أو بمَعنى صَفائِحِ السَّماءِ وما اعتَرَض مِن أقطارِها، ولعلَّه المرادُ مِن الحديثِ؛ إذ رُوي: “أعنانَ السَّماءِ” أي: وصلَتِ الذُّنوبُ إلى السَّماءِ الَّتي تَراها، “ثمَّ” بعدَ ذلك، “استَغفرتَني”، أي: طلَبتَ المغفِرةَ منِّي، “غَفَرتُ لك” هذه الذُّنوبَ والمعاصِيَ، “ولا أُبالي” بهذه الذُّنوبِ والمعاصي وإنْ كانتْ مِن الكبائرِ، والمعنى: أنَّه لو كَثُرَت ذُنوبُك كثرةً تَملَأُ ما بينَ السَّماءِ والأرضِ بحيث تَبلُغُ أقطارَها وتَعُمَّ نَواحِيَها, ثمَّ استَغفَرتَني, غَفَرتُ لك جميعَها غيرَ مُبالٍ بكَثرتِها؛ فإنَّ استِدْعاءَ الاستغفارِ للمغفرةِ يَستوي فيه القليلُ والكثيرُ, والجليلُ والحقيرُ. “يا ابنَ آدمَ، إنَّك لو أتيتَني”، أي: بعدَ الموتِ، “بِقُرابِ”، أي: بمِلْءِ الأرضِ، “خَطايا”، أي: ذُنوبًا ومَعاصِيَ، “ثمَّ لَقيتَني”، أي: بعدَ الموتِ مُوحِّدًا “لا تُشرِكُ بي شيئًا”، لا في الرُّبوبيَّةِ، ولا في الألوهيَّةِ، ولا في الأسماءِ والصِّفاتِ، “لأَتيتُك”، أي: قابَلتُ هذه الذُّنوبَ والْمعاصِيَ، “بقُرابها”، أي: بمِلْئِها، “مَغفِرةً”؛ لأنَّني واسِعُ المغفرةِ، وأغفِرُ كلَّ شيءٍ دونَ الشِّركِ؛ كما قال سبْحانَه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48، 97] .
وقال العُلماءُ: إنَّ غُفرانَ الكبائرِ للمُؤمِنين يَحتاجُ إلى توبةٍ، أو إنَّ أمْرَها بيَدِ اللهِ سبحانه، إنْ شاء عَفا عَنها وإن شاء عاقَب عليها، وكذلك حُقوقُ الخَلقِ؛ فإنَّه لا بدَّ مِن رَدِّها، أو يُجازي اللهُ بفَضلِه صاحبَ الحقِّ ويَعْفو بكَرَمِه عن المذنِبِ فيها.
فَالتَّوبَةَ التَّوبَةَ الأَوْبَةَ الأَوْبَةَ العَجْلَ العَجْل َالنَّدَمَ النَّدَمَ الاستِغْفَارَ الاستِغْفَارَ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ …. يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ.. أَغَرَّكَ طُولُ الْأَمَلِ…….. وَفُسْحَةُ الْأَجَلِ….كَمْ لَكَ فِي هَذِهِ الْدُّنْيَا… أَرْبَعُونَ سِتَّةً.. ثَلاثُونَ سَنَةً…. عِشْرُونَ سَنَةً… إِذَنْ فَأَنْتَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً وَأَنْتَ تَسِيرُ إِلَى قَبْرِكَ الْكُلُّ لَوْ يَدْرِي… يَجْرِي إِلَى الْقَبْرِ…زيَا مُسَوِّفَ التَّوْبَةِ بِالْآمَالِ.. كَفَى مَا كَانَ مِنْ ضَلَالٍ….قِفْ فِي مُحْرَابِ الصَّلَاةِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيَالِي…وَاحْسَبْ نَفْسَكَ عَنْ سُوءِ الْأَفْعَالِ….وَقُلْ
أَبَتْ نَفْسِي تَتُوبُ فَمَا احْتِيَالِي… إِذَا بَرَزَ الْعِبَادُ ذِي الْجَلاَلِ
وَقَامُوا مِنْ قُبُورِهِمْ سُكَارَى.. بِأَوْزَارٍ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ
وَقَدْ نُصِبَ لِي كَيْ أَجُوزَ.. فَمِنْهُم مَنْ يَكُبُّ عَلَى الشِّمَالِ
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسِيرُ لِدَارِ عَدَنٍ… تَلْقَاهُ الْعَرَائِسُ بِالْغَوَانِي
إِذَا مَدَّ الصِّرَاطَ عَلَى جَحِيمٍ… تَصُولُ عَلَى الْعُصَاةِ وَتَسْتَطِيلُ
فَقَوْمٌ فِي الْجَحِيمِ لَهُمْ ثَبُورٌ…. وَقَوْمٌ فِي الْجَنَانِ لَهُمْ مَقِيلٌ
عَبادُ اللّهِ: دَعُونَا نَقِفَ وَقْفَةَ تَأَمُّلٍ مَعَ التَّائِبِينَ وَنَعِيشَ وَإِيَّاكُمْ فِي رِحَابِهِمْ: وتأمل: سَعَةَ وعِظَمَ شأن التوبة؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53]،رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، إِنِّي مُسْرِفٌ عَلَى نَفْسِي بِالْمَعَاصِي، فَأَعْرِضْ عَلَيَّ مَا يَكُونُ لَهَا زَاجِرًا وَمُسْتَقِذًا لِقَلْبِي، قَالَ: إِنْ قَبِلْتَ خَمْسَ خَصَالٍ وَقَدَرْتَ عَلَيْهَا، لَمْ تَضُرَّكَ مَعْصِيَةٌ، وَلَمْ تُوبِقْكَ لَذَّةٌ، قَالَ: هَاتِ يَا أَبَا إِسْحَاقَ، قَالَ: أَمَّا الْأُولَى: فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْصِيَ اللَّهَ تَعَالَى فَلَا تَأْكُلْ مِنْ رِزْقِهِ، قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ آكُلُ وَكُلُّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ رِزْقِهِ؟ قَالَ: يَا هَذَا، أَفِيَحْسُنُ أَنْ تَأْكُلَ رِزْقَهُ وَتَعْصِيَهُ؟ قَالَ: لَا هَاتِ الثَّانِيَةَ، قَالَ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْصِيَهُ فَلَا تَسْكُنْ شَيْئًا مِنْ بِلَادِهِ، قَالَ الرَّجُلُ: هَذِهِ أَعْظَمُ مِنَ الْأُولَى، يَا هَذَا إِذَا كَانَ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ وَمَا بَيْنَهُمَا لَهُ، فَأَيْنَ أَسْكُنُ؟ قَالَ: يَا هَذَا، أَفِيَحْسُنُ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ رِزْقِهِ وَتَسْكُنَ بِلَادَهُ وَتَعْصِيَهُ؟ قَالَ: لَا، هَاتِ الثَّالِثَةَ، قَالَ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْصِيَهُ وَأَنْتَ تَحْتَ رِزْقِهِ وَفِي بِلَادِهِ، فَانْظُرْ مَوْضِعًا لَا يَرَاكَ فِيهِ مُبَارِزًا لَهُ، فَاعْصِهْ فِيهِ، قَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، كَيْفَ هَذَا وَهُوَ مُطَّلِعٌ عَلَى مَا فِي السَّرَائِرِ؟ قَالَ: يَا هَذَا، أَفِيَحْسُنُ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ رِزْقِهِ وَتَسْكُنَ بِلَادَهُ، وَتَعْصِيَهُ وَهُوَ يَرَاكَ، وَيَرَى مَا تُجَاهِرُ بِهِ؟ قَالَ: لَا، هَاتِ الرَّابِعَةَ، قَالَ: إِذَا جَاءَكَ مَلَكُ الْمَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَكَ، فَقُلْ لَهُ: فَقُل لَهُ: أَخِّرْنِي حَتَّى أَتُوبَ تَوْبَةً نَصُوحًا، وَأَعْمَلَ لِلّهِ عَمَلًا صَالِحًا، قَالَ: لَا يُقْبَلُ مِنِّي، قَالَ: يَا هَذَا، فَأَنتَ إِذَا لَمْ تَقْدِرْ أَنْ تَدْفَعَ عَنْكَ الْمَوْتَ لِتَتُوبَ، وَتَعْلَمَ أَنَّهُ إِذَا جَاءَ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْخِيرٌ، فَكَيْفَ تَرْجُو الْخَلَاصَ؟ قَالَ: هَاتِ الْخَامِسَةَ، قَالَ: إِذَا جَاءَتْكَ الزَّبَانِيَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ لِيَأْخُذُوكَ إِلَى النَّارِ، فَلَا تَذْهَبْ مَعَهُمْ، قَالَ: لَا يَتْرُكُونَنِي وَلَا يَقْبَلُونَ مِنِّي، قَالَ: فَكَيْفَ تَرْجُو النَّجَاةَ إِذًا؟ قَالَ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، حَسْبِي، حَسْبِي، أَنَا أَسْتَغْفِرُ اللّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ.
نَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْنَا أَجْمَعِينَ، وَأَنْ يَغْفِرَ لَنَا مَا أَسْرَرْنَا وَمَا أَعْلَنَّا، وَمَا قَدَّمْنَا وَمَا أَخَّرْنَا.