خطبة بعنوان ( الاستغفار كنز البركات ، ومنبع الخيرات ) للدكتور محمد جاد قحيف
17 ديسمبر، 2025
خطب منبرية

خطبة بعنوان ( الاستغفار كنز البركات ، ومنبع الخيرات )
للدكتور : محمد جاد قحيف
دكتوراه في أصول الدين والدعوة الإسلامية جامعة الأزهر الشريف.
الحمد لله الواحد القهار ، العليم الغفار يكور النهار على الليل ويكور الليل على النهار ، تبصرة وذكرى لأولي القلوب والأبصار. وأشهد
أن لا إله إلا الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار . وأشهد أن محمداً عبده ورسوله حث أتباعه على الاستغفار
وصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الأطهار ،وسلم تسليماً كثيراً ما تعاقب الليل والنهار .
وبعد :
فإن الإنسان مخلوق بشري وهو في مسيرة الحياة يخطيء ويصيب ، ويعصي ويستغفر ، ويذنب ويتوب ، وفي كل حال يفتقر إلى عفو ربه فيغفر له الذنوب ويستر عنه العيوب .
كما أن الإنسان منذ بدء الخليقة في صراع مع الشيطان .
وكما قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: يَقُولُ الشَّيْطَانُ: أَهْلَكْتُ بَنِي آدَمَ بِالذُّنُوبِ، وَأَهْلَكُونِي بِالاِسْتِغْفَارِ .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لهمْ﴾. أخرجه الإمام مسلم .
وجاء لفظ استغفر بجميع صيغه في القرآن الكريم ما يربو على مائتي وثلاثين مرة (مع الله) .
كلها أدوية نافعة لمرضى المعاصي والقلوب ..
قال قتادة: “إنَّ هذا القرآن يدلُّكم على دائكم ودوائكم؛ فأمَّا داؤكم فالذُّنوب، وأمَّا دواؤكم فالاستغفار” .
قال تعالى :﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾النساء/٦٤.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: 90].
وقال :﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.المزمل /٢٠..
قال أبو بكر الحربي: سمعت السَّرِيَّ يقول:
حمدت الله مرة، فأنا أستغفر من ذلك الحمد منذ ثلاثين سنة.
قيل: وكيف ذاك؟
قال: كان لي دكان فيه متاع، فاحترق السوق، فلقيني رجل، فقال: أبشر، دكانك سلمت.
فقلت: الحمد لله، ثم فكرت، فرأيتها خطيئة!
تاريخ بغداد (9/ 188)، سير أعلام النبلاء (12/ 186)..
وفي هذه القصة فضل مدوامة الاستغفار مهما طال العمر وامتد الزمان..و فيه أيضاً ذم الأنانية وحب الخير للغير ..
عملا بقوله ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ – (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)..
وذلك لأن هذا الرجل الطيب ظل يستغفر الله هذه المدة الطويلة لأنه لم يواس الناس فيما حل بهم ..
والاستغفار الكامل يعني : طلب المغفرة من الله بمحو الذنوب وستر العيوب، مع الإقلاع والابتعاد عن الذنوب والمعاصي. وأما الذي يقول: أستغفر الله العظيم بلسانه، وهو مقيم على المعاصي بأفعاله فهو استغفار كاذب وناقص . قال الفضيل بن عياض رحمه الله: استغفار بلا إقلاع توبة الكذابين .
وقال آخر: استغفارنا ذنب يحتاج إلى استغفار! يعني: أن من استغفر ولم يترك المعصية، فاستغفاره ذنب يحتاج إلى استغفار؛ فلننظر في حقيقة استغفارنا لئلا نكون من الكاذبين الذين يستغفرون بألسنتهم وهم مقيمون على معاصيهم .
والاستغفار يريح البال ، ويطمئن القلب ، ويشرح الصدر .
قال الإمام الشافعي رضي اللَّه عنه : وَلَـمَّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي جَعَلْتُ الرَّجَا مِنِّي لِعَفْوِكَ سُلَّمَا
تَعَـاظَمَنِي ذَنْبِي فَـلَمَّا قَـرَنْتُــــهُ بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوُكَ أَعْــظَمَا .
وسيد الاستغفار ما جاء في الصحيح قوله عليه الصلاة والسلام: (اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لا إلَهَ إلَّا أنْتَ، خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ، وأنا علَى عَهْدِكَ ووَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أعُوذُ بكَ مِن شَرِّ ما صَنَعْتُ، أبُوءُ لكَ بنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وأَبُوءُ لكَ بذَنْبِي فاغْفِرْ لِي، فإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنْتَقالَ: ومَن قالَها مِنَ النَّهارِ مُوقِنًا بها، فَماتَ مِن يَومِهِ قَبْلَ أنْ يُمْسِيَ، فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ومَن قالَها مِنَ اللَّيْلِ وهو مُوقِنٌ بها، فَماتَ قَبْلَ أنْ يُصْبِحَ، فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ) أخرجه الإمام البخاري .
إلهي تَجَاوَزْ عَنْ ضعيفٍ قَدْ أَتَاكَ . جَاءَكَ رَاجياً يَرْجُو نِدَاكَ ..فَإِنْ تَشْفَعْ فَأَنْتَ لِذَاكَ أَهْلُُ . وَإِنْ تَطَرُدْ فمْنْ يَرْحَمْ سِوَاكَ ..
العنصر الأول : الاستغفار سبب لتفريج الهموم وجلب البركات والخيرات .
فعندما يتوب الإنسان إلى ربه ، ويكثر من الاستغفار يزداد رزقه ويبارك له فيه ، فالاستغفار سبب رئيسي في تفريج الهموم، وجلب الأرزاق والخروج من المضائق ، ونزول البركات .
قال تعالى: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً﴾ .
سورة نوح: ١٢/١٠.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : «من لَزِمَ الاستِغفارَ جَعَل اللهُ له مِن كُلِّ ضِيقٍ مَخرَجًا، ومِن كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، ورَزَقه مِن حيثُ لا يحتَسِبُ» أخرجه الإمام أبو داود وفيه الحكم بن مصعب .
يقول القرطبي رحمه الله: “في هذه الآية والتي في سورة هود دليلٌ على أن الاستغفار يستنزل به الرزق والأمطار” أهـ .
في عام قحط ومجاعة خرج عمرُ رضي الله عنه يستسقي ، فلم يزدْ على الاستغفارِ . فقالوا : ما رأيناك استسقيت ! فقال : لقد طلبتُ الغيثَ بمَجاديحِ السماءِ الذي يُستنزلُ به المطرُ ، ثم قرأ ” فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ” . ينظر إرواء الغليل بسند ضعيف .
وجاء رجل إلى الحسن البصري رحمه الله يشكو الجدب فقال له: استغفر الله، وجاءه رجل ثانٍ يشكو الفقر، فقال: استغفر الله، وجاءه ثالث يشكو العقم، فقال: استغفر الله ، فعجب الناس فقرأ عليهم ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً …﴾ الآيات . ينظر تفسير الامام القرطبي .
فمن شكا المرض فعليه بالاستغفار، ومن شكا الفقر فعليه بالاستغفار، ومن شكا قلة الولد فعليه بالاستغفار.
من شكا الضعف وقلة الأعوان والأنصار فليلذ بالاستغفار، قال -تعالى- عن نبيه هود -عليه السلام-: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ) هود/٥٢ .
من استصعبت عليه الأمور، وانغلقت أمامه الأبواب والحيل؛ فليلجأ إلى نور الاستغفار. قال ابن تيمية -رحمه الله-: “إنها لتُعجَم عليّ المسألة الواحدة فأستغفر الله ألف مرة أو أكثر فيفتحها الله علي
من كثرت ذنوبه، وأحرقه لهيب معاصيه فليتطهر من درن الأوزار بفرات الاستغفار؛ عن زيد مولى النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان فرَّ من الزحف” رواه أبو داود والترمذي
وحينما ألمّ ماعز -رضي الله عنه- بالفاحشة جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، طهرني، فقال: “ويحك! ارجع فاستغفر الله وتب إليه”، قال ذلك ثلاث مرات. (متفق عليه).
وكان لأنس بن مالك -رضي الله عنه- مزرعة في البصرة أصابها قحطٌ ، فقام فصلى ركعتين واستغفر، قالوا: مالك؟ قال: أما سمعتم قول الله : (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً) [نوح 10/12]. فما قام من مجلسه حتى أتت غمامة فطوقت مزرعته وأمطرت حتى سالت جداولها، وما جاوز الماء المزرعة!.
العنصر الثاني : مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ وَتَكْفِير السَّيِّئَاتِ .
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ النساء /١١٠.
ويقول عليه الصلاة والسلام فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : «يَا عِبَادِي: إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا. يَا عِبَادِي: كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ. يَا عِبَادِي: كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ. يَا عِبَادِي: كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ. يَا عِبَادِي: إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ».
ويقول صلى الله عليه وسلم : «قَالَ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ: إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ: لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ: إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً».
وقوله عليه الصلاة والسلام
«مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ».
وقوله صلى الله عليه وسلم ﴿إنَّه ليُغانُ على قلبي، وإني لأستغفرُ الله في اليوم مائة مرَّةٍ﴾.
أخرجه الإمام مسلم..
ومعنى يغان “يُغَطَّى” أو “يُغلَّف” القلب بشيء من السهو أو الغفلة عن ذكر الله وطاعته لذا يحتاج القلب للاستغفار والتوبة..
فقد كان نبينا -صلى الله عليه وسلم- يكثر من الاستغفار..
أخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: “إننا لنعد لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المجلس الواحد مائة مرة يقول: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم” .
وفي سنن ابن ماجه بسند جيد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “طوبى لمن وَجد في صحيفته استغفاراً كثراً”.
وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول للغلمان: “قولوا: اللهم اغفر لأبي هريرة، ثم يؤمّن على دعائهم .
ودعا القرآن الكريم الناس جميعا إلى الاستقامة والاستغفار فقال جل وعلا: (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ) ..
العنصر الثالث :الاستغفار مسك الختام في كل شيء .
١-ختام الأعمال الصالحة.
٢-ختام المجالس .
٣-ختام العمر .
١-ختام الأعمال الصالحة:
فيستحب الاستغفار بعد الفراغ من أداء العبادات؛ ليكون كفارة لما يقع فيها من خلل أو تقصير؛ كما شرع بعد الفراغ من الصلوات الخمس فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سلم من الصلاة المفروضة (يستغفر الله ثلاثاً) ؛ لأن العبد عرضة لأن يقع منه نقص في صلاته بسبب غفلة أو سهو .
كما شرع الاستغفار في ختام صلاة الليل؛ قال تعالى عن المتقين: (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الذاريات ١٨/١٧.
وقال تعالى: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ).
وشرع الاستغفار بعد الإفاضة من عرفة والفراغ من الوقوف بها قال تعالى: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) البقرة/١٩٩.
٢-ختام المجالس :
وشرع الاستغفار في ختم المجالس ودليل ذلك :
“أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ كانَ إذا جلسَ مجلسًا أو صلَّى تَكلَّمَ بِكلماتٍ فسألتْهُ عائشةُ عنِ الْكلماتِ ؟ فقالَ إن تَكلَّمَ بخيرٍ كانَ طابعًا عليْهنَّ إلى يومِ القيامةِ وإن تَكلَّمَ بغيرِ ذلِكَ كانَ كفَّارةً لَهُ : سُبحانَكَ اللَّهمَّ وبحمدِكَ ، أستغفرُكَ وأتوبُ إليْكَ”. أخرجه الإمام النسائي وسنده صحيح .
فإن كان مجلس خير وذكر كان زيادة في الأجر والثواب ، وإن كان غير ذلك كان كفارة له .
٣-ختام العمر :
روى البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- وهي تروي قصة موت نبينا -عليه الصلاة والسلام- قالت: مات -عليه الصلاة والسلام- وظهره إلى صدري، سَمِعْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ .. يقولُ : ﴿اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وارْحَمْنِي وأَلْحِقْنِي بالرَّفِيقِ الأعلَى﴾ .
فكما أن حياته -عليه الصلاة والسلام- مليئة بالاستغفار، وطاعاته -عليه الصلاة والسلام- مختومة بالاستغفار، فقد ختم حياته العامرة بالاستغفار؛ ما يدل -عباد الله- على مكانة الاستغفار وفضله الكبير في دين الله .
وفي القرآن الكريم قال جل جلاله لنبيه -صلى الله عليه وسلم- عند اقتراب أجله: بسم الله الرحمن الرحيم. (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ *وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً*فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً) النصر٣/١.
فقد جعل الله فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجاً علامة على قرب نهاية أجل النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمره عند ذلك بالاستغفار .
فينبغي لكم -أيها المسلمون- ملازمة الاستغفار في كل وقت والإكثار منه في هذه الأوقات والأحوال المذكورة؛ لتحوزوا هذه الفضائل، وتنالوا هذه الخيرات .
وختاماً:على المسلم أن يلجأ سريعًا إلى ربه ، تائبًا مستغفرًا نادمًا على ما وقع منه من ذنوب وخطايا، فالاستغفار يهدم الذنوب، كما أنه من أهم أسباب سعة الرزق والبركة فيه .
يا إخوة الإسلام أكثروا من الاستغفار إذا أصبحتم وإذا أمسيتم ، وأكثروا من الاستغفار عند الاستيقاظ وعند المنام تحفظون وتسعدون وتنعمون .
وينبغي أن يكون الاستغفار في كل وقت وحين ، وفي كل زمان و مكان، في أماكن العمل و في البيوت ، وعلى الموائد ، وفي الطرق والأسواق والتوبة من المال الحرام بكل صوره وألوانه..
وفي ظل أزمات الحياة التي يعيشها الناس ينبغي أن نتوقف مع قول الله: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).
الأنفال/٣٣.
الاستغفار هو الأمان الباقي لنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال أبو موسى -رضي الله عنه-: ” كان لنا أمانان، ذهب أحدهما -وهو كون الرسول فينا- وبقي الاستغفار معنا، فإذا ذهب هلكنا ” .
فلو لزمنا الاستغفار -معشر المسلمين- لم تجد الكروب والهموم عندنا مكاناً أو مقاماً .
كان الإمام أحمد بن حنبل يرغب أن يقضى ليلته فى المسجد، ولكن قد منعه الحارس من المبيت فى المسجد وقد حاول الإمام أحمد بن حنبل كثيراً أن يتحدث مع الحارس ليجعله يرضى بمبيته فى المسجد ولكنه رفض بشدة، فلما بلغ اليأس من الإمام أحمد بن حنبل مبلغه قال للحارس سأنام موضع قدمي، وفعلاً نام الإمام موضع قدمه ، فقام الحارس بجره ليبعده عن المسجد، وقد رآى خباز ما يحدث فعرض على الإمام المبيت عنده ، وهو لا يعرف من هو، فذهب الإمام مع الخباز فأحسن ضيافته وأكرمه وبعدها ذهب لتحضير عجينة الخبز، وأثناء عمل الخباز كان لسانه لا يتوقف عن الإستغفار، فسمعه الإمام أحمد بن حنبل وتعجب من حالته ؛ حيث مر وقتاً طويلاً وهذا الخباز لا يكف عن الإستغفار، وفى الصباح سأل الإمام الخباز عن سر إستغفار فى الليل، فقال الخباز أنه دائما ما يستغفر فى كل وقت ولا يترك الإستغفار أبداً، فسأله الإمام أحمد بن جنبل وهل وجدت ثمرة إستغفارك ، وكان الإمام يعلم جيداً فضل الإستغفار وثمرته، فأقسم الخباز أنه ما دعا دعوة إلا أجيبت بفضل الله عز وجل إلا دعوة واحدة وهى رؤية الإمام أحمد بن حنبل، فقام له الإمام : أنا أحمد بن حنبل ، ووالله إني قد جُررت إليك جراً . (ملتقى أهل الحديث).
وهذة قصة واقعية أخرى عن فضل الإستغفار : تحكى إمرأة ثرية عقيمة لا تلد قصتها وتقول : أنها منذ تزوجت وهى لا تنجب وهذا من أشد أنواع الابتلاء ، وقد حاولت هذه المرأة بكل الطرق الممكنة أن تتعالج لعلها تنجب المولود الذى تتمناه كل إمراة ، ولكن فشلت كل محاولتها، ذهبت إلى العديد من الأطباء الماهرين ولم يستطع أيا منهم مساعدتها، حتى تمكن منها اليأس تماماً ، وأصابها الحزن والعجز وظلت عشر سنوات كاملة تعيش فى كآبة تتمنى أن يرزقها الله بولد ، ولم تتوقف يوم عن الذهاب لكل طبيب تسمع عنه من إحدى جاراتها أو صديقاتها، حتى جاء اليوم الموعود وسمعت هذه المرأة أحد الدعاة يتحدث عن فضل الإستغفار ومعجزاته ، وأن الله عز وجل يفرج به الهموم والأحزان ويذهبها جميعاً ، فداومت المرأة على الإستغفار ولم تتركه أبداً ، تقضى كل ليلها فى غرفتها تبكى و تستغفر الله عز وجل عن ذنوب تعرفها وذنوب حتى لا تتذكرها، وأثناء ساعات النهار وهى تعمل فى المنزل لا يتوقف لسانها عن الإستغفار أبداً، ولم يمض ستة أشهر إلا وهى حامل بإذن الله تعالى وقد أنجبت يوسف وقد أصبح من طلبة العلم والقرآن .
اللهم اجعلنا من عبادك التائبين المستغفرين ، واللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا جَمِيعًا، وَارْحَمْنَا بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ؛ إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا . واللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، اللهم أَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الآخِرَةِ.