عندما يتحول الدين إلى دائرة مغلقة
8 مارس، 2026
الخوارج وخطرهم على الأمة

بقلم الشيخ : عبدالله قدري
في السنوات الأخيرة تكررت على مسامع كثير من الشباب عبارة تُقال لهم بلهجة حاسمة: «لا تسمع إلا لمشايخنا».
وهذه الجملة – على ظاهرها البسيط – تكشف عن منهج كامل في صناعة الأتباع لا في صناعة العلماء.
فالعلم في الإسلام لم يُبنَ يومًا على الحصر، ولم يقم على إغلاق الأبواب أمام العقول. بل إن تراث الأمة كله شاهد على سعة الأفق وتعدد المشايخ. فالإمام الإمام الشافعي رحل من مكة إلى المدينة ثم إلى العراق ثم إلى مصر طلبًا للعلم، وجلس بين يدي الإمام مالك وغيره من العلماء، ولم يقل له أحد يومًا: لا تسمع إلا لفلان.
بل إن منهج أهل العلم عبر القرون كان قائمًا على الرحلة والسماع وتعدد المصادر، حتى صار من مفاخر هذه الأمة أن الطالب قد يجمع بين عشرات الشيوخ في فن واحد.
لكن بعض التيارات الدينية المعاصرة سلكت مسلكًا مختلفًا؛ إذ جعلت الشاب محصورًا في دائرة ضيقة، لا يسمع إلا صوتًا واحدًا، ولا يقرأ إلا كتبًا محددة، ولا يجلس إلا مع أشخاص بعينهم. والسبب في ذلك – في كثير من الأحيان – ليس حرصًا على العقيدة كما يُقال، بل خوفًا من المقارنة.
فالطالب إذا اتسع أفقه واطلع على علوم كبار العلماء، واكتشف مناهجهم الراسخة، وأدرك عمق التراث الأزهري والعلمي، سرعان ما يميز بين العلم الراسخ والخطاب السطحي. وعندها يدرك أن بعض ما كان يُقدَّم له على أنه “منهج السلف” لم يكن في الحقيقة إلا قراءة ضيقة للتراث.
ولهذا نجد أحيانًا تحذيرًا شديدًا من مجرد الجلوس مع بعض العلماء أو الصلاة خلفهم، بل قد يصل الأمر إلى عبارات صادمة تُقال للشباب؛ كأن يُقال له: إياك أن تجلس مع فلان أو تسمع له. بل إن بعض الشباب حُذِّروا مني شخصيًا، وقيل لهم: لا تصلِّ أصلًا في مكان يجلس فيه الشيخ عبدالله، ولا تجلس معه، ولا تمشِ معه وبعضهم قال من اشرب الخمر ولا تجلس مع الشيخ عبدالله.
وهذه الطريقة في التحذير لا تكشف إلا عن خوف شديد من الكلمة الحرة، ومن العلم إذا انكشف للناس.
واللافت أن الأمر لا يقف عند حدود النصيحة، بل قد يُدفع الشاب إلى العزلة الفكرية الكاملة، حتى لا يسمع رأيًا آخر أو يطّلع على منهج مختلف. وهذه اللغة ليست من أدب العلم، ولا من أخلاق العلماء الذين ربّوا الأمة عبر تاريخها.
فالعلماء الكبار لم يكونوا يخافون من الحوار ولا من الاطلاع. بل كانوا يقولون: اعرف الحق تعرف أهله. ولذلك كان طالب العلم يسمع، ويقرأ، وينظر، ثم يزن الأمور بميزان العلم.
ومن هنا نفهم ما قيل عن العالم الأزهري الكبير علي جمعة حين وصفه بعضهم بأنه «مقبرة الملتزمين». والمقصود بهذه العبارة – كما فُهمت عند كثيرين – أن بعض الشباب المتشدد إذا حضر مجالسه واطلع على علمه الواسع ومنهجه الأصيل، أدرك أن الطريق الذي سلكه لم يكن قائمًا على العلم الراسخ، بل على تضييق الأفق وحصر المعرفة.
إن الخطر الحقيقي ليس في اختلاف الآراء، فذلك سنة علمية معروفة، وإنما الخطر في احتكار الحقيقة، وفي تحويل الدين إلى جماعة مغلقة لا تسمح لأتباعها بأن يسمعوا إلا صوتًا واحدًا.
والأمة التي بنت حضارتها على الحوار والاجتهاد لا يمكن أن تُختزل في دائرة فكرية ضيقة.
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى إعادة إحياء روح العلم الواسع، روح الأزهر التي جمعت بين الفقه والتصوف والعقل والنقل، وبين التراث والواقع. فبهذه الروح نشأ العلماء الكبار، وبهذه الروح حفظت الأمة توازنها عبر القرون.
أما حين يتحول الدين إلى خطاب يخاف من المعرفة، ويخشى أن يسمع أتباعه لغيره، فاعلم أن المشكلة ليست في الناس… بل في الفكرة نفسها.