خطبة بعنوان ( رمضان شهر الانتصارات .. من أيام الله في رمضان) للدكتور محمد جاد قحيف


خطبة بعنوان ( رمضان شهر الانتصارات .. من أيام الله في رمضان)

للدكتور  : محمد جاد قحيف

الحمد لله ذي القوة والجبروت، والقهر والملكوت، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده الحي الذي لا يموت، ونصلى ونسلم على إمام المجاهدين، وقائد المنتصرين، وعلى آله وصحبه، و من سار على نهجه واتبع هداه إلى يوم الدين .. وبعد:

فشَهْرُ رَمَضَانَ شامة العام، وتاج الشهور ودرة الزمان، فكما أن شهر رمضان هو شهر الصيام والقيام وقراءة القرآن والصدقة والإطعام وغيرها من العبادات والطاعات ، فإن شهر رمضان أيضًا هو شهر الانتصارات، وشهر العزة والكرامة..

وشهر انتصار النور على الظلام، والحق على الباطل، والتوحيد على الشرك، والطهارة والنقاء على الفحش والبغاء ..

ومازلنا نعيش في ظلال هذا الشهر الكريم الذي ارتفعت فيه عبر التاريخ رايات المسلمين عالية خفاقة، فما أعظمها من أيام وما أكرمه من شهر! وما أعظم فضله! .

شهر انتصارات المسلمين التي ما زالوا يفاخرون بها، ويمنون أنفسهم بالرجوع إلى زمنها ..

تعالوا بنا نقلب صفحات التاريخ لتكون دواء لكل قلب ينفطر كمدًا على نكبات المسلمين، وإلى العين التي تسيل دمعًا من خشية الله، ودمًا على أحوال المسلمين ومآسيهم، وإلى الجوارح التي تصوم ابتغاء رضوان الله، وتشتاق أن تجاهد أعداء الإسلام ؛ إلى هؤلاء جميعًا نهدي لهم هذه المشاهد والمواقف الكبرى في معاني الانتصار ..

ففي شهر رمضان حقق المسلمون عدة انتصارات كانت بمثابة المحطة الفارقة والنقطة الفاصلة في حياة الأمة الإسلامية، وأولى هذه الانتصارات كانت يوم الفرقان يوم التقى الجمعان يوم بدر ..

العنصر الأول : وقفة مع غزوة بدر الكبرى.

غَزْوَةُ بَدْرٍ الَّتِي غَيَّرَتْ وَجْهَ الدُّنْيَا، وهِيَ أَوَّلُ مَعَارِكِ الإِسْلامِ الْكُبْرَى، غَزْوَةُ بَدْرٍ يوم الفرقان الذي فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ..

قال تعالى: (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ)الأنفال/٤١.

وأول حلقة في سلسلة متصلة من الانتصارات ، فقد كَانَ لَهَا مَا بَعْدَهَا عبر التاريخ ؛ وَهَذِهِ الْغَزْوَةُ تُوِّجَتْ بِالنَّصْرِ الْمُبِينِ ..

وَقَعَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ فِي السَّابعِ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّة ..

سبب الغزوة

قَدْ لَحِقَ النبي وصحابته مِنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ مَا لَحِقَهُمْ مِنْ أَذىً وَاضْطِهَادٍ ونِكَايَةٍ وَخَسَائِرَ مَادِّيَّةٍ، فَأَرَادَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَشْفِيَ صُدُورَهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ ، وَأَنْ يُقَوِّيَ مَعْنَوِيَّاتِهِمْ وَيُثَبِّتَ قُلُوبَهُمْ بِاِغْتِنَامِ تِلْكَ الْفُرْصَةِ، فَقَدْ سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عِيرًا لِقُرَيْشٍ مُحَمَّلَةً بِالْأَمْوَالِ قَادِمَةٌ، يَقُودُهَا أَبُو سُفْيانَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِالْخُرُوجِ لِلْاِسْتِيلاءِ عَلَى هَذِهِ الْقَافِلَةِ، وَقَالَ لَهُمْ: “هَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ فِيهَا أَمْوَالُكُمْ فَاخْرُجُوا إِلَيْهَا لَعَلَّ اللهَ يُنَفِّلُكُمُوهَا” يجعل لكم فيها غنيمة وعوضا..

وقد قدرت هذه القافلة بأنها تعدل خمسين ألف دينار من الذهب، فلا شك أن فيها تعويض مادي كبير لما خسره المهاجرون من مالهم وديارهم ..

وبلغ أبا سفيان خروج الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلم بمقصده فأرسل إلى مكة ضمضم بن عمرو الغفاري مستصرخاً قريش يا بني كذا وكذا …يا معشر قريش إن أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى ألا تدركوها الغوث الغوث ، وبلغ الصريخُ أهلَ مكة، فجدَّ جدُّهم ونهضوا مسرعين فكانوا بين خيارين: إما خارج الرجل بنفسه، وإما باعث مكانه رجلاً، لأن معظمهم كان له في القافلة نصيب، وخرجوا من ديارهم كما وصفهم الله – تعالى – {بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 47].

ولما سمع أبو سفيان بخروج المسلمين غيَّر طريقه المعتاد ، ولحق بساحل البحر الأحمر فنجا وسلمت العير، وأرسل إلى قريش أن ارجعوا ، فإنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم ورجالكم وأموالكم، وقد رجعت سالمة فارجعوا. وبينما همُّوا بالرجوع إذا بأبي جهل

وعلى الرغم من قول أبي جهل فقد رجع بنو زهرة وبنو عدي بن كعب، ولولا سلاطة لسان أبي جهل ورميه المترددين بالجبن والضعف لأنسحب عدد كبير، ووقف عتبة بن ربيعة في معسكر المشركين يدعوهم إلى الرجوع ،

إلا أن صوت عتبة وغيره من عقلاء قريش ضاع بين صرخات الحرب وشهوة الانتقام من جانب أبي جهل ومن انضم إليه. ولجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله – تعالى – داعياً: «اللهم! هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادُّك وتكذب رسولك، اللهم! فَنصْرَك الذي وعدتني، اللهم! إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تُعبَد».

ولم يتخذ المسلمون أهبتهم كاملة؛ فلم يكن معهم إلا فرسان (فرس للزبير بن العوام، وثانية للمقداد بن الأسود الكندي)،

في مقابل مائة فرس للمشركين ، وكان معهم سبعون بعيراً في مقابل سبعمائة بعير ،يتعاقب الرجلان والثلاثة على بعير واحد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنوي – رضي الله عنهم – يتعاقبون بعيراً واحداً، فإذا ما كانت عُقْبة النبي صلى الله عليه وسلم قالا: اركب حتى نمشي عنك فيقول: «ما أنتما بأقوى مني ، وما أنا بأغنى من الأجر منكما».

ويذكر الحافظ بن كثير أن يوم بدر كان في جمعة وافق السابع عشر من رمضان ، من سنة اثنتين من الهجرة ، وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله ، ودمغ فيه الشرك وخرب محله ، [ هذا ] مع قلة عدد المسلمين يومئذ ، فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا فيهم فرسان وسبعون بعيرا ، والباقون مشاة ، ليس معهم من العدد جميع ما يحتاجون إليه ، وكان العدو يومئذ ما بين التسعمائة إلى الألف في سوابغ الحديد والبيض ، والعدة الكاملة والخيول المسومة والحلي الزائد ، فأعز الله رسوله ، وأظهر وحيه وتنزيله ، وبيض وجه النبي وقبيله ، وأخزى الشيطان وجيله ولهذا قال تعالى – ممتنا على عباده المؤمنين وحزبه المتقين :”وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”.آل عمران/123.(تفسير بن كثير).

ولكن الله -سبحانه وتعالى- أراد أن يذل الشرك والمشركين، وينصر دينه ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وعباده المؤمنين، فتنجوا القافلة وتخرج قريش بقضِّها وقضيضها لمواجهة المسلمين.

ولقد كان عدد المشركين ألفاً من المقاتلين يتقدمهم كل صناديد المشركين، مدججين بكل الأسلحة المتوفرة في بيئتهم،

عندما التقت الفئة المؤمنة، جند الرحمن، بقيادة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، مع جند الشيطان، الفئة الكافرة، بقيادة فرعون الأمة أبي جهل، وهم أقل عددا وعدة ، والتقى الجمعان في أول صدام بين الحق والباطل ، والكفر والإيمان، ويتنزل نصر الله -عز وجل- على المؤمنين، ليكون أعظم انتصارات الإسلام.

يمنُّ القوى -سبحانه وتعالى- على عباده المؤمنين -الفقراء في كل شيء إلا من العقيدة والإيمان، ويُهزم زعماء الشرك فيُقتل أبو جهل -فرعون هذه الأمة- وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وسبعون آخرون، ويؤسر مثلهم، فكان نصراً مؤزراً بعون الله -سبحانه وتعالى- وقدرته..

وَأَرَادَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُنَفِّذَ هَدَفًا مِنَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ وهُوَ تَحْطِيمُ عُنْفُوَانِ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ؛ فَلَقَدْ قَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ وَأَسَرُوا وَشَفَى اللَّهُ صُدُورَهُمْ، وَأَيَّدَهُمْ جَلَّ وَعَلا بِالنَّصْرِ مِنْ عِنْدِهِ..

ولقد وَصْفِ الله هَذَا النَّصْر بقوله : ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ .

[آل عمران: 126].

وعمومًا ففي معركة بدر عدة دروس للأمة و من بينها:

١-أن الظلم له نهاية، والمكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، استمع إلى إصرار أبو جهل على خوض المعركة ، حينما قيل لا داعي للقتال ، فقد نجت القافلة ، فقال : “لا والله لا نرجع حتى نَرِدَ بدرًا ، فننحر الجذور، ونَطْعَم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبداً “. (الرحيق المختوم).

وقـد قال الله في شأنها: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَىٰ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: ١٢٦/١٢٣.

وقاتل المسلمون في معركة بدر قتالاً يميزه حرارة الصدق والإخلاص والحرص على الشهادة في سبيل الله تعالى..

موقف سعد بن خزيمة ووالده ..

موقف سعدُ بن خيثمة بن الحارث، وأبوه خيثمة -رضي الله عنه- اختلفا أيُّهما يخرجُ مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- للمعركة، وأيهما يبقى مع النساء؛ إذ لابد لأحدهما أن يقيم، فقال الأب -وهو شيخ كبير- لابنه مستخدمًا حقَّ الأبوة: آثرني بالخروج وأقم أنت مع النساء، فأبى الولدُ سعدُ، لا عصيانًا ولا عقوقًا، ولكن رغبةً فيما عند الله، وقال: لو كان ذلك غير الجنة آثرتُك به، وإني لأرجو الشهادة في وجهي هذا.

واشتدَّ الخلافُ بينهما، كلٌّ يريد الخروج لبدر، فلم يجدا حلاً إلا أن يستهما، فخرج السهمُ لسعد الابن، فخرج فاستشهد يوم بدر.

تأملوا في هذه الصورة، وقارنوا بينها وبين واحدٍ من زعامات قريش -وهو أبو لهب- الذي خاف من الخروج لبدر رغم عداوته للرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين، ولم يحضر المعركة، وأناب عنه رجلاً بثلاثة آلاف دينار، ولكن الله قتله بآثار المعركة، فحين سمع بنتيجة المعركة وهزيمة المشركين كان الخبرُ قاسيًا عليه، فأصابته الحمى، ويُقال: إنه مات كمدًا وغيظًا.

٢-معية الله ومساندته لعباده المؤمنين..

بقوة إيمان المؤمن يمده الله بجند من عنده ، و بأسلحة ربانية من عند الله فساندهم ، وثبتهم وشد من عزائمهم، وأمدهم بملائكته ، ومن تأمل عوامل النصر الإلهية في بدر أدرك ذلك، فالنعاس والأمنة، والتثبيت بنزول الملائكة و المطر المثبت للأقدام ، والمذهب لرجز الشيطان، تقليل المشركين في أعين المسلمين والعكس..

قال تعالى:(إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا ۖ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ) .[الأنفال٤٤/٤٣].

وقال عز وجل: {إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى الْـمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال:12].

٣- إن النصر بيد الله وحده ، ومن كان الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب ، والحارس الذي لا ينام ولا يهزم ، وإن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب ، وإن مع العسر يسرا ..

قال تعالى:وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”الأنفال/١٠.

وقال :(إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (آل عمران160)

ومن روعة الانتصار –أيها المسلمون- وعظمة المشهد أنزل الله -عز وجل- في الواقعة قرآنًا يتلى إلى يوم الدين في سورتي آل عمران وسورة الأنفال، التي نزلت معظم آياتها في شأن غزوة بدر، وقد سماها المولى -عز وجل- يوم الفرقان؛ لأنها كانت فرقانًا بين عهد الاستضعاف وتسلط الأعداء، إلى عهد القوة والنصر على الأعداء، واستحق أهل بدر صك المغفرة والعتق من النيران الذي أصدره رب البرية على لسان رسولنا ﷺ: “لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم..”.

وكانت هزيمة القرشيين نذيراً بنزول غضب الله على الكافرين؛ إذ بدأ المسلمون يهاجمونهم في كل أنحاء الجزيرة العربية، وترتب على هذه المعركة انهيار قوى الشرك وأسطورة قريش القوية..

العنصر الثاني : وقفة مع فتح عمورية ..

ومن أعظم المعارك الإسلامية في شهر رمضان المبارك تلك التي تسببت فيها امرأة صرخت: وامعتصماه! فحركت نخوة الخليفة العباسي المعتصم بالله ، فحرك جيشاً جرارا من قصر الخلافة إلى مدينة عمورية – التي هي إحدى مدن الدولة البيزنطية – وحاصرها استجابة لنداء المرأة المسلمة التي استغاثت به، إنها معركة فتح عمورية.

عام ٢٢٣ هجرية ..

حيث اقتحم المعتصم بالله العباسي حصون عمورية في مائة وخمسين ألفاً من جنوده ؛ ليجعل من غزوته غرة في جبين الدهر، ودرة وتاجاً في تاريخ الإسلام، وتعود أسباب تلك المعركة إلى أنه قد نقل إلى الخليفة المعتصم أن امرأة مسلمة حرة قد وقعت في يد جند الروم، فلما همُّوا بسبيها نادت: وامعتصماه! وامعتصماه! فهز النداء نخوته وأثار رجولته، وقال: لبيك، لبيك، فنهض المعتصم ، ولبس لأمته ، وتقلد سلاحه ، ثم ركب حصانه ، وصاح بالنفير وهو على أبواب قصره، وأقسم ألا يعود إليه إلا شهيداً محمولاً على الأعناق،

أو ظافراً منتقماً للمدينة الغالية المنكوبة ، والمرأة المسلمة المغصوبة، وفي أرض المعركة قاتل الجيش المسلم الرومَ، ولم تغب شمس يوم 17 رمضان 223هـ (12 أغسطس 838م) إلا والمدينة العريقة العتيدة بأيدي المسلمين، وشوهد المعتصم بن هارون الرشيد يدخلها على صهوة جواده الأصهب، وقد نكس رأسه خضوعاً لله ، وشكراً على نعمائه؛ فأين من يسمع صرخات النساء المستغيثات في بلاد الإسلام؟ وأين من يسمع استغاثات الأطفال والعجائز في أرض الإسراء ؟!.

وفِي رَمَضَانَ كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، وفِي رَمَضَانَ كَانَتْ مَعْرَكَةُ الْقَادِسِيَّةِ بِقِيَادَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وفِي رَمَضانَ فُتِحَتْ بِلادُ الْأَنْدَلُسِ -فردوس المسلمين- عَلَى يَدِ طَارِقِ بْنِ زِيَادٍ، وفِي رَمَضانَ وَقَعَتْ مَعْرَكَةُ حِطِّينَ وَالَّتِي اسْتَرَدَّ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وفِي رَمَضانَ انْتَصَرَ المصريون والْمُسْلِمُونَ بِقِيَادَةِ “سَيْفِ الدِّينِ قُطُزَ” عَلَى التَّتَارِ فِي مَعْرَكَةِ عَيْنِ جَالُوتَ، وفِي رَمَضانَ فُتِحَتِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ عَلَى يَدِ مُحَمَّدٍ الْفَاتِحِ.. وغيرها من الوقائع والانتصارات الكثير ..

مَلَكْنَا هَذِهِ الدُّنْيَا الْقُرُونَا

وَأَخْضَعَهَا جُدُودٌ خَالِدُونَا

وَسَطَّرْنَا صَحَائِفَ مِنْ ضِيَاءٍ

فَمَا نَسِيَ الزَّمَانُ وَلاَ نَسِينَا

فَمَا فَتِئَ الزَّمَانُ يَدُورُ حَتَّى

مَضَى بِالْمَجْدِ قَوْمٌ آخَرُونَ

وَأَصْبَحَ لَا يُرَى فِي الرَّكْبِ

قَوْمِي وَقَدْ عَاشُوا أَئِمَّتَهُ سِنِينَ

وَآلَمَنِي وَآلَمَ كُلَّ حُرٍّ سُؤَالُ

الدَّهْرِ أَيْنَ الْمُسْلِمُونَ؟! .

العنصر الثالث : انتصار العاشر من رمضان أعظم انتصارات العصر الحديث..

وفـي العصر الحديث 10 رمضان 1363هـ (6 أكتـوبر 1973م) عبـر الجيش المصري قناة السويس وحطم خط بارليف وألحق الهزيمة بالقوات الصهيونية، في يوم من الأيام الخالدة التي سطرها التاريخ في أنصع صفحاته بأحرف من نور؛ ففي هذا اليوم وقف التاريخ يسجل مواقف أبطال حرب أكتوبر الذين تدفقوا كالسيل العرم يستردوا أراضيهم، ويستعيدوا كرامتهم ومجدهم؛ فهم الذين دافعوا عن أرضهم وكافحوا في سبيل تطهيرها وإعزازها فضربوا بدمائهم المثل، وحفظوا لأنفسهم ذكراً حسناً لا ينقطع، وأثراً مجيداً لا يمحى.

فبعد أن احتل اليهود سيناء الحبيبة والجولان والضفة الغربية والقدس وغزة في 5 يونيو 1967م أخذوا يتغنون بأسطورة جيشهم الذي لا يقهر، لكن مصر نجحت في أعادة بناء جيشها وجهزته بالعتاد وخيرة جنود الأرض، وبالتخطيط الجيد مع أشقائها العرب وبعض المسلمين وبإرادة صلبة قوية وإيمان قوي عظيم، وبخطة دقيقة محكمة فاجأت إسرائيل والعالم كله الساعة الثانية بعد الظهر، وانطلقت أكثر من 220 طائرة تدك خط بارليف الحصين ومطارات العدو ومراكز سيطرته، وفي الوقت نفسه سقطت أكثر من عشرة آلاف وخمسمائة فوهة مدفعية وتعالت صيحات: الله أكبر، وتم عبور القناة واقتحام حصون العدو وتحطيمها واندحر العدو وهُزِم شر هزيمة، وتحررت أرض سيناء المباركة نتيجة لهذه الحرب المجيدة، في هذا الشهر العظيم، شهر عزة المسلمين والذلة للأعداء ..

تُعَدَّ هذه الانتصارات مفخرةً مُشرقة في تاريخنا، ومجدا رائعا من أمجادنا، وستظل محطات فياضة بالعبر والعظات، يتوارثها الأجيال لما فيها من عزة ونصر وتمكين لعباد الله المؤمنين، وتحقيق وعد الله في إحقاق الحق وإبطال الباطل: (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) [الأنفال: 8].

العنصر الرابع : الانتصار على النفس والشهوات ..

فالله -عز وجل- فطر النفس البشرية على حب الشهوات والميلِ إليها، وذلك من أجل أن يؤدي دورَه المنوطِ به في هذه الحياة، ومن أجل تحقيق ما يَجلُب له الخير ويَدفع عنه الشر.

فقد جعل مجاهدة النفس والشيطان بالجهاد الأكبر ، ومجاهد الأعداء بالجهاد الأصغر ، كما جعلها الطريق إلى العزة والانتصار على الأعداء الانتصار على النفس والذات ، وهجران المعاصي والشهوات ..

ولنجعل -معاشر الصالحين والصالحات- هذا الشهر شهر انتصار على هوى النفس وشهواتها، وعلى آفات اللسان وأمراض القلوب والرياء والبخل

لنجعله شهر انتصار على العجز والكسل والغفلة.

لنجعله شهر انتصار على الذنوب والمعاصي بكل أصنافها..

عندها نصل إلى ما وصل إليه الأولون، ونحقق مثل انتصاراتهم وأمجادهم..

ثمة انتصارات من نوع آخر؛ ففي شهر رمضان ينتصر الصائم على دواعي الشهوة -وإن كانت مباحة-؛ فالبطون تصوم عن الأكل والشراب، وإن كانت حلالاً، وتصوم الفروجُ عن الشهوة وإن كانت غير ملومةٍ مع الأزواج ،وينتصر الصائم على الشهوة المحرمة كشرب المخدرات والمسكرات ونحوهما، فثمة نفرٌ من المسلمين بُلوا بهذه الأدواء المهلكة، لكنهم في شهر الصيام يهجرونها -ولو على الأقل في نهار رمضان- وهم خليقون بهجرها على الدوام، وعسى الله أن يجعل من شهر الصيام فرصةً لهم على التوبة النصوح والانتصار على دواعي الشهوة التي تورث الذلة والمهانة..

وينتصر جماهيرُ من المسلمين في رمضان على مكر الشيطان وتوهينه وإغوائه في التكاسل عن الصلاة جماعةً مع المسلمين ..

فمَتى نَعلَمُ أَنَّ مَن عَجَزَ عَنِ التَّغَلُّبِ عَلَى سُلطَانِ نَفسِهِ وَقَهرِ هَوَاهَا، فَهُوَ أَعجَزُ مِن أَن يَتَغَلَّبَ عَلَى عَدُوِّهِ الخَارِجِيِّ مَهمَا كَانَ ذَاكَ العَدُوُّ ضَعِيفًا؟! كَيفَ يَستَطِيعُ أَن يُوَاجِهَ العَدُوَّ سَاعَةً أَو يَصمُدَ في مَيدَانِ القِتَالِ لَحظَةً، مَن يَنَامُ عَنِ الصَّلَوَاتِ المَكتُوبَةِ في رَمَضَانَ، وَهِيَ لا تَتَجَاوَزُ دَقَائِقَ مَعدُودَةٍ، وَفي مَسَاجِدَ مَفرُوشَةٍ وَمُكَيَّفَةٍ؟! وَأَنَّى لامرِئٍ بِالصَّبرِ في مُرَابَطَةٍ في ثَغرٍ مِنَ الثُّغُورِ، وَهُوَ لم يُصَبِّرْ نَفسَهُ لأَدَاءِ صَلاةِ التَّرَاوِيحِ وَالقِيَامِ مَعَ المُسلِمِينَ سَاعَةً أَو نِصفَ سَاعَةٍ؟!.

قال سفيان الثوري : ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نفسي ، مرة لي ومرة علي..

إنَّ الإِنسَانَ في صِرَاعٍ مَعَ نَفسِهِ مَا دَامَت رُوحُهُ في جَسَدِهِ، وَلَن يَزَالَ كَذَلِكَ حَتى يَنتَصِرَ عَلَيهَا فَيَفُوزَ وَيَنعَمَ، أَو تَنتَصِرَ عَلَيهِ فَيَخسَرَ وَيَبأَسَ، قَالَ -سُبحَانَهُ- : (وَنَفسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا. قَد أَفلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَد خَابَ مَن دَسَّاهَا) [الشمس: 7- 10]..

وختاماً:

إن سلسلة المعارك والانتصارات في شهر رمضان تؤكد على أن شهر رمضان ليس شهر النوم والكسل ، بل شهر الجهاد والعمل ، وإن الصوم والصلاة والعمل الصالح لا يضعف البدن ، بل يقوي الروح التي تسوق البدن ، ويرتقي بها ..

تحية فخر لكل زوج يكافح ويسعى لتوفير لقمة الحلال، متحملاً مشاق الحياة بكرامة لأجل عائلته، جعلها الله في ميزان حسناتكم..

وتحية إجلال وتقدير لكل زوجة تعمل بصبر في بيت زوجها ، وتأدية واجبها خلال شهر رمضان، فهي عماد البيت ورمز العطاء بلا حدود..

لذلك أَوْصَى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الرِّجالَ بِالِّنساءِ خيرًا، وحَثَّهم على الإحسانِ إليهنَّ ومُعاشرَتِهنَّ بِالمعروفِ، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ القُدوةَ الحَسَنةَ لِهذه الأُمَّةِ، فكانَ أفضلَ النَّاسِ وأرحَمَهم وأرفَقَهم في مُعاملةِ أهلِه وعِشرتِه، فعندما سُئِلَتْ رَضيَ اللهُ عنها عَن حالِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في بيْتِه وكيفَ كان يَصنَعُ ، قالَتْ: “كانَ يَكونُ في مِهْنَةِ أهْلِهِ – تَعْنِي خِدْمَةَ أهْلِهِ – فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إلى الصَّلَاةِ”.. أخرجه الإمام الترمذي وسنده صحيح.. والمعنى أنَّه ﷺ كان يُساعِدُهنَّ في الأعمالِ الَّتي يَقُمْنَ بها، ومِن ذلك أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ–كما في مُسنَدِ أحمَدَ- كان يَخدُمُ نفْسَه، ويَحلُبُ شاتَه، ويَرقُعُ ثَوبَه، ويَخصِفُ نَعْلَه، وكان إذا حضَرَتِ الصَّلاةُ خرَجَ إليها دُونَ تَأخيرٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. وهذا فيه تَعليمٌ للأُمَّةِ حتَّى يَقتَدوا بنَبيِّهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في القيامِ بما يَستطيعُه وما يتَّفِقُ معه مِن مُهِمَّاتِ البيتِ، وأنْ يَخدُمَ نفْسَه في بَعضِ الأُمورِ، وأنَّه لا غَضاضةَ في ذلك مع الحِرصِ على أداءِ واجباتِ اللهِ وحُقوقِه، وتلك مُوازنةٌ بيْن كلِّ الحُقوقِ والواجباتِ التي تَفرِضُها الحياةُ على الإنسانِ (الدرر السنية).

اللهم بارك لنا في شهر رمضان ، وتقبل منا فيه الصيام والقيام وصالح الأعمال..

واللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين في كل بقاع الدنيا وكن لعبادك المستضعفين نصرا يغنيهم عمن سواك يا رب العالمين..

واحفظ بلدنا مصر وسائر بلاد المسلمين ..

كما نسأل الله أن ينصرنا على أنفسنا وشياطيننا ..