خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةُ :(( اسْتِقْبَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ)) للدكتور : مُحَمَّدُ حَرْزٌ


خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةُ :(( اسْتِقْبَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ))

للدكتور : مُحَمَّدُ حَرْزٌ

 

لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
esteqbal ramadan

25 شَعْبَانَ بِتَارِيخِ 1447ه ، الْمُوَافِقُ ، 13 مِن فِبْرَايرَ 2026م

الحمدُ للهِ الَّذِي بَارَكَ بِالْأَجْرِ وَالْحَسَنَاتِ، أَيَّامٌ قَلَائِلُ وَيَهِلُّ هِلاَلُ شَهْرِ اللَّـهِ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْأَمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالإِسْلَامِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وليُّ الصالحين، وَأشهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وصفيُّهُ مِن خلقهِ وخليلُهُ، خيرُ مَن صلَّى وصامَ، وبكَى مِن خشيةِ ربِّهِ حينَ قامَ، القائلُ كمَا في حديثِ  أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ)، فاللهُمَّ صلِّ وسلمْ وزدْ وباركْ على النبيِّ  المختارِ وعلى آلهِ وأصحابِهِ  الأطهارِ الأخيارِ وسلمْ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ. أَمَّا بَعْدُ، مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى فَرَبُّكُمْ أَحَقُّ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَيُشْكُرَ فَلَا يُكْفَرَ؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾آلِ عِمْرَانَ: 102.

 عِبَادَ اللهِ : (( اسْتِقْبَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ)) هُوَ عُنْوَانُ وَزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا

عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

  • أَوَّلًا: نَفَحاتٌ إِلَهِيَّةٌ رَبَّانِيَّةٌ رَمَضَانِيَّةٌ.

  • ثَانِيًا: مَرْحَبًا بِرَبِيعِ القُلُوبِ.

  • ثَالِثًا وَأَخِيرًا: القَصْدَ القَصْدَ فِي الاِسْتِهْلاكِ.

أيُّهَا السَّادَةُ: بَدَايَةً مَا أحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ المَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ اسْتِقْبَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَخَاصَّةً وَرَمَضَانُ يُنَادِيكَ، مَوْسِمٌ عَظِيمٌ مِن مَوَاسِمِ الخَيْرِ وَالطَّاعَةِ وَالْبَرَكَاتِ، وَشَهْرٌ كَرِيمٌ تُضَاعَفُ فِيهِ الْحَسَنَاتُ وَتُمحَى فِيهِ السَّيِّئَاتُ، وَتُجْزَلُ فِيهِ الْهِبَاتُ، وَتُرْجَى فِيهِ الْمَغْفِرَةُ وَالْغُفْرَانُ، وَخَاصَّةً وَالْمُسْلِمُونَ يَنْتَظِرُونَ شَهْرَ رَمَضَانَ مِن السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ؛ طَمَعًا فِي الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرِّضْوَانِ وَالْعِتْقِ مِن النِّيرَانِ، وَخَاصَّةً وَنَحْنُ عَلَى أَعْتَابِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَمِنَ الْوَاجِبِ عَلَى الدُّعَاةِ أَنْ يُهَيِّئُوا النُّفُوسَ الشَّارِدَةَ وَأَنْ يُوقِظُوا الْقُلُوبَ الْغَافِلَةَ لِاسْتِقْبَالِ هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ وَهَذَا الْمَوْسِمُ الْعَظِيمُ أَنَّهُ رَبِيعُ أُمَّةِ سَيِّدِ النَّبِيِّينَ ﷺ، جَاءَ رَمَضَانُ بِمَا فِيهِ مِن خَيْرٍ وَبَرَكَةٍ، جَاءَ رَمَضَانُ يَحْمِلُ الْبُشْرَيَاتِ لِلْعَامِلِينَ، جَاءَ رَمَضَانُ فُرْصَةً لِلْعَابِدِينَ، جَاءَ رَمَضَانُ لِيَرْفَعَ فِي الْجَنَّةِ دَرَجَاتِ الْمُحِبِّينَ، جَاءَ رَمَضَانُ لِيَغْسِلَ ذُنُوبَ التَّائِبِينَ النَّادِمِينَ، جَاءَ رَمَضَانَ فَهَلْ مِن مُشَمِّرٍ إِلَى الْجَنَّةِ، جَاءَ رَمَضَانُ فَهَلْ مِن تَائِبٍ، فَهَلْ مِن نَادِمٍ، فَهَلْ مِن مُسْتَغْفِرٍ، فَهَلْ مِن عَادٍ إِلَى عَلَّامِ الْغُيُوبِ وَسَتِيرِ الْعُيُوبِ.

رَمَضَانُ يَا خَيْرَ الشُّهُورِ تَحِيَّةً**** تَضْفِي عَلَيْكَ مِنَ الْجَلاَلِ جَلاَلا

خُذْهَا يَفُوحُ عَبِيرُهَا مِنَ مُؤْمِنٍ * يَبْغِي لَكَ التَّعْظِيمَ وَ الإِجْلاَلَ

رَمَضَانُ عُــدْتَ وَهَذِهِ أَوْطَـــانُنَـــا   ***   عَـــمَّ الفَسَادُ بِهَا وَزَادَ وَطَــــالَا

ضَــاعَــتْ مَــقَايِيسُ الفَضِيلَةِ بَـيْنَنَا   ***   وَتَــبَـــدَّلَتْ أَحْـــوَالُنَا أَوْحَالَا

اللهُ أَكْــبَــرُ إِنَّ عَـيْــنِيَ قَــــدْ رَأَتْ  ***  نُورًا بِآفَاقِ الــــــسَّمَا يَــــتَلَالَا

فَــلَعَلَّهُ فَـــجْـرُ الــعَقِيدَةِ قَـــد بَـدَا ***يُحيِي النُّفُوسَ وَيَــبْعَـثُ الآمَالَا

وَيُمِيطٌ عَنْ هَذِي القُلُوبِ قِــــنَاعَهَا ****فَتَعُودُ تُرْسِلُ نُـــــورَهَا إِرْسَالَا

وَتَرُوحُ بِالإِسْلَامِ تَكْسِرُ قَــــيْدَهَـــا   *** وَتَفُكُّ عَنْ أَعْــــنَاقِهَا الأَغْلَالَا

وَتَـــرُدُّ للـــدُّنْيَا عَـــــدَالَةَ أَحْـمَـدٍ   *** وَتُعِيدُ للإِسْلَامِ تِـــــلْكَ الحَالَا

 

  • أَوَّلًا: نَفَحاتٌ إِلَهِيَّةٌ رَبَّانِيَّةٌ رَمَضَانِيَّةٌ.

أيُّهَا السَّادَةُ: مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةُ بِالْبَارِحَةِ .. هَكَذَا الْأَيَّامُ تَمُرُّ سَرِيعَةً وَكَأَنَّهَا لَحَظَاتٌ .. استَقْبَلْنَا رَمَضَانَ الْمَاضِيِ .. ثُمَّ وَدَّعْنَاهُ .. وَمَا هِيَ إِلَّا أَشْهُرٌ مَرَّتْ كَسَاعَاتٍ .. فَإِذَا بِنَا نَسْتَقْبِلُ شَهْرًا آخَرَ .. وَكَمْ عَرَفْنَا أَقْوَامًا .. أَدْرَكُوا مَعَنَا رَمَضَانَ أَعْوَامًا .. وَهُمُ الْيَوْمَ مِنْ سُكَّانِ الْقُبُورِ .. يَنْتَظِرُونَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ .. وَرَبَّمَا يَكُونُ رَمَضَانُ هَذَا لِبَعْضِنَا آخِرَ رَمَضَانَ يَصُومُهُ .. إنَّ إِدْرَاكَنَا لِرَمَضَانَ .. نِعْمَةٌ رَبَّانِيَّةٌ .. وَمِنْحَةٌ إِلَهِيَّةٌ .. فَهُوَ بُشْرَى .. تَسَاقَطَتْ لَهَا الدَّمْعَاتُ .. وَانْسَكَبَتْ الْعَبَرَاتُ .. أَقْبَلَ رَمَضَانُ بِفَضَائِلِهِ ، وَفَوَائِدِهِ ، وَنَفَحَاتِهِ … أَقْبَلَ رَمَضَانُ بِأَنْفَاسِهِ الْعَطِرَةِ، وَوَجْهِهِ الْمُشْرِقِ … أَقْبَلَ رَمَضَانُ وَهُوَ يُنَادِي : يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ .. وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصُرْ…أَقْبَلَ رَمَضَانُ وَهُوَ يَصْرُخُ مُحَذِّرًا: خَابَ وَخَسِرَ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، أَقْبَلَ رَمَضَانُ فَتَفَتَّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّانِ … وَغُلِقَتْ أَبْوَابُ النِّيرَانِ، وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ .. أَقْبَلَ رَمَضَانُ وَالْمُسْلِمُونَ يَتَشَوَّقُونَ إِلَى صِيَامِ نَهَارِهِ وَقِيَامِ لَيْلِهِ ..فَيَا لَهُ مِن شَهْرٍ عَظِيمٍ .. وَمَوْسَمٍ كَرِيمٍ .. وَتِجَارَةٍ رَابِحَةٍ لَنْ تَبُورَ .

يَا ذَا الَّذِي مَا كَفَاهُ الذَّنْبُ فِي رَجَبٍ *** حَتَّى عَصَى رَبَّهُ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ لَقَدْ أَظَلَّكَ شَهْرُ الصَّوْمِ بَعْدَهُمَا *** فَلَا تُصَيِّرْهُ أَيْضًا شَهْرَ عِصْيَانٍ وَاتْلُ الْقُرْآنَ وَاسْبَحْ فِيهِ مُجْتَهِدًا *** فَإِنَّهُ شَهْرُ تَسْبِيحٍ وَقُرْآنِ

كَمْ كُنتَ تَعْرِفُ مِمَّن صَامَ فِي سَلَفٍ**مِن بَيْنِ أَهْلٍ وَجِيرَانٍ وَإِخْوَانِ

أَفْنَاهُمُ الْمَوْتُ وَاسْتَبْقَاكَ بَعْدَهُمُ**حَيًّا فَمَا أَقْرَبَ الْقَاصِي مِنَ الْدَّانِي

إِنَّ حِكْمَةَ اللهِ – عَزَّ وَجَلَّ – اقْتَضَتْ أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الدُّنْيَا مَزْرَعَةً لِلْآخِرَةِ وَمِيدَانًا لِلتَّنَافُسِ وَكَانَ مِنْ فَضْلِهِ – عَزَّ وَجَلَّ – عَلَى عِبَادِهِ وَكَرَمِهِ أَنْ يُجْزِيَ عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيرًا، وَيُضَاعِفَ الْحِسَابَ وَيَجْعَلَ لِعِبَادِهِ مَوَاسِمَ تُعَظِّمُ فِيهَا هَذِهِ الْمُضَاعَفَةَ، فَالسَّعِيدُ مَنْ اغْتَنَمَ مَوَاسِمَ الشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ، وَتَقَرَّبَ فِيهَا إِلَى مَوْلَاهُ بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْ وَظَائِفِ الطَّاعَاتِ؛ عَسَى أَنْ تُصِيبَهُ نَفْحَةٌ مِّنْ تِلْكَ النَّفَحَاتِ فَيسْعَدَ بِهَا سَعَادَةً يَأْمَنُ بَعْدَهَا مِنَ النَّارِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْلَّفَحَاتِ.

أَتَى رَمَضانُ مَزرَعَةُ العِبَادِ *****لِتَطهيرِ القُلوبِ مِنَ الفَسادِ

فَأَدِّ حُقُوقِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا ****وَزَادَكَ فَاتَّخِذْهُ إِلَى المِعَادِ

فَمَنْ زَرَعَ الحُبُوبَ وَمَا سَقَاهَا ****تَأَوَّهَ نَادِمًا يَوْمَ الحَصَادِ

الْمُؤْمِنُ يُفْرِحُ بِقُدُومِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْمُنَافِقُ يَتَأَذَّى كُلَّ الْأَذَى بِقُدُومِ شَهْرِ رَمَضَانَ، لِمَاذَا لَأَنَّ الْمُؤْمِنَ الْحَقِيقِيَّ يُفْرِحُ بِمَوَاسِمِ الْخَيْرَاتِ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ الصَّادِقَ لَا يُفْرِحُ بِالْمَالِ وَلَا بِالْجَاهِ وَلَا بِالْمَنْصِبِ فَحَسَبَ وَإِنَّمَا يُفْرِحُ بِفَضْلِ اللَّهِ، وَهَلْ هُنَاكَ فَضْلٌ يَفُوقُ فَضْلَ رَمَضَانَ، قَالَ تَعَالَى: { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ }58، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ – رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَكَيْفَ لَا يُبَشَّرُ الْمُؤْمِنُ بِفَتْحِ أَبْوَابِ الْجَنَّانِ؟ وَكَيْفَ لَا يُبَشَّرُ الْمُذْنِبُ بِغَلْقِ أَبْوَابِ النِّيرَانِ؟ وَكَيْفَ لَا يُبَشَّرُ الْعَاقِلُ بِوَقْتٍ يُغْلَّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، وَمِنْ أَيْنَ يُشَبِّهُ هَذَا الزَّمَانُ زَمَانَ؟

أَطْلَ عَلَيْنَا سَيِّدُ الشُّهُورِ، وَأَفْضَلُهَا عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ، شَهْرٌ خَصَّهُ اللَّهُ بِخَصَائِصَ عَظِيمَةٍ، وَمَزَايَا جَلِيلَةٍ، نَفَحاتٍ إِلَهِيَّةٍ رَبَّانِيَّةٍ رَمَضَانِيَّةٍ لَوْ تَكَلَّمْنَا عَنْ بَعْضِ فَضَائِلِه، مَا وَسِعَنَا الزَّمَانُ فِي ذِكْرِ مَحَاسِنِه، يَقُولُ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185]

الأَعْمَالُ فِيهِ مَبَارَكَةٌ، وَالْأَجُورُ فِيهِ مُضَاعَفَةٌ، فَهُوَ مَوْسِمٌ مِنْ أَعْظَمِ الْمَوَاسِمِ الرَّبَّانِيَّةِ، يَقُولُ عَنْهُ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةٍ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ؛ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ)).

فَيَا سَعَادَةَ مَنْ مَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْأَجَلِ، وَمَتَّعَهُ بِنَعِيمِ الصَّحَّةِ، لِيَغْنَمَ بِمَغْفِرَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ، وَالْعُتْقِ مِنْ نَيْرَانِهِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). فرصٌ لا تعوضُ لتتطهرَ مِن ماضيكَ ولتبدأَ صفحةً جديدةً مع اللهِ.

فرصةٌ في رمضانَ لتدخلَ في زمرةِ الأكابرِ مع النبيينَ والصديقينَ والشهداءِ والصالحينَ وحسنُ أولئكَ رفيقًا، فعن عمرو بنِ مرةَ الجهنِي رضي اللهُ عنه قال جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ يا رسولَ اللهِ أرأيتَ إنْ شهدتُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ وأنَّك رسولُ اللهِ وصليتْ الصلواتِ الخمس، وأديتُ الزكاةَ وصمتُ رمضانَ وقمتُهُ فمِمَّن أنَا قالَ مِن الصديقينَ والشهداءِ)، سبحانَ الملك، فرصةٌ ذهبيةٌ لتكونَ مِمَّن قالَ اللهُ في حقِّهِم: (وحسنُ أولئكَ رفيقًا)،

بل كفي برمضانَ شرفًا وفضلًا أنَّهُ يشفعُ للعبدِ يومَ القيامةِ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ( الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ الصِّيَامُ أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ وَيَقُولُ الْقُرْآنُ مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ قَالَ فَيُشَفَّعَانِ) رواه أحمد في مسندِه.

بل كفَي برمضانَ شرفًا وفضلًا أنَّه سببٌ مِن أسبابِ دخولِ جنةِ النعيمِ أسألُ اللهَ أنْ يجعلنِي وإياكُم مِن أهلِ النعيمِ، فعَنْ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ)، رواه مسلم. نعمْ.. كمْ مِن قلوبٍ تمنتْ.. ونفوسٍ حنتْ.. أنْ تبلغَ هذه الساعاتِ ..شهرٌ .. تتضاعفُ فيهِ الحسناتُ .. وتكفرُّ فيهِ السيئاتُ ..وتُقالُ فيهِ العثراتُ .. وتُرفعُ فيهِ الدرجاتُ ..تُفتحُ فيهِ الجنانُ .. وتُغلقُ فيهِ النيرانُ .. وتُصفدُ فيهِ الشياطينُ ..فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ) رواه البخاري.

بل كفي برمضانَ شرفًا وفضلًا أنَّهُ شهرُ العتقِ مِن النارِ لقولِ النبيِّ ﷺ: ( إِنَّ لِلَّهِ عُتَقَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ )، من النارِ. نعمْ ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ ﴾..فانتبهْ قبلَ فواتِ الأوانِ واغتنمْ هذه الفرصَ  والنفحات التي لا تعودُ لأنَّك لا تدرِي يا مسكينُ هل ستعيشُ إلى رمضانَ المقبلِ أم لا لأنَّك لا تدرِي إذا جنَّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجرِ.

شهرٌ يفوقُ على الشهورِ بليلةٍ *** مِن ألفِ شهرٍ فُضلتْ تفضـيلاً

طُوبَى لعبدٍ صحَّ فيهِ صيامُهُ *** ودعَا المهيمنَ بكرةً وأصيــلًا

وبليلةٍ قــدْ قامَ يختمُ وردَهُ *** متبتِّـــلاً لإلهــهِ تبتــيلاً

ثَانِيًا: مَرْحَبًا بِرَبِيعِ القُلُوبِ.

أيُّهَا السَّادَةُ: رَمَضَانُ شَهْرُ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَاتِ، أَقْبَلَ بِالْبُشْرِ وَالْخَيْرِ، عَمَّتْ أَنْوَارُهُ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ، وَمَلَئَتْ نَفَحَاتُهُ الْعَبِقَةُ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ، وَتَنَزَّلَتْ بِحُلُولِهِ الْبَرَكَاتُ، وَانْهَالَتْ لِمَقْدِمِهِ الرَّحْمَاتُ، فَمَرْحَبًا بِخَيْرِ الشُّهُورِ، مَرْحَبًا بِمَقْدِمِ الضَّيْفِ الْحَبِيبِ، كَنْزِ الْمُتَّقِينَ، وَفُرْصَةِ التَّائِبِينَ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

بَعْدَ أَيَّامٍ سَنَسْتَقْبِلُ شَهْرًا عَظِيمًا وَضَيْفًا كَرِيمًا، وَأَنْتُمْ كُنتُمْ قَدْ وَعَدْتُمْ أَنْفُسَكُمْ قَبْلَهُ أَعْوَامًا وَمَوَاسِمَ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ قَدْ سَوَّفَ وَقَصَّرَ، فَهَا هُوَ قَدْ مُدَّ لَهُ فِي أَجَلِهِ، وَنُسِئَ لَهُ فِي عُمْرِهِ، فَمَاذَا عَسَاهُ يَفْعَلُ؟ إِنَّ بُلُوغَ رَمَضَانَ نِعْمَةٌ كُبْرَى يُقَدِّرُهَا حَقَّ قَدْرِهَا الصَّالِحُونَ الْمُشَمِّرُونَ، إِنَّ وَاجِبَ الْأَحْيَاءِ اسْتِشْعَارُ هَذِهِ النِّعْمَةِ وَاغْتِنَامُ هَذِهِ الْفُرْصَةِ، إِنَّهَا إِنْ فَاتَتْ كَانَتْ حَسْرَةً مَا بَعْدَهَا حَسْرَةً، أَيَّ خُسَارَةٍ أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ الْمَرْءُ فِي مَنْ عَنَاهُمُ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَدِيثِهِ عَلَى مِنْبَرِهِ فِي مَسَائَلَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جِبْرِيلَ الْأَمِينِ؟ ((يَا مُحَمَّدُ، مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ، فَمَاتَ، فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأُدْخِلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِين، فَقُلْتُ: آمِين))؛ كَمْ فِي نُفُوسِنَا – يَا عِبَادَ الله – مِنْ شَهْوَةٍ وَهَوًى، وَفِي صُدُورِنَا مِنْ دَوَافِعَ غَضَبٍ وَانْتِقَامٍ، وَفِي الْحَيَاةِ مِنْ تَقَلُّبٍ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَفِي دُرُوبِ الْعُمُرِ مِنْ خُطُوبٍ وَمَشَاقَّ، وَلَا يُدَافَعُ ذَٰلِكَ كُلُّهُ، إِلَّا بِالصَّبْرِ وَالْمُصَابَرَةِ، وَلَا يَتَحَمَّلُ الْعَنَاءَ، إِلَّا بِصِدْقِ الْمَنْهَجِ وَحُسْنِ الْمُرَاقَبَةِ، وَمَا الصَّوْمُ إِلَّا تَرْوِيضٌ لِلْغَرَائِزِ، وَضَبْطٌ لِلنَّوَازِعِ!

فَيَا أَهْلَ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَكْرِمُوا هَذَا الْوَافِدَ الْعَظِيمَ، جَاهِدُوا النُّفُوسَ بِالطَّاعَاتِ، ابْذُلُوا الْفَضْلَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ فِي الْبِرِّ وَالصُّلَاتِ، اسْتَقْبِلُوهُ بِالتَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى اللهِ، جَدِّدُوا الْعَهْدَ مَعَ رَبِّكُمْ، وَشُدُّوا الْعَزْمَ عَلَى الْاسْتِقَامَةِ، فَكَمْ مِنْ مُؤَمِّلٍ بُلُوغَهُ أَصْبَحَ رَهِينَ الْقُبُورِ! قَالَ اللهُ جلَّ وعلا: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدَىً لِلنَّاسِ وَبَيّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقانِ }[البقرة: 185].

وَإِنَّ مِمَّا يَنْبَغِي فِي هَذِهِ الأَيَّامِ وَالْلَّيَالِي الْمُبَارَكَاتِ التَّزَوُّدَ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَالطَّاعَاتِ وَالْقُرَبَاتِ بِكُلِّ أَنْوَاعِهَا وَفِي مُقَدِّمِتِهَا الْفَرَائِضُ وَالْوَاجِبَاتُ مَعَ الْإِكْثَارِ مِنَ النَّوَافِلِ وَسَائِرِ الْحَسَنَاتِ وَالْقُرَبَاتِ، وَالْبُعدُ كُلُّ الْبُعْدِ عَنْ الْمَعَاصِي وَالْمُنْكَرَاتِ. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ( إِنَّ اللَّهَ قَالَ: وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ) . وعن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: ( إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ ، وَيُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ).

رَمَضَانُ – أَيُّهَا السَّادَةُ – شَهْرُ الْحُبِّ، وَالْوِئَامِ فَكُونُوا أَوْسَعَ صَدْرًا، وَأَنْدَى لِسَانًا، وَأَبْعَدَ عَنْ الْمُخَاصَمَةِ وَالشَّرِّ.. وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ أَهْلِيكُمْ زَلَّةً فِيهِ فَاحْتَمِلُوهَا، وَإِنْ وَجَدتُمْ فُرْجَةً فَسَدُّوهَا وَاصْبِرُوا عَلَيْهَا، وَإِنْ بَادَأَكُمْ أَحَدٌ بِالْخِصَامِ فَلَا تُقَابِلُوهُ بِمِثْلِهِ؛ بَلْ لِيَقُلْ أَحَدُكُمْ: إِنِّي صَائِمٌ. وَإِلَّا فَكَيْفَ يَرْجُو مَنْ يَمْقُتُ ذَٰلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَوَابُ الصَّائِمِينَ، وَهُوَ قَدْ صَامَ عَنْ الطَّعَامِ الْحَلَالِ، وَأَفْطَرَ عَلَى مَا سِوَىٰهُ مِنَ الْحَرَامِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ))؛ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَإِنَّ امْرَأَتَيْنِ صَامَتَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَكَادَتَا أَنْ تَمُوتَا مِنَ الْعَطَشِ، فَذَكَرَ ذَٰلِكَ لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَعْرَضَ ثُمَّ ذُكِرَتَا لَهُ فَدَعَاهُمَا، فَأَمَرَهُمَا أَنْ يَتَقَيَّأَ، فَقَاءَتَا مِلْءَ قَدَحٍ قَيْحًا وَصَدِيدًا وَلَحْمًا عَبِيطًا، فَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إِنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمَا، وَأَفْطَرَتَا عَلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا، جَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى فَجَعَلَتَا تَأْكُلَانِ لُحُومَ النَّاسِ))؛ رَوَاهُ أَحْمَدُ.

رَمَضَانُ يُرَبّيكَ عَلَى تَحْكِيمِ كَمَالِ الأَدَبِ فِي عَلاَقَتِكَ مَعَ الأُسْرَةِ وَالأَرْحَامِ وَالْجِيرَانِ وَالْمُجْتَمَعِ ،رَمَضَانُ يَشْتَدُّ فِي مُحَارَبَةِ الْآفَاتِ الَّتِي تُصِيبُ الْمُجْتَمَعَ وَلِهَذَا يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)قَالَ جَابِرٌ بْنُ عَبْدِ اللّٰهُ (رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمَا): (إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنْ الْكَذِبِ وَالْمَحَارِمِ وَادْعُ أَذًى الْجَارِ وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صَوْمِكَ).

عِبَادَ اللهِ: اغْتَنِمُوا نِعْمَةَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَهِيَ نَفْحَةٌ عَظِيمَةٌ وَرَبِّ الكَعْبَةِ، اغْتَنِمُوا نِعْمَةَ تَصْفِيدِ الشَّيَاطِينِ، نِعْمَةَ فَتْحِ أَبْوَابِ الجِنَانِ، وَإِغْلَاقِ أَبْوَابِ النِّيرَانِ، نِعْمَةَ مُضَاعَفَةِ الحَسَنَاتِ، كَمَا جَاءَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ الذي رواه ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ سَلْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جَعَلَ اللهُ صِيَامَهُ فَرِيضَةً، وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا، مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنَ الْخَيْرِ، كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً، كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ».

بَرَكَاتٌ في هَذَا الشَّهْرِ تَتَنَزَّلُ، فَهَلْ مِنْ رَاغِبٍ؟ رَحَمَاتٌ في هَذَا الشَّهْرِ تَتَنَزَّلُ، فَهَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ أَنْهَارٌ مِنَ الخَيْرَاتِ تَتَدَفَّقُ، فَهَلْ مِنْ مُشَمِّرٍ وَمُجْتَهِدٍ؟

أَمَا سَمِعْنَا قَوْلَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»؟ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ

أَمَا سَمِعْنَا قَوْلَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ .«مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»؟ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ

مَاذَا نُرِيدُ يَا عِبَادَ اللهِ؟ هَلْ هُنَاكَ فُرْصَةٌ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ الفُرْصَةِ؟ هَلْ هُنَاكَ عَرْضٌ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا العَرْضِ؟ الخَسَارَةُ كُلُّ الخَسَارَةِ، وَالغُبْنُ كُلُّ الغبْنِ أَنْ يُفَوِّتَ العَبْدُ هَذِهِ الفُرْصَةَ، وَيَحْرِمَ نَفْسَهُ هَذَا الخَيْرَ، وَاللهِ الذي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَا يَدْرِي أَحَدُنَا هَلْ يَجِدُ فُرْصَةً ثَانِيَةً مِثْلَ هَذِهِ الفُرْصَةِ، لِمَاذَا نُعْرِضُ وَنَحْنُ الفُقَرَاءُ المُحْتَاجُونَ؟ قَالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.

كَفَانَا إِعْرَاضًا عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.

تَــعَالَوا بِنَا نَصْطَلِحْ   ***   فَـبَابُ الرِّضَا قَدْ فُتِحْ

وَدَاوُوا الفُؤَادَ الذي   ***   بِسَيْفِ الجَفَا قَدْ جُرِحْ

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَاسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ وَبِسْمِ اللَّهِ وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ … وَبَعْدُ

 

  • ثَالِثًا وَأَخِيرًا: القَصْدَ القَصْدَ فِي الاِسْتِهْلاكِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: الكثيرُ من الناسِ يَقَعُ في خَطَأٍ فادحٍ في شَهرِ رَمَضانَ وهوَ الإسْرَافُ والتَّبْذِيرُ في المَأكَلِ والمَشرَبِ ظَنًّا منهُ أنَّ رَمَضانَ شَهْرُ الأَكْلِ والشُّرْبِ والحَلَوَى والعَصَائِرِ فَيَقَعُ في الإسْرَافِ المَمْنُوعِ والمُحَرَّمِ وَاللَّهُ جَلَّ وعَلا يَقُولُ في مُحكَمِ التَّنْزِيلِ ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31]، وقال عز وجل عن عباد الرحمن الذين عدَّد صفاتِهم: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67]، وقال جَلَّ وعَلا: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ [الإسراء: 29]، قَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((كُلوا واشرَبوا وتَصدَّقوا والْبَسوا، ما لم يخالِطْهُ إسرافٌ أو مَخيَلةٌ)) و قَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلغُوا))؛ وفي الحديث: ((إنَّ اللهَ يرضى لكم ثلاثًا ويسخَطُ ثلاثًا: يرضى لكم أنْ تعبُدوه ولا تُشرِكوا به شيئًا، وأنْ تعتصموا بحبلِ اللهِ جميعًا، وأنْ تُناصِحوا مَن ولَّاه اللهُ أمرَكم، ويسخَطُ لكم: قيل وقال، وإضاعةَ المالِ، وكثرةَ السُّؤالِ)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((ما ملأَ آدميٌّ وعاءً شرًّا مِن بطنٍ، بحسبِ ابنِ آدمَ أُكُلاتٌ يُقمنَ صُلبَهُ، فإن كانَ لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِهِ وثُلثٌ لشرابِهِ وثُلثٌ لنفَسِهِ)

فَمِنَ الأخطاءِ الكَبِيرَةِ: استِقبالُ بَعْضِ المُسلمينَ لِهَذا الشَّهْرِ الكَرِيمِ بالمُبالَغَةِ في شِراءِ الأطعِمَةِ والمَشروباتِ بِكَمِيَّاتٍ هائِلَةٍ بَدَلًا مِنَ الاستِعْدَادِ لِلطَّاعَةِ، والاقْتِصَادُ ومُشارَكَةُ الفُقَراءِ والمَسَاكِينِ والتَّوَسُّعُ المَلْفَتُ في المَآكِلِ والمَشارِبِ والتَّخَلُّصُ مِنَ الكَمِيَّاتِ الكَبِيرَةِ الفائِضَةِ بِإلقائِهَا في سَلَّةِ المُهْمَلَاتِ وَهَذا إسْرَافٌ مُحَرَّمٌ وَهَذا بِلَا شَكٍّ يُناقِضُ الحِكْمَةَ مِن مَشْرُوعِيَّةِ الصِّيَامِ أَصْلًا. ورَحِمَ اللهُ مَن قالَ: “إنَّكُم تَأكُلُونَ الأَرْطالَ، وتَشْرَبُونَ الأسْطالَ، وتَنامُونَ اللَّيْلَ وَلو طَالَ، وتَزْعَمُونَ أنَّكُم أَبطالٌ؟!”.

 فَالْمَقْصُودُ الاِعْتِدَالُ وَإلا فَنَحنُ لَا نَحْرِّمُ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لِعِبادِهِ. فَالْبِدارَ البِدارَ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ بَاغْتِنَامِ أَيَّامِ الرَّحْمَاتِ أَيَّامِ النَّفَحَاتِ أَيَّامِ الْعَتْقِ مِنَ النِّيرَانِ. نَسْأَلُ اللهَ العَظيمَ رَبَّ الْعَرْشِ العَظيمِ أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنَّا صِيَامَنا وَقِيَامَنا وَصَلاتَنا وَزَكاتَنا إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلكَ وَمَوْلاهُ…

وحَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الكَائِدِينَ، وَشَرِّ الفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ المَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ المُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ المُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الخَائِنِينَ.

كَتَبَهُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ رَبِّهِ

د/ مُحَمَّدٌ حِرْزٌ إِمَامٌ بِوِزَارَةِ الأَوْقَافِ