هلك المتنطّعون

بقلم الكاتب : محمد نجيب النبهان 

ليس التنطع لفظًا تراثيًا عابرًا ولا توصيفًا أخلاقيًا عامًا، بل هو بنية ذهنية متكاملة تتشكّل عند التقاء فهم حرفي منبتّ عن المقاصد، ونفسية قلقة تبحث عن يقين قاطع، وسلطة دينية ترى في التشدد معيار الاصطفاء. وحين تتجسد هذه البنية في مشروع دعوي أو عقدي، تتحول من انحراف فردي إلى خطر حضاري يهدد الدين والإنسان معًا. من هنا لا يمكن التعامل مع التنطع بوصفه مسألة لغوية أو سلوكية هامشية، بل بوصفه أحد أخطر المسارات التي ينحرف بها التدين عن جوهره، ويتحوّل فيها الدين من رسالة هداية إلى أداة إقصاء، ومن خطاب رحمة إلى منطق فرز وعداء.

أصل التنطع في اللغة مأخوذ من النِّطع، وهو أقصى الحلق، كما قرره أبو السعادات، في إشارة إلى التكلف والمبالغة في إخراج الكلام، ثم توسع الاستعمال ليشمل كل تعمق قولي أو فعلي يتجاوز حد الحاجة والمعقول. وهذه الدلالة ليست بريئة ولا محايدة، بل تكشف منذ البداية أن التنطع يبدأ شكليًا ثم يتسلل إلى المعنى، ثم يستقر في الموقف، فالمتقعر في مخارج الحروف ليس خطرًا بذاته، لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين تتحول المبالغة إلى قيمة، والتعقيد إلى فضيلة، والسهولة إلى تهمة، فيغدو الدين ساحة لإثبات التفوق لا طريقًا للهداية.

وجاء التحذير النبوي من التنطع حاسمًا ومؤسسًا، حين قال النبي ﷺ: «هلك المتنطعون»، وكررها ثلاثًا، وهو تكرار لا يخلو من دلالة منهجية، فالهلاك هنا ليس وعيدًا أخرويًا مجردًا، بل توصيف لمآل فكري وسلوكي واجتماعي، لأن التنطع يهلك صاحبه أولًا في فهمه، ثم يهلك غيره في تعامله. ويكتمل هذا التحذير بسلسلة من النصوص المؤسسة لهوية الشريعة، مثل قوله ﷺ: «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه»، وقوله: «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا»، وقوله: «ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا»، وهي نصوص لا تطرح اليسر بوصفه استثناءً أو رخصة، بل بوصفه الأصل الحاكم للتدين الصحيح.

وقد عمّق شراح الحديث هذا المعنى، فالخطابي ربط التنطع بالتكلف العقلي، وبالخوض فيما لا يعني الإنسان، وبالاشتغال بأسئلة لا تثمر عملًا ولا تزكي قلبًا، وهو ربط شديد الأهمية، لأن الفكر التكفيري لا يولد من المعاصي الظاهرة بقدر ما يولد من هذا الفضول العقدي غير المنضبط، الذي يبحث عن قضايا كبرى في مسائل صغرى، ويحوّل الظني إلى قطعي، والخلافي إلى مصيري. أما المناوي في فيض القدير، فقد كشف البعد النفسي الأخطر للتنطع، حين ربطه بالغلو المؤدي إلى الوسوسة، والوسوسة التي تفضي إلى القسوة، والقسوة التي تبحث دائمًا عن ضحايا، فيتحول “الحرص على الدين” إلى عبء نفسي وسلوك عدواني. ويجمع أبو السعادات هذه الأبعاد كلها حين يقرر أن التنطع هو التعمق في كل قول أو فعل بما يجاوز حد الشريعة والعقل والمصلحة.

غير أن أخطر مراحل التنطع لا تبدأ حين يكون سلوكًا فرديًا، بل حين يتحول إلى مذهب، وإلى عقلية جمعية، وإلى معيار للحكم على الناس، وعند هذه النقطة بالذات تظهر الوهابية التكفيرية بوصفها التجسيد المعاصر الأوضح لهذه البنية التنطعية. فالخطأ الفادح هو اختزال الوهابية التكفيرية في مجرد خلاف عقدي، إذ نحن أمام عقلية متكاملة تقوم على تضييق ما وسعه الله، وتحميل النصوص ما لا تحتمل، وتحويل مسائل اجتهادية خلافية دارت حولها الأمة قرونًا إلى قضايا توحيد وشرك، وإلى خطوط فاصلة بين الإيمان والكفر. فزيارة القبور، والتوسل، والاستغاثة، والاحتفال بالمولد، وألفاظ الدعاء، كلها مسائل عالجها الفقه الإسلامي بسعة وتعدد، فإذا بها في المنطق الوهابي التكفيري تتحول إلى “شرك أكبر” يخرج صاحبه من الملة، وهذا هو التنطع في أنقى صوره: بناء أحكام كبرى على جزئيات ظنية، وتجريم تاريخ الأمة باسم تصحيح العقيدة.

ويتجلى التنطع الوهابي أيضًا في التوسع المرضي في مفهوم الشرك، فالشرك في القرآن مفهوم دقيق مرتبط بتأليه غير الله وصرف العبادة له، أما في الخطاب التكفيري فقد أصبح الشرك لفظًا محتملًا، ونية مفترضة، وسلوكًا مؤولًا، في تعارض صريح مع السنة النبوية التي قررت أن الخطأ في اللفظ لا يساوي الكفر، وأن النيات لا تُفتّش، وأن النبي ﷺ أنكر على من استعجل الحكم على الناس وقال: «أفلا شققت عن قلبه؟».

كما أن هذا الفكر يقوم على إقصاء المقاصد لصالح الحرف، فيُفصل الحكم عن علته، والنص عن سياقه، والفتوى عن مآلاتها، وهو ما حذّر منه الإمام الشاطبي بوضوح حين قرر أن إهمال المقاصد يؤدي إلى نقض الشريعة من داخلها، وأن من تمسك بالجزئيات وأهمل الكليات فهو مبتدع وإن ظن نفسه متبعًا. ومن هنا يصبح استسهال التكفير نتيجة طبيعية لا عرضًا جانبيًا، لأن من يرى نفسه وحده على الحق، ويرى المخالف مبتدعًا، ثم ضالًا، فلن يتأخر كثيرًا قبل أن يراه كافرًا، ولهذا لم يكن غريبًا أن تكون الوهابية التكفيرية الحاضنة الفكرية لكل الحركات الجهادية المعاصرة، من حيث المنهج الذهني وإن اختلفت الأطر التنظيمية.

والمفارقة الكبرى أن هذا الفكر يزعم الانتساب إلى السلف، بينما يخالفهم في جوهر منهجهم، فالسلف كانوا أوسع صدرًا، وأشد احترازًا في التكفير، وأكثر تفريقًا بين الخطأ والضلال والكفر، وكانوا يعذرون بالجهل والتأويل، ويضيقون دائرة الإخراج من الإسلام. وقد نُقل عن الإمام أحمد قوله: “لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب”، وعن ابن تيمية نفسه قوله إن التكفير حكم شرعي مرده إلى الله ورسوله، وليس لأحد أن يكفر من شاء، لكن العقلية التنطعية لا تتعامل مع التراث بوصفه منظومة، بل بوصفه مخزن اقتباسات انتقائية تخدم بنيتها النفسية.

وخلاصة القول أن التنطع ليس زيادة في التدين، بل انحراف في جوهره، وهو أخطر من التفريط؛ لأن التفريط يُعرف ويُقاوَم، أما التنطع فيتخفى في ثوب الغيرة، ويتكلم باسم التوحيد، ويدّعي احتكار السنة. والوهابية التكفيرية ليست إلا الصيغة المؤدلجة لهذا التنطع: دين بلا رحمة، وتوحيد بلا إنسان، ونصوص بلا مقاصد، وشريعة بلا حكمة. ومن هنا فإن مواجهة هذا الفكر لا تكون بالشعارات ولا بالخصومة الانفعالية، بل بإعادة الاعتبار لمنهج النبوة الذي جاء ليزكي لا ليقصي، ويهدي لا ليصنف، ويجمع لا ليفجر، ويجعل من الدين رحمة للعالمين لا سيفًا مسلطًا على رقابهم.