الاستصحاب عند الأصوليين (25)
1 فبراير، 2026
منبر الدعاة

بقلم فضيلة الشيخ : أبو بكر الجندى
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف
الاستصحاب لغه هو: طلب المصاحبة واستمرارها، واصطلاحاً هو: استدامة إثبات ما كان ثابتاً أو نفي ما كان منفياً، وهو بقاء الأمر على ما كان عليه ما لم يوجد ما يغيره.
أنواع الاستصحاب:
1ـ استصحاب الإباحة الأصلية للأشياء؛ لأن الإباحة هي الحكم الأصلي لموجودات الكون، إنما يحرم ما يحرم منها بدليل من الشارع لمضرتها؛ لقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ}[الجاثية: 13]، قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}[البقرة: 29]، ولا يتم الامتنان ولا يكون التسخير إلا إذا كان الانتفاع بهذه المخلوقات مباحاً، وأما الأشياء الضارة فالأصل فيها التحريم لحديث: “لا ضرر ولا ضرار”.
2ـ استصحاب البراءة الأصلية، فَذِمة الإنسان غير مشغولة بحق ما إلا إذا قام الدليل على ذلك، فمن ادعى لآخر حقاً فعليه الإثبات؛ لأن الأصل في المدعي عليه البراءة مما ادُعي به، فإذا ادعى المضارب عدم الربح فالقول قوله لأن الأصل عدم الربح فيستصحب هذا العدم إلا إذا ثبت خلافه.
3ـ استصحاب الوصف الثابت للحكم الشرعي حتى يقوم الدليل على خلافه، فمن ثبتت ملكيته لعقار أو منقول، تبقى هذه الملكية ونحكم بها إلا إذا قام الدليل على زوالها ببيع أو وقف أو وهبه، وثبوت الحل بين الزوجين بسبب عقد النكاح يبقى قائمًا حتى يوجد الدليل على حصول الفرقة.
الاختلاف في حجية الاستصحاب:
القول الأول: الاستصحاب حجة عند الحنفية ومن وافقهم؛ لبقاء ما كان على ما كان، ودفع ما يخالفه، وهذا هو معنى قولهم: الاستصحاب حجة في الدفع لا في الإثبات. مثال المفقود عندهم: حي استصحابًا لحياته، فيأخذ حكم الأحياء بالنسبة لأمواله وحقوقه القائمة وقت فقده، ولكن حياته هذه لا تصلح لاكتساب حق جديد، فلا يرث من مورِّثه إذا مات قبله، بمعنى أنه لا يستحق المطالبة بتسليم نصيبه من الميراث، وإنما يوقف هذا النصيب إلى أن تتبين حالته، فإما أن يظهر أنه حي فيستحق نصيبه الموقوف، وإما أن يثبت وفاته بحكم القاضي فيقسم نصيبه بين ورثة مورِّثه الذين كانوا أحياء في ذلك الوقت.
القول الثاني: قال الحنابلة والشافعية الاستصحاب حجة للدفع والإثبات معاً، فالمفقود عند هؤلاء ثبت له حكم الأحياء تمامًا، فلا تزول عنه أمواله ولا تَبين منه زوجته، ويستحق نصيبه من الميراث إذا مات مورِّثه قبلهم.
هل الاستصحاب يثبت حكمًا جديدًا؟ الاستصحاب في الحقيقة لا يثبت حكمًا جديدًا، ولكن يستمر به الحكم السابق الثابت بدليله المعتبر، فهو إذن ليس دليلاً في ذاته دليلا فقهيا ولا مصدرا تستقي منه الأحكام، وإنما هو قرينه فقط على بقاء الحكم السابق الذي أثبته دليله، ولا يُصار إلى الاستصحاب إلا عند عدم وجود دليل خاص في حكم المسألة، بأن يبحث الفقيه ويبذل غاية جهده في التحري عن الدليل فلا يجده، فيرجع إلى الاستصحاب.
ملخص من كتاب الوجيز في أصول الفقه د/ عبد الكريم زيدان