ليلة النصف من شعبان…وتحويل القبلة
1 فبراير، 2026
منبر الدعاة

بقلم أ : تهاني عناني
كاتبة – واعظة بوزارة الأوقاف
قال تعالى(سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)(البقرة 142).
القِبلة هي الجهة التي يتجه إليها المسلمون في صلاتهم. وتحويل القبلة من أهم الأحداث في تاريخ الإسلام والمسلمين.
الرسول صلوات الله عليه عندما فرض الله عز وجل عليه الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج أمره أن تكون القبله في إتجاه المسجد الأقصى فكان النبي صلى الله عليه وسلم في مكة يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس فيصلي كما جاء في حديث ابن عباس (كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يُصلِّي وهو بمكةَ نَحْوَ بيتِ المقدسِ والكعبةُ بينَ يدَيهِ).
ثم أذن الله للمسلمون بالهجرة إلى المدينة فأمره الله أن يستقبل المسجد الأقصى، ولكن النبي لم ينس حبه للكعبة ويحزنه ألا يستطيع إستقبال القبلتين معا كما كان يفعل في مكة.
فكان يخرج في جوف الليل ينظر إلى السماء يدعو الله وينتظر في ذلك أمراً، ويصف القرآن الكريم حاله عليه الصلاة والسلام بقوله (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) (البقرة 144).
وبعد مرور ستة عشر شهراً من إستقبال المسجد الأقصى نزل جبريل عليه السلام بالوحي إلى النبي بقوله تعالى (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (البقرة 144).
وكرر الله الأمر بها ثلاث مرات تأكيداً وتقريراً.
الأولى: في قوله تعالى (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (البقرة 144).
والثانية: في قوله تعالى (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة 149).
والثالثة: في قوله تعالى (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) (البقرة 150).
● ومن الدروس والعبر التي لابد أن نقف عليها في حادث تغيير القبلة:-
1- إبراز مكانة النبي صلى الله عليه وسلم وعلو شأنه ومنزلته عند الله عز وجل بتحقيق رجائه ومراده في قوله تعالى(فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) وقوله(وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ).
2-إختبار ثبات المؤمنين على دين الإسلام وردود أفعالهم تجاه تغيير القبلة، فالمؤمنون لم يترددوا لحظة عن التحول طاعة لله ورسوله فامتدحهم الله وبيّن لهم أن هذا كان اختباراً وامتحاناً لهم في قوله تعالى (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) (البقرة 143)
وعن عبدالله بن عمر (بيْنَما النَّاسُ في صَلَاةِ الصُّبْحِ بقُبَاءٍ، إذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقالَ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ أُنْزِلَ عليه اللَّيْلَةَ، وقدْ أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا، وكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إلى الشَّأْمِ، فَاسْتَدَارُوا إلى القِبْلَةِ) (صحيح البخاري)
2- عندما كثر تعيير اليهود للنبي و للمسلمين بسبب إستقبال المسلمين لقبلة اليهود يقولون له أنت تابع لنا تصلي إلى قبلتنا واغتم الرسول من ذلك غماً شديداً، حكى القرآن تشكيك اليهود والمنافقين في أمر تحويل القبلة وحذر الله المسلمين وأخبرهم بموقف اليهود قبل وقوعه فقال (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) (البقرة 142).
فكان هذا تثبيت وتصديق للرسول عليه الصلاة والسلام بأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
3- أهم درس وهو التكافل والترابط الإجتماعي بين المسلمين وإخوانهم الذين ماتوا وهم يصلون في إتجاه المسجد الأقصى، وخافوا من حبوط أعمالهم فقالوا يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (البقرة 143).
4- استطاع المؤمنون أن يجتازوا هذا الإمتحان الإلهي و نالوا شهادة الله(وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(البقرة 143).
5- أن المكان يعظم باختيار الله سبحانه وتعالى له، فالمسجد الأقصى عظمه الله بأن جعله أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وعن ميمونة مولاة رسول الله قالت قلت: (يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس؟ قال: أرض المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه فإن الصلاة فيه كألف صلاة في غيره)
كما عظم الكعبة والمسجد الحرام فأنزل فيهم آيات بينات، قال تعالى (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) (آل عمران 96:97) وأضاف البيت إلى نفسِه الشريفة بقوله (وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ) (الحج 26).
بالإضافة إلى أنه قبلة المسلمين إلى يوم القيامة والصلاة فيه بمائة ألف صلاة.
وهذا ما فطن إليه سيدنا عمر بن الخطاب عندما قبل الحجر الأسود قال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.
فإنما تعظم الأمور بما عظمها الله تعالى.
6- هذا الحدث له دلالة خاصة في الإنتماء للوطن من خلال تقليب النبي صلوات الله عليه وجهه في السماء داعيا ربه أن تكون قبلته إلى بيت الله الحرام، وهذا درس عظيم في حب الوطن والإعلاء من قيمة المقدسات التي يحويها وجميع منشآته والحفاظ عليها والدفاع عنها.