استخدام الرمم في تكثير الجراثيم..إبستين
11 فبراير، 2026
قضايا التصوف

بقلم فضيلة الشيخ : يوسف محمد السعداوى
من علماء الأزهر والأوقاف
لم تكن جزيرة إبستين إلا بيئةً قذرةً لإنتاج فيروسات إنسانية تفتك بالمجتمع الإنساني بأسره.
في معلومات العلوم البيولوجية لا بد من توافر بيئة قذرة لتوليد الفيروسات والجراثيم الفتاكة.
كان لهذه المعلومة العلمية دور في توجه الشيطان نحو اصطناع جراثيم إنسانية من البشر، وكيفية تكثير هذه الجراثيم في بيئة قذرة ملؤها المجون والفسق والانخراط في الشهوات.
لا تعجب أنهم يفتكون بالإنسانية، لأن هذا هو عمل الجراثيم.
وفي معلومات العلوم البيولوجية أيضًا أن الجراثيم تُقاوَم بالنظافة وتطهير البيئة وتجميلها، حتى لا تنتشر الجراثيم وتفتك بالمخلوقات.
ومن معلومات الدين التي تكافح انتشار الجراثيم:
(الطهور شطر الإيمان)
التحليل
لم يكن الشيطان إلا عدوًا حاقدًا للإنسان، يبحث له عن المصائب ليؤرق عليه عيشه، وينغص عليه حياته، ويضله عن طريق الخالق سبحانه وتعالى، فيعيش حياةً تعيسةً في الدنيا، وتنتهي تعاستهم في الدنيا إلى شقاءٍ أعظم في عذابٍ أليم في الآخرة.
وفي بحثه عن سبيل للوصول بالإنسان إلى دونيةٍ أعظم من الحيوانات، وأفتك من الوحوش، وأشرس من الجراثيم، وأجرم من الشياطين، وصل إلى سبيلٍ يحملها كل مخلوقٍ بداخله.
إنها الشهوات المكبوتة التي يثيرها ويؤججها، فتنهض معه بها الناس، ويسيرون خلفه إلى الجحيم.
هناك، من أول وهلة، وفي بداية قصته مع آدم عليه السلام، أشار الله إلى ذلك في سورة الأعراف عندما قال سبحانه:
(فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا، وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ)
كان التكليف لآدم أن لا يأكل من شجرةٍ واحدةٍ في الجنة، وما دام لم يأكل منها فهو في نعيم الجنة.
ولكن هيهات.
معه حواء، تلك الأنثى التي لم تكن إلا مجرد ونسٍ لآدم، ولم يفطن بعد إلى ما تحمله نفسه من شهوةٍ لها.
يعيشان كالملكين، يأكلان من ثمار الجنة، ويتنعمون فيها.
فكيف سيوقعهم هذا اللعين في شراكه، وينتقم من آدم الذي تسبب في لعنته ومسخه شيطانًا رجيمًا؟
إبليس سبق آدم في العيش ألفي عام على الأرض، وكان من الجن، كما ورد في سورة الكهف:
(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ، كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ، بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا)
عاش ويعلم تركيبة الخلق الذين يعيشون على الأرض؛ إنهم خُلقوا من مادة، والمادة لها حسٌّ ومتعة، وتصطلي بداخلها شهوة.
وآدم في حقيقة الأمر خُلق ليعيش على الأرض خليفةً لخلقٍ سبقوه وأفسدوا فيها من الجن والبن، ودائمًا أبدًا الفساد أساسه الشهوات.
فتحرك اللعين نحو غريزة آدم، يحركها.
الله تعالى يقول: (إني جاعل في الأرض خليفة)
ومعنى ذلك أنه سيموت ويخلفه خلفه جيلًا بعد جيل.
فحرك اللعين شهوة الخلود بداخل آدم:
(وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ)
وهو يعلم أن آدم سيفيق من غفوته ويعلم أنه لا خلود، فقد أطلعه الله على حقيقة أمره، لكنه يضمر لآدم ما هو أسوأ.
ينظر إلى سوأته وسوأة زوجه، وهو يعلم أن بمجرد أن يأكل آدم من الشجرة ستتكشف عنه سوآته ويتجرد منها:
(فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ، فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ، وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ)
حدث المراد، وانكشفت السوأة، وتفتقت الشهوة، فهيا إلى الأرض؛ لأنها موطن الخلافة ومقصد العمارة.
ولكن… كانت أول جريمة فساد في الأرض سببها عين الشهوة، عندما قتل قابيل أخاه هابيل ليفوز بزوجته ويقضي معها.
إنها رسالة الخطورة لما هو مكنون من شهوة الجنس داخل الناس.
هناك المراد الإلهي الذي يراه لهذه الخلافة من آدم، والذي يرضى به سبحانه وتعالى:
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)
فوضع شريعة لآدم يربي عليها أولاده، ويتوارثونها جيلًا بعد جيل، وقنن لهم نزع شهواتهم ووضعها في ميزان الشرع، على أنها سلاحٌ خطير في يد الشيطان يفتك بهم من خلالها، فجعل في شريعته حدودًا لها.
هذه الحدود هي حيازة الخلق في حظيرة حدود الله، لا يتعدونها ولا يقربونها، ومن يقربها أو يتعداها يقف له المجتمع وقفة صيانةٍ لنفسه من مفاسده، فيأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر؛ لأن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تطهير البيئة والمجتمع من جراثيم الشيطان، أن تكثر وينقلب المجتمع من مجتمع رباني نوراني إلى مجتمع شيطاني مجرم قاسٍ يفتك ببعضه.
(ثم أرسلنا رسلنا تترى)
وقبل أن ينتهي الزمان، وبعد مروره على أممٍ منها من سلك مسالك الشيطان وكذبوا بآيات الله، ومنهم من عاد إلى رشده والتزم حدود ربه، إلا أن أممًا من بني الإنسان اتخذوا عدوهم وليًا، وهم يظنون أنهم بولايته يأمنون شره، ولكنه يعلم أن ولايتهم له هلاكهم في الدنيا بغضب الله، وفي الآخرة بعذابٍ مخزٍ.
أمم تعاقبت حتى جاءت أمة حملها الله تعالى طهارة الدنيا بأسرها من جراثيم الشيطان، والوقوف في وجه أوليائه، لهدفٍ سامٍ ونبيل، هو رد الناس إلى الرحمة والتراحم وولاية الخالق سبحانه.
فسماهم الله تعالى خير أمة أخرجت للناس بأمرٍ واحد، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوقوف في وجه من بغى وتجبر من الأمم، فقال:
(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ، مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)
لأن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طهارة الإنسانية وصيانتها من الدنس، وفيه أيضًا بقاؤها وحفظها من الهلاك.
فهل تنهض أمة كلفها الله تكليفًا شاقًا، وجعل على عاتقها حملًا ثقيلًا، وهو رد الإنسانية إلى رشدها؟
أم أن الكل سواء اليوم، وذهبت الخيرية، واندفع الكل خلف تقاسم الدنيا وجلب المنافع، ونسوا أمر الله إليهم؟
إن طهارة الإنسانية ومجتمعاتها من الجراثيم الفتاكة، آلاتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد الظالم، كما قال المصطفى ﷺ:
(لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطْرًا، أو ليعمنكم الله بعقابٍ من عنده)
لقد سلك الشيطان وأذنابه مسلكه إلى أمة الإسلام يوم أن أخرج منهم قرونًا، فلهت الأمة بالفروع، وقطعت أوصالها، وهدمت بلدانها، ونُزعت فيها نزعات الجاهلية الأولى بالعصبية المنتنة، وملأ القلوب بالأضغان والأحقاد، حتى صيرها طوائف وفرقًا، وصار كل حزبٍ بما لديهم فرحون.
فهل من فواقٍ من هذه السكرة، والخروج من تلك الحفرة التي أضرم الشيطان فيها ناره لتحرق آخر بقية لمدد السماء إلى الأرض في خير أمة أخرجت للناس؟
إن العصبيات صناعة الشيطان لا جدال، والتنطع في الدين عمل الجهال، ورفع للسفهاء فوق رؤوس العلماء، فيتسارع الزمان إلى ميقات اتخاذ الناس رؤوسًا جهالًا يُستفتون.
وما أظننا اليوم ببعيدٍ من هذا الزمان، والحال لا يخفى على كثير، في زمن الرويبضة والنت والسوشيال ميديا، والتي هي أقوى سلاحٍ لأتباع الشيطان للتفريق بين المسلمين، ونزغ العداوة والبغضاء والتنابذ والأحقاد بينهم.
فهل نستفيق ونترك الجدل، ونعود إلى أمانتنا فنحملها قبل أن تُسأل علينا أمة سماها الله خير أمة أخرجت للناس؟
يا ليت العقلاء وأهل الرشد يصغون إلى النداء.
ربنا اجمع شملنا، ووحد صفنا، وردنا إلى صحيح دينك، الذي جمعت به قبائل متفرقة ومجتمعات متناحرة، فصاروا به خير أمة أخرجت للناس.
اللهم آمين يا رب العالمين.