الوحي فقط يحسم الأمر

بقلم الكاتب والباحث الكتور عبد الكريم فتاح أمين 

ينبغي على الإنسان العاقل وقت إثبات حكم أن يرجع إلى الوحي المنزل بكتاب سماوي وسنة من نزل عليه الوحي مثل حضرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم – ولم يحسب نفسه وغيره حاكما مطلقا إذا أراد إصابة الهدف بطريق يقيني وعلمي لا التخميني والتحكمي ولم يقع في خطأ فاضح.

كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36) يونس.

وبالبداهة فالإنسان عموماً يعيش في عمي وضلالة وخسران قبل المعايشة مع شريعة الله تعالى وأمره ونهيه، وقاطبة لا يميز بين الحق والباطل وبين العدل والظلم والاستبداد، وبين الخطأ والصواب، وبين الواجب والفرض، والحلال والحرام كما قال سبحانه: ﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)

وفي السورة التي نحن بصدد ذكرها يحدد الله تعالى الشريحة الناجية والفاىزة : ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)

فالذين يحكمون على مصير الأشياء بطريقة اعتباطية سماهم الله تعالى راجمين بالغيب ( رَجْمًا بِالْغَيْبِ) قد سمع الناس آنذاك أن جماعة موصوفة بأصحاب الكهف في عصر كذا و آمنوا بوجود واقعة تلك الحادثة البتة ولكن اختلفوا في عددهم، فبعض يقول: ثلاثة، وبعض يقول: خمسة ، وبعض يقول: سبعة، كل هذه الأعداد التي ذكروها أوتار ، ولكن الله تعالى وصف هذا الحكم  رَجْمًا بِالْغَيْبِ ولكن التوصيف بهذا الوصف جاء بعد عددي ثلاثة وخمسة، ولهذا نقول: من منطلق بعض الاجلاء فالرقم السبعي أقرب إلى الصواب بنسبة غيره، لهذا الذي أشرنا إليه ولأنه تعالى قد وقف على ذلك العدد ولم يتجاوز وإليك الآية: 

﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا (22) الكهف. 

وفي نهاية المقال أقول: إن الذين يكتالون المسائل والقضايا بمكيال عقولهم النكيلة سيحاسبون في دار الآخرة كما يقول الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم:  من أفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه

وفي رواية أخرى يقول صلى الله عليه وسلم- يرشدنا إلى تحذير خطير ينبغي علينا الابتعاد عنه بكل أشكال، ألا وهو من فعل شيئا حراما ذا ذنب كبير بفتوى الجاهلين يفتون بغير علم واطلاع شرعي.

فالمسألة هنا ذات صفحتين:

الأولى: فالمتورط يقع على عاتقه الذنب البتة ولا يكون معذورا باتا، لأن الله تعالى قد ارشدنا في كتابه إلى التفقد في حقيقة المسائل ، وأوجب علينا إلى أخذ حقيقة الاشياء من أهلها : 

( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) النحل.

أجل يدخلون النار البتة ولا راد لدخول المبتلى والمتورط ولا يقبل عنهم الاعتذار كما قال سبحانه: 

﴿ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) الأحزاب.

والمخذولون يعلمون آنذاك كيد الكائدين المضلين وما فعلوا بهم من التضليل والدجل، ولهذا يدعون عليهم بالعذاب والهلاك والدمار:

﴿ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) الأحزاب.

الثانية: إن المضلين علاوة على حمل إثم الفتوى بغير علم يعذبون بذنب آخر وهو دفع الناس إلى ارتكاب المعاصي والجرائم كما يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: من أفتي بفتيا غير ثبت، فإنما إثمه على من أفتاه.

فضلاً عن ذلك وصفهم الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك الحديث الذي يأتي برمي الكلام بغير غاية، وهذا يشبه بمن يرمي سهامه صوب الظلام لا يعلم من يصيب: إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قيلَ وَقالَ، وإضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ.

وصلى الله على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه غر الميامين وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين.