تحويل القبلة دروس وعبر


بقلم : الشيخ رمضان محمد 

قال الله تعالى: «قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ» (البقرة ١٤٤).

أحبتي في الله، نعلم أن تحويل القبلة من الأحداث العظيمة التي مرت بالأمة الإسلامية على وجه العموم وبالنبي صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص. ومن الدروس المستفادة من تحويل القبلة:

أولاً: معرفة مكانة النبي صلى الله عليه وسلم، تلك المكانة العالية والسامية التي أوضحها الله تعالى في قوله: «فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا». فوالله إن الأمر يحتاج إلى وقفة مع النفس، حيث أن الإنسان منا يجهد جاهدًا كي يرضي ربه، أما هنا فإن رب العالمين يرضي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يعلم يقينًا مدى تعلق النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وببيت الله الحرام.

ومع ذلك صرفه إلى المسجد الأقصى ليعلم الناس جميعًا أن لهم قبلة ثانية هو مسرى رسولهم الكريم صلى الله عليه وسلم ولقد أخبرنا وأوضحها القرآن الكريم: «وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ».

حول الله تعالى القبلة إلى المسجد الأقصى مع علمه جل جلاله بتعلق رسولنا الكريم بالكعبة لهدف سامٍ من المولى عز وجل، وبعد ذلك يرضيه «فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا». وهنا نعلم أحبتي في الله أن الباب الذي لا تريده ولكن الله أراده لك له معنى عظيم، ولكن افعل أولاً وسترى الخير تباعًا.

ثانيًا: الامتثال التام لأمر الله تعالى.. امتثال رسول الله صلى الله عليه وسلم وامتثال الصحابة بلا معرفة الأسباب.. أفضل طاعة هي الامتثال بلا سؤال. فإذا وضح السبب فالحمد لله أولاً وآخرًا، وإن لم يتضح السبب فما علينا إلا حسن السمع وعظيم الطاعة. فلا مجال للعقل فيما لا عقل له فيه، فما بين أيدينا من أعمال وجولات هي جولات دنيوية ولكن فيما أمرنا به رب العالمين فما علينا إلا السمع والطاعة.

العقل له دوره وله مكانته، وهو هبة من الله تعالى للجنس البشري، وكثيرًا ما مدح الله تعالى في القرآن الكريم أولي الألباب. ولكن في حدود العقل وفي حدود ما يعقل، ولو تفكرنا جيدًا في إعمال العقل لوجدنا أنفسنا مقصرين كل التقصير في إعمال العقل ودوره. هناك أمور تحتاج إلى إعمال للعقل، وللأسف الكثير من الناس همهم الانشغال ولا يفكرون في ضبط جهة التفكير.

أما فيما أمرنا به وفيما نهينا عنه فلا يصح إعمال العقل. قال رب العالمين في سورة الأحزاب: «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ». قال أهل العلم: “هذه الآية من أدركها فقد حاز نصف العلم”، حقيقة السمع والطاعة.

هذا ما حدث حرفيًا في تحويل القبلة؛ أولاً وثانيًا فكان المسلمون يصلون تجاه الكعبة أولاً فجاء الأمر بالتحول إلى بيت المقدس. فما سألوا عن السبب، وتحولوا إلى الكعبة مرة ثانية فما سألوا عن السبب.. ذلك هو الإيمان الحق.

ولله در القائل: عِلْمُ العَليمِ وَعَقْلُ العاقِلِ اخْتَلَفَا * مَنْ ذا الَّذي مِنْهُما قَدْ أحْرَزَ الشَّرَفَا العِلْمُ قالَ أَنا أدْرَكْتُ غايَتَهُ * وَالعَقْلُ قالَ أَنا بالرَّحْمَنِ قَدْ عُرِفَا فَأَفْصَحَ العِلْمُ إفْصاحًا وَقالَ لَهُ * بِأَيِّنا الرَّحْمَنُ في قُرْآنِهِ اتَّصَفَا فَأَدْرَكَ العَقْلُ أَنَّ العِلْمَ سَيِّدُهُ * فَقَبَّلَ العَقْلُ رَأْسَ العِلْمِ وَانْصَرَفَا

جعلنا الله وإياكم من الممتثلين لأوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ثالثًا: صدق القلوب بغير الله تعالى: سر العلم بغير الله هو الهدم القوي. فكلما كان العلم بغير الله يورث الكبر ويورث الحقد، كان هدمًا لا بناءً. أراد الله أن يعرف القلوب من الصادق ومن غيره، فكان الاختبار في التوجه إلى القبلة، ليعلم الله من يتبع الرسول ومن ينقلب على عقبيه. فكان الاختبار للصفاء والنقاء، وليعلموا أن الصلاة لله في أي اتجاه وجهتم وجوهكم. قال تعالى: «فأينما تولوا فثم وجه الله».

فلا بد يا أحباب من صدق القلوب مع الله. هل ما صرفت القلوب بغير الله؟ هل ما صرف العلم بغير الله؟ من أراد الدنيا بالعلم فما له في الآخرة من نصيب. هذا ما صرفت القلوب بغير العلم ببيت الله، وما ينبغي أن نكون عليه هو التسليم بالأوامر الإلهية.