كيف نجني ثمار رمضان؟


بقلم الدكتور : اسلام عوض مدير تحرير بجريدة الأهرام

يمثل شهر شعبان في الوجدان الإسلامي والمنهج التربوي النبوي محطةً إيمانيةً فارقةً، فهو ليس مجرد شهرٍ يسبق رمضان زمنيًا، بل هو المختبر الروحي والبدني الذي تتحدد فيه ملامح النجاح في استثمار الشهر الكريم.

إن الحكمة من تمييز هذا الشهر بكونه شهر “ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين” تفرض على المسلم استشعار عظمة المسئولية تجاه خاتمة صحيفته السنوية، مما يستوجب تأهبًا يجمع بين صدق النية ودقة التخطيط.

فمن أراد أن يقطف ثمار رمضان يانعةً دون أن يثقله التعب أو فجائية التغيير في العادات اليومية، فعليه أن يجعل من شعبان ميدانًا للتدريب المكثف، حيث يبدأ الجسد في التأقلم مع ساعات الصيام الطويلة من خلال الإكثار من الصيام في شعبان اقتداءً بنبينا الكريم (صلى الله عليه وسلم)، فقال أسامة بن زيد: (قلتُ: يا رسولَ اللهِ، لم أرَك تصومُ من شهرٍ من الشُّهورِ ما تصومُ شعبانَ، قال: ذاك شهرٌ يغفَلُ النَّاسُ عنه بين رجب ورمضانَ، وهو شهرٌ تُرفعُ فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، وأُحِبُّ أن يُرفعَ عملي وأنا صائمٌ).

فالصوم في شعبان يكسر حدة المشقة البدنية في رمضان، ويجعل الامتناع عن الطعام والشراب عادةً مألوفةً لا صدمةً مفاجئةً لأجهزة الجسم، مما يعزز القدرة على التركيز في جوهر العبادة بدلاً من الانشغال بآلام الجوع أو الصداع الناتج عن تغيير مواعيد الوجبات.

ولا يقتصر الاستعداد على الجانب البدني فحسب، بل يمتد ليشمل تهيئة الروح عبر التدرج في قيام الليل وقراءة القرآن؛ فالمحروم من اعتاد الهجر طوال العام، ثم أراد القيام بساعةٍ كاملةٍ في أول ليلةٍ من رمضان، ولذلك كان السلف يطلقون على شعبان “شهر القراء”، حيث تتآلف القلوب مع آيات الكتاب الحكيم، وتعتاد الأقدام الوقوف بين يدي الله عز وجل.

إن هذا التدريب المسبق يضمن للمسلم دخول رمضان بحالةٍ من السيولة الإيمانية، فيشرع في التراويح والتهجد بنشاطٍ ملموسٍ وهمةٍ عاليةٍ، بعيدًا عن الشعور بالخمول أو الإرهاق الذي يداهم غير المستعدين في الأيام الأولى، فالمجاهدة الحقيقية تبدأ بتعويد النفس على طول السجود وكثرة الذكر في سكون الليل، حتى إذا جاء رمضان وجد العبد نفسه في ذروة الاشتياق والقدرة على المواصلة دون فتور.

إن استغلال شعبان في تطهير النفس من الشواغل وتوطينها على الصبر والمثابرة، يجعل من رمضان رحلةً من التلذذ بالطاعة، لا عبئًا يبحث الصائم عن انقضائه، لتصبح العبادة فيه انسيابًا طبيعيًا لنهجٍ بدأ قبل أسابيع.

كما يجب الانتباه إلى أن التدرج في الصدقة وإطعام الطعام في هذه الأيام ينمي في القلب مشاعر التكافل ويحفز الغدد الإيمانية على العطاء الواسع في رمضان، فالنفس كالطفل إن أهملتها شبت على حب الراحة، وإن فطمتها عن العجز في شعبان استقامت لك في رمضان.

وفي ختام هذا الاستعداد، ينبغي لكل منا أن ينقي قلبه تمامًا من الخصام والمشاحنة، وأن يستغفر الله كثيرًا، ويعفو ويسامح من ظلمه؛ حتى يلقى الله عز وجل بقلبٍ سليمٍ، وليعلم أن أجر الصفح والعفو عن من ظلمه عند الله تعالى أضعاف أضعاف الاقتصاص ممن ظلمه، مستحضرًا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تُفْتَحُ أبْوابُ الجَنَّةِ يَومَ الاثْنَيْنِ، ويَومَ الخَمِيسِ، فيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا، إلَّا رَجُلًا كانَتْ بيْنَهُ وبيْنَ أخِيهِ شَحْناءُ، فيُقالُ: أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا”، فسلامة الصدر هي المفتاح الحقيقي لقبول الأعمال، وبلوغ مراتب الصديقين في شهر الرحمة والغفران.