فن صناعة المعروف
31 يناير، 2026
منبر الدعاة

بقلم الأستاذ الدكتور/ سعد عبد المعطي عبد العليم شعبان
أستاذ التفسير وعلوم القرآن بالجامعة الإسلامية- ببرروكسيل
عضو مجمع الفقه الإسلامي بكندا
إن صناعة المعروف والإجادة في بذل الخير فن عظيم وباب من أبواب الخير كبير، يحصل به العبد الثواب العظيم، إذا اشتمل على الإخلاص، وابتغى به وجه الله وكان الباعث عليه
رحمةُ الغيرِ واللطفُ بهم؛ ولذا كان بذل المعروف صدقة؛ كما جاء عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» متفق عليه: صحيح البخاري، (6021)، وصحيح مسلم، (1005)
إن الانسان العاقل هو من يصنع المعروف في أهله وفي غير أهله ما استطاع لذلك سبيلًا، استجابة لقول الله تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ) [الحج: 77]،
فالمسلم العاقل هو من يتفنن في اتقان صناعة المعروف في أهله، وفي غير أهله فإن وافق أهله فهو أهله وإن لم يوافق أهل فباذل المعروف أهله والله لن يضيع أجره،
“ازرعْ جميلاً ولو فِي غَيرِ مَوضِعهِ ………. فَــلا يَضيـعُ جَميــلٌ أينَمــا زُرِعــا
إنَّ الجَميـلَ وإنْ طالَ الزَّمانُ بِـهِ ……….. فليــسَ يَحصـدُهُ إلَّا الَّـذي زَرَعـا”
والمعروف كلمة جامعة تجمع بذلَ الخيرِ، والإحسانَ للناسِ بالقول، أو بالفعل، كبُر المعروف أو صغُر، كثُر أو قلَّ، ولا ينبغي لمؤمن أن يترك بذل الخير والإحسان ولو كان قليلًا، فإن عامله سيراه في ميزان حسناته ويُسَرُّ به يوم الدين: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]،
وأهل المعروف في الدنيا هم أهل الخير والمعروف في الآخرة يعرفون بفضلهم وبما قدموا من معروفهم، عن قَبِيصَةَ بْنَ بُرْمَةَ الْأَسَدِيَّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الْآخِرَةِ، وَأَهْلُ الْمُنْكَرِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ الْمُنْكَرِ فِي الْآخِرَةِ» الأدب المفرد – ت عبد الباقي (ص86)
أبواب الخير وصور المعروف
إن صور المعروف كثيرة، ومتعددة ومتنوعة وهذا من لطف الله بعباده ليفتح لهم الأبواب؛ فمن صوره: لين الكلام، والتلطف للمسلمين بجميل اللفظ، ورقة الأسلوب قال تعالى: (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا) [البقرة: 83]، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
قال تعالى: (خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ) [الأعراف: 199]،
وإعانة المحتاج، وتفريج الكرب، وإغاثة الملهوف، ونصرة المظلوم، والشفاعة الحسنة، والمعونة في النائبات، وإصلاح ذات البين، وغير ذلك من صور الخير والمعروف وحب الخير والصلاح للناس؛ ابتغاءً للثواب من الله تعالى: (وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ) [البقرة: 272]
ومن صور المعروف ما قد يستقله الناس، ولا يأبهون به، لكنه مما يحبه الله ويرضاه؛ وأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطى الله عليه العطاء الجزيل والثواب العظيم: عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ لَكَ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ لك صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالَةِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ الْبَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالْعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ” صحيح ابن حبان: التقاسيم والأنواع ، (698) ، (1/ 477)
فمن صور المعروف تبسمك في وجه أخيك، وطلاقة الوجه، وبذل الندى، وكف الأذى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشادك الرجل في أرض الضلالة وإماطة الأذى، والعظم والشوكة.
فعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: «سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ، قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَغْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تُعِينُ صَانِعًا، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ.» متفق عليه: صحيح البخاريِ، (2518)،وصحيح مسلم، (136/84)
وتعين صانعًا في صنعته، وتعين عاطلًا تساعده في إيجاد عمل وهذا معنى: (تصنع لأخرق) والأخرق هو الذي ليس عمل وليس بصانع. يقال رجل أخرق، وامرأة خرقاء، لمن لا صنعة له، ولا عمل ولا مهنة.
وهذه أخلاق النبي محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يُبعث نبيًا كما وصفته السيدة خديجة رضي الله عنها «قَالَ لِخَدِيجَةَ: أَيْ خَدِيجَةُ، مَا لِي، لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، قَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَاللهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، فَوَاللهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ،» متفق عليه: صحيح البخاري، (4953)، وصحيح مسلم (160)
فمن أخلاق النبوة أنه يصنع المعروف بكل صوره، وأشكاله، وألوانه فكان يصل أرحامه، ويصدق مع من يتحدث، ويصون الأمانة ويؤديها لأصحابها، ويحمل من لا يستطيع أن يقوم بأمره، ويحتاج لمن يساعده.
وقال الحافظ ابن حجر: “الكَلُّ بفتح الكاف: هو من لا يستقل بأمره، كما قال تعالى: {وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ}، وقال النووي: “ويدخل في حمل الكَلِّ: الإنفاق على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك، وهو من الكلال وهو الإعياء”. انظر: شرح مسلم للنووي (201)، فتح الباري (1/ 33).
وقوله “تكسب” أنها بفتح التاء، ونقل القاضي عياض أنها رواية الأكثرين، ورجَّح الحافظ ابن حجر ضم التاء ووجَّهه وقال: “ومعناها: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك فحذف أحد المفعولين”. انظر: شرح مسلم للنووي (203)، فتح الباري (1/ 33 – 34).
وتكرم الضيف وتحسن استقباله، وتعين على نوائب ومصائب الخلق هذه بعض صور المعروف التي تقي مصارع الشر والسوء التي وصفه الله بها فقال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ) [القلم: 4]
وسأل رجل عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عن المعروف قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَعْرُوفِ، فَقَالَ: ” لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تُعْطِيَ صِلَةَ الْحَبْلِ، وَلَوْ أَنْ تُعْطِيَ شِسْعَ النَّعْلِ، وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي، وَلَوْ أَنْ تُنَحِّيَ الشَّيْءَ مِنْ طَرِيقِ النَّاسِ يُؤْذِيهِمْ، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ وَوَجْهُكَ إِلَيْهِ مُنْطَلِقٌ، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ فَتُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَنْ تُؤْنِسَ الْوَحْشَانَ فِي الْأَرْضِ”، أخرجه ابن أبي شيبة (25319) ، وأبو داود (4075) ، والترمذي (2722) ، والنسائي (10076)، ومسند أحمد (15955)،
فما أجمل، وما أعظم الإسلام وشرائعه وهديه، وأخلاقه!
ثمرات بذل المعروف
1- توفيق الله تعالى للعبد ونيل رحمة الله وإحسانه قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56]،
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وَلَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَّا الرُّحَمَاءَ» صحيح البخاري، (5655)، دوام النعمة على العبد لأن الله تعالى إذا أنعم على عبدٍ نعمةً أحبَّ أن يرى أثرها عليه؛ وقد جاء في حديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ” إِنَّ للهِ قَوْمًا يَخْتَصُّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا ، نَزَعَهَا مِنْهُمْ ، فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ” أخرجه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج (1/ 24، رقم 5) ، والخطيب (9/ 459) ، وصَحِيح الْجَامِع: (2164) ، الصَّحِيحَة: (1692) ، صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: (2617)
ومن أعظم الأسباب التي تديم النعم وتزيدها شُكرُ المنعِم عليها؛ ببذل المعروف، وبذلها لمن يحتاجها، هذا عدا ما يناله من دعاء من بذل لهم معروفه، وصنع فيهم صنيعته وإحسانه.
2- صناعة المعروف تصرف البلاء وسوء القضاء في الدنيا والآخرة كما في حديث وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، (8/ 261) (8014) وَقال: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وقال الهيثمي 3/ 115: إسناده حسن،
3- تفريج الكرب في الدنيا والآخرة؛ كما في حديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: « مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ.» صحيح مسلم، (2699)
4- بذل المعروف يجلب محبة الناس ودعاؤهم؛ لأن النفوس مجبولة على مَن يصنع لها المعروف، ويبذل لها الخير وقد جاء عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ اسْتَعَاذَ بِاللهِ فأعيذه وَمَنْ سَأَلَ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوا بِهِ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ)أخرجه النسائي في سننه (ج 5 ص 82). وقال هذا حديث صحيحٌ على شرط الشَّيخين.
فصنائع المعروف تقي مصارع السوء وتُفرج الكروب وتُذهب الهموم وتَنشر المودة والسرور، وتقرب القلوب من علام الغيوب، وتزيل الشحناء والبغضاء من النفوس، وتؤلف بين القلوب فلا يتقاعس عن بذل المعروف إلا تعيس محروم، ولربما درأ الله تعالى عن العبد كريهات القدر بمعروفٍ بذله، لم يظن أنه سيرد أمرًا عظيمًا عنه يوما فاجتهدوا في صناعة المعروف وتفننوا فيه وأجيدوا صنعه.