إحياء مواسم الطاعة وإن اختلف الدليل «حين تُكسَر الهمم باسم الدليل»


بقلم د . ميرنا يونس

في مثل هذة الأيام يكثُر الجدل، ويشتدّ الأخذُ والردّ، حول أحاديث فضل شهر شعبان وخصوصًا ليلة النصف منه، حتى غلب على بعض الخطاب الشرعي التبديعُ والتضعيف، وارتفعت أصواتٌ تُنكر تخصيص هذه الليلة بالعبادة، بل ذهبت إلى وصف ذلك بالبدعة.
غير أنّ المتأمل في واقع الناس اليوم لا يخفى عليه ما آل إليه حال القلوب من غفلة، وما ران على النفوس من فتور، في زمنٍ تكاثرت فيه الشواغل، وتزاحمت فيه الدنيا على القلوب تزاحمًا أضعف الهمم وقلّل الإقبال على الطاعات…

فإذا أظلّت مواسم الخير، وأقبلت أيامٌ فاضلة، رأيت القلوب تُقبل، والنفوس تنتبه، والكسل يتراجع، وتُبعث الهمم من رقادها، فيُكثِر الناس من الصلاة والقيام، والدعاء وقراءة القرآن، رجاءَ الفضل، وطمعًا في القبول.

فلمَ الصدّ عن ذلك؟ ولمَ يُقال للناس: لا تختصّ ليلةٌ بعبادة، ولا يُشرع يومٌ بعمل؟ مع أن في هذا الخطاب – وإن حَسُنَ مقصده – أثرًا ظاهرًا في تثبيط العامة، وإخماد جذوة الإقبال، حتى يعود كثيرٌ منهم إلى الفتور والخمول، وقد كانوا على أبواب خيرٍ وطاعة…
وليس المقصود من هذا – ولا نقول به – أن يُهمل العبد العبادة في سائر العام، أو أن يجعل طاعته موسميةً عارضة، بل إن هذه الأيام المباركة إنما هي محطاتُ تزود، وفرصُ إحياء، تُشحَذ فيها الهمم، وتُجدَّد فيها العزائم، ويقوى بها الإقبال على الله، ويضعف سلطان المعصية على القلب…

وأما من جهة الدليل، فإن الأحاديث الواردة في فضل شعبان، وخصوصًا ليلة النصف منه، قد تعددت طرقها، وكثرت رواياتها، حتى قال غير واحد من أهل العلم إن مجموعها يرقى إلى القبول، وعلى فرض ضعف بعضها، فإن العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال مما جرى عليه جمهور أهل العلم، بشروطه المعروفة، ما دام لا يثبت به حكمٌ، ولا يُنشأ به اعتقادٌ، ولا يُخالف أصلًا شرعيًا ثابتًا.
فكيف إذا كان هذا العمل باعثًا على الطاعة، محييًا للقلوب، ومذكّرًا بالله، لا يتضمن محدثًا في الدين ولا اعتقادًا فاسدًا؟

ومن ذلك:
قول رسول الله ﷺ : “إِذَا كَانَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ اطَّلَعَ اللَّهُ إِلَى خَلْقِهِ، فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيُمْلِي لِلْكَافِرِينَ، وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ”

وكذلك قوله ﷺ : “إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ”

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: « إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا، فَإِنَّ اللهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ لِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ أَلَا مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ؟ أَلَا مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ؟ أَلَا كَذَا؟ أَلَا كَذَا؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ»

وصح عن عطاء بن يسار أنه قال: ما من ليلة بعد ليلة القدر أفضل من ليلة النصف من شعبان، يتنزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا، فيغفر لعباده كلهم، إلا لمشرك أو مشاجر أو قاطع رحم.

وقد ذهب جمهور فقهاء المذاهب الأربعة إلى استحباب إحياء ليلة النصف من شعبان، استنادًا إلى ما ورد فيها من الأحاديث والآثار.

ولا يخفى على ذي بصيرة ما لهذه الليلة من خصوصية في الفضل، وسعة في الرحمة، وبسط للمغفرة؛ فمن تعرّض لنفحاتها بالإقبال على الصلاة، وملازمة الذكر، والإكثار من الدعاء، كان حريًّا أن ينال حظًّا وافرًا من بركاتها، على أن قيام الليل عبادةٌ مشروعةٌ مرغّبٌ فيها في سائر الليالي، وتزداد تأكيدًا في مثل هذه الليلة المباركة.

قال ابن نجيم رضي الله عنه في البحر الرائق: ومن المندوبات إحياء ليالي العشر من رمضان، وليلتي العيدين، وليالي عشر ذي الحجة، وليلة النصف من شعبان، كما وردت به الأحاديث.

وقال العلامة ابن الحاج المالكي: (ولا شك أنها -أي: ليلة النصف من شعبان- ليلة مباركة عظيمةُ القدر عند الله تعالى.. وبالجملة: فهذه الليلة وإن لم تكن ليلةَ القدر فلها فضلٌ عظيمٌ وخيرٌ جسيمٌ)

وجاء في الأم عن الإمام الشافعي رحمه الله: استحب كل ما حكيت في هذه الليالي (منها ليلة النصف من شعبان) أي القيام والدعاء والذكر.

ويقول ابن حجر الهيتمي رحمه الله: لهذه الليلة (يعني النصف من شعبان) فضل، يقع فيها مغفرة مخصوصة واستجابة مخصوصة.

وكذلك العلامة البهوتي الحنبلي يقول: قال شيخنا: قيام بعض الليالي كُلِّها مما جاءت به السنة (إلا ليلة عيد)؛ لحديث: «مَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ الْعِيدِ أَحْيَا اللهُ قَلْبَهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ» رواه الدارقطني في “علله”، وفي معناها: ليلة النصف من شعبان.

غير أنّه لا يصحّ تخصيص ليلة النصف من شعبان بهيئةٍ مخصوصةٍ للصلاة، كما هو الشائع عند بعض الناس بما يُسمّى «الصلاة الألفية»..

وهي مائة ركعة يُقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة الإخلاص عشر مرات؛ فهذه الصلاة لا أصل لها في الشرع، وقد أنكرها أهل العلم، ولا يجوز إلحاقها بالدين أو نسبتها إليه، وإنما المشروع أن يتعبّد المسلم ربَّه بما تيسّر له من الصلاة، مع الإكثار من الدعاء والتضرّع، وسؤال الله تعالى قضاء الحاجات ونيل الخيرات.

يقول الإمام النووي رضي الله عنه في ذلك: الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب وصلاة ليلة نصف شعبان مائة ركعة، وهاتان الصلاتان بدعتان ومنكران قبيحتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب قوت القلوب وإحياء علوم الدين، ولا بالحديث المذكور فيهما فإن كل ذلك باطل، ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما؛ فإنه غالط في ذلك.

وعليه؛
فالأمر – على الجملة – له أصلٌ معتبر عند أئمةٍ ثقات، وعلماءَ مشهودٍ لهم بالرسوخ والتحقيق. وعلى فرض أن المرء لا يرى ثبوت فضلها، أو لا يقول بتخصيصها بعبادة، أو يذهب إلى تضعيف جميع ما ورد فيها؛ فإن ذلك اجتهاده، لا مُلزِمٌ لغيره، ولا مسوِّغَ له أن يُحمِّله على الناس، أو يجعل منه سيفًا يصُدّ به القلوب عن الطاعة، ويثبِّط به العزائم عن الإقبال على الله، ثم إن الحكمة الشرعية، ومقاصد الشريعة الغرّاء، قائمة على فتح أبواب الخير لا إغلاقها، وبعث الهمم لا كسرها، وتليين القلوب لا تنفيرها، وتيسير السبل إلى الله لا تضييقها. فكل خطابٍ يحيي القلوب، ويقرّب النفوس من الطاعة، ويبعث على الذكر والإنابة، فهو أولى بالاعتبار، وأحقّ بالرعاية، ما دام منضبطًا بضوابط الشرع، سالمًا من الغلو والابتداع…