التَّوَاضُعِ
17 ديسمبر، 2025
منبر الدعاة

بقلم الدكتور محمد رجب أبو تليح
عضو إدارة الفتوى وبحوث الدعوة بوزارة الأوقاف
سلسلةمقامات السلوك إلى حضرة ملك الملوك المقال السادس:
واليوم مع لقاء مع مقام كريم من مقامات السلوك إلى حضرة ملك الملوك ألا وهو التواضع وهو رزق الصادقين وحال المقربين، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (الفرقان: ٦٣).
والتَّواضُعُ في جوهره الروحيِّ وأفقه الأخلاقيِّ: أن يتواضعَ العبدُ لِصولةِ الحقِّ وسطوتِه، وهو على ثلاثِ درجاتٍ، ترتقي بالنفسِ مِن حدِّ التَّسليمِ إلى حَدِّ الفَناءِ في رضا المولى.
أمَّا الدرجةُ الأولى: فهي التَّواضعُ للدِّينِ، بألاَّ يعارضَ المعقولُ المنقولَ، ولا يُلْقي العبدُ على الدِّينِ دَليلاً يُوهِنُه، ولا يسلكْ في الخلافِ سبيلاً يُوهِمُهُ التَّقدُّمَ وهو في التَّخلُّفِ مُقيمٌ. ولا يصحُّ ذلك له إلا بأن يَعْلَمَ يقينًا أنَّ النَّجاةَ في البصيرةِ، وأنَّ الاستقامةَ بعدَ الثِّقةِ، وأنَّ البَيِّنةَ وراءَ الحُجَّةِ، لا أمامَها.
وأمَّا الدرجةُ الثانية: فهي أن يرضى العبدُ بمن رضيه الحقُّ لنفسِه عبدًا، فيأخُذَه أخًا لا يردُّ عليه حقًّا وإنْ أتاه مِن عدوٍّ، ويقبلْ من المعتذرِ معذرتَه، رجاءً في رحمةِ الله، وثِقةً في حِكمةِ التَّسامحِ، وحُبًّا في الإخاءِ الذي شرَّفه الدِّينُ وصانَه الشَّرعُ.
وأمَّا الدرجةُ الثالثةُ: وهي الغايةُ التي يَصِلُ إليها العارفون، فهي أن يتواضعَ للحقِّ حتى يَنزِلَ عن رأيِه في الخدمةِ، ويرى حَقَّ غيرِه في الصُّحْبةِ، ويَترُكَ رَسْمَه في المُشاهدةِ، تاركًا نَفْسَه لمَشيئةِ المولى، لا لمَشيئةِ هَواه، مُؤثِرًا رضا الحقِّ على رضا نفسِه، راضيًا بالذُّلِّ في طاعةِ الله، كارهًا العُجبَ ولو في طلبِ العِزِّ.
ومن أقوالِ السَّلَفِ في التَّواضعِ:
سُئِلَ الجنيدُ رضي الله عنه عن التَّواضعِ، فقال: «هو خفضُ الجناحِ، وكسرُ الجانبِ».
وقال رُوَيمٌ: «التَّواضعُ تَذلُّلُ القلوبِ لعَلاَّمِ الغيوبِ».
وقال سهلٌ: «كمالُ ذِكرِ اللهِ المُشاهدةُ، وكمالُ التَّواضعِ الرِّضا به».
وقال غيرُه: «التَّواضعُ قَبولُ الحقِّ مِن الحقِّ للحقِّ».
وقال آخرُ: «التَّواضعُ الافتخارُ بالقلَّةِ، والاعتناقُ للذِّلَّةِ، وتحمُّلُ أثقالِ أهلِ المِلَّةِ».
فالتَّواضعُ إذًا ليس ضعفًا في النفسِ، بل قوَّةٌ في الإيمانِ، وسُموٌّ في الأخلاقِ، وانكسارٌ في الرُّوحِ، يرفعُ صاحبَه عندَ اللهِ، وإن وطأَتْ قدماهُ التُّرابَ.