التدين السطحي… قناع الفضيلة الزائف


بقلم فضيلة الشيخ : حسين السمنودي

إمام وخطيب ومدرس بدرجة مدير عام بمديرية أوقاف القاهرة

من أخطر ما يواجه المجتمعات، وأشد ما يربك الوعي الإنساني، ذلك النوع من التدين السطحي الذي يكتفي بالمظهر ويهمل الجوهر، ويُعلي من الشكل ويُقصي المعنى، فيتحول الدين من رسالة أخلاقية عميقة إلى زينة اجتماعية تُرتدى عند اللزوم وتُخلع عند أول اختبار حقيقي. هو تدين لا ينبع من أعماق النفس، ولا يسكن الضمير، ولا يترك أثره في السلوك، وإنما يقف عند حدود اللسان والملبس وبعض الطقوس المجتزأة التي لا روح فيها ولا حياة.

التدين السطحي يخدع العين من بعيد، يلمع كالمعدن المصقول، لكنه عند الاقتراب لا يعدو أن يكون طلاءً هشًا يخفي تحته صدأ القيم واضطراب النوايا. ترى صاحبه كثير الحديث عن الفضيلة، سريع الغضب عند أول خلاف، شديد القسوة حين تُختبر رحمته، بارعًا في الوعظ، فقيرًا في التطبيق، يرفع الشعارات الكبرى بينما أفعاله اليومية تنقضها واحدة تلو الأخرى. هنا تكمن الخطورة، فالكلمات قد تُحسن التمثيل، أما السلوك فلا يجيد الكذب طويلًا.

هذا النوع من التدين لا يُنتج إنسانًا مستقيمًا، بل يصنع شخصية مزدوجة، وجهًا عامًا متدينًا، ووجهًا خفيًا لا يعرف من الدين إلا اسمه. يكثر فيه الحكم على الناس، ويقل فيه محاسبة النفس، يتشدد في الصغائر، ويتساهل في الكبائر، يغضب لشكل العبادة ولا يغضب لظلم إنسان، يخاصم باسم الله، ويقسو باسم الحق، وينسى أن جوهر التدين هو تهذيب القلب قبل تقويم المظهر.

ولعل أبلغ ما قيل في كشف هذا الزيف ما نُقل عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ما أضمر أحدٌ شيئًا إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه»، فالنفس لا تستطيع إخفاء حقيقتها إلى الأبد، وما يُخفى في الصدور يتسرب حتمًا إلى التصرفات، إلى نبرة الصوت، إلى لحظات الغضب، وإلى مواقف المصالح. لذلك فإن التدين الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض، لأنه ثابت في الداخل، راسخ في الضمير، يظهر تلقائيًا في الصدق، والعدل، والرحمة، واحترام الإنسان.

إن أخطر ما في التدين السطحي أنه يسيء إلى الدين أكثر مما يسيء إلى صاحبه، لأنه يقدم للناس نموذجًا مشوهًا، يجعل البعض ينفر من الدين نفسه لا من ممارسيه، ويخلط بين القيم الربانية وأخطاء البشر. بينما التدين الصادق، العميق، الهادئ، لا يرفع صوته كثيرًا، لكنه يترك أثره واضحًا في الأمانة، والتواضع، وحسن المعاملة، والعدل مع المخالف قبل الموافق.

ونحن في ختام هذا الحديث لا نحتاج إلى مزيد من الشعارات، بقدر ما نحتاج إلى وقفة صادقة مع النفس، نُراجع فيها علاقتنا بالدين: هل هو التزام حقيقي ينعكس في سلوكنا اليومي، أم مجرد صورة نحاول أن نبدو بها أمام الناس؟ هل نعبد الله لذاته أم لنيل رضا المجتمع؟ هل نغضب لانتهاك القيم أم لانتهاك المظاهر؟ فالتدين ليس عدد الكلمات التي نحفظها، ولا طول ما نرتديه، ولا كثرة ما نُظهر، بل مقدار ما نُصلح، وما نرحم، وما نصدق، وما نعدل.

إن الدين الذي لا يُهذب الأخلاق، ولا يُلين القلوب، ولا يكبح الظلم، ولا يوقظ الضمير، هو دين مبتور مهما بدا صاخبًا، ومهما حشد حوله من مظاهر. أما الدين الحي، فهو ذلك الذي يسكن القلب أولًا، ثم يسري في السلوك دون ضجيج، ويظهر في المواقف الصعبة قبل السهلة، وفي الخفاء قبل العلن. فطوبى لمن كان دينه حقيقة لا ديكورًا، وجوهرًا لا قشرة، وعبادة تُصلح الإنسان قبل أن تُدهش العيون، لأن الأقنعة تسقط مع الزمن، ولا يبقى إلا الصدق.

ومرةً ثانية، لا بد أن نُدرك أن أخطر ما في التدين السطحي ليس كذبه على الناس، بل خداعه لصاحبه قبل غيره، حين يُقنعه بأنه على خير بينما هو في الحقيقة يبتعد عن روح الدين خطوة بعد خطوة. إنه يُخدر الضمير بدل أن يوقظه، ويمنح شعورًا زائفًا بالاستقامة يعفي صاحبه من عناء المجاهدة الحقيقية للنفس. ومع الوقت تتحول العبادات إلى عادات، والقيم إلى شعارات، ويصبح الدين وسيلة لتبرير الأخطاء لا لردعها، وساترًا للأنانية لا قيدًا عليها.

إن المجتمعات لا تنهض بكثرة المتدينين شكلًا، بل بقلة صادقة تعيش الدين خلقًا ومسؤولية، تفهم أن العبادة ليست انفصالًا عن الواقع، بل حضورًا نزيهًا فيه، وأن التقوى ليست اعتزال الناس، بل العدل معهم، والرحمة بهم، وكف الأذى عنهم. وحين يغيب هذا الفهم، يصبح التدين عبئًا على الدين نفسه، وتتحول القيم العليا إلى أدوات صراع واتهام وإقصاء، بدل أن تكون جسورًا للإصلاح والبناء.

لذلك، فإن معركة الوعي الحقيقية اليوم ليست ضد الدين، بل ضد تشويهه، وضد تحويله إلى قشرة بلا قلب، وصوت بلا فعل، ومظهر بلا مضمون. نحن بحاجة إلى أن نُعيد للدين معناه الإنساني العميق، أن نربطه بالأمانة في العمل، والصدق في الكلمة، والعدل في الحكم، والرحمة في القوة، والتواضع في الطاعة. فحين يستقيم الداخل، يستحيل على الخارج أن يضل، وحين يصفو القلب، يصبح السلوك أصدق داعية.

وفي النهاية، سيبقى السؤال معلقًا في وجه كل واحدٍ منا: ماذا بقي من ديننا في أخلاقنا؟ وماذا ظهر من عبادتنا في معاملاتنا؟ فالله لا يُخدع بالمظاهر، والناس قد تُخدع قليلًا ثم تفيق، والتاريخ لا يرحم الزيف مهما طال عمره. وحده التدين الصادق هو القادر على البقاء، لأنه لا يعتمد على الأقنعة، بل على نورٍ داخلي، إن وُجد أضاء كل شيء، وإن غاب سقط كل شيء مهما بدا لامعًا.