صدام الحضارات بين زيف الهيمنة الغربية وخلود الرسالة الإسلامية : قراءة فكرية في جذور الصراع ومآلاته


بقلم الدكتور : مصطفى طاهر رضوان

عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة والفلسفة
كلية أصول الدين والدعوة جامعة الأزهر الشريف 

 

العولمة… قناع الصراع الحضاري

لم يكن العصر الذي أُطلق عليه اسم «العولمة» إلا ستارًا كثيفًا يخفي خلفه نزعة قديمة متجذِّرة في العقل الغربي، نزعة ترى العالم مسرحًا للهيمنة والسيطرة، وتتعامل مع الأمم الأخرى بوصفها مجرد هوامش تدور في فلك المركز الأوروبي الأمريكي، وفي خضم هذه الرؤية المتعالية، طفت على السطح نظرية «صراع الحضارات» التي صاغها المفكر الأمريكي صمويل هنتنجتون، وكأنها كشف جديد في الفكر السياسي، بينما هي في حقيقتها إعادة صياغةٍ أكاديمية لعداوةٍ كامنة في وجدان الغرب تجاه الإسلام منذ قرون.

فما طرحه هنتنجتون لم يكن إلا تعبيرًا عن الخريطة النفسية والاستراتيجية التي تحكم عقول صناع القرار في الغرب، إذ جاءت نظريته بمثابة الإعلان الصريح لما ظلَّ كامِنًا في عمق الوعي الغربي: أن الإسلام وحده هو الخصم الحضاري القادر على تهديد هيمنة الحضارة المادية الحديثة، وأنه القوة الوحيدة التي لم تستطع أن تُدجَّن أو تُستوعب في النسق الغربي، كما استُوعبت الحضارات الأخرى ذات الطابع المادي البحت.

أولًا: الإسلام في مواجهة المادية الغربية

لقد أدرك الغرب أن الحضارات ذات الجذور الكونفوشيوسية، مثل اليابان والصين، قابلة للتطويع في المنظومة الليبرالية الغربية؛ إذ تقوم في أصلها على فلسفة مادية لا تُقيم وزنًا للروح، بل تؤسس رؤيتها للكون والحياة على منطق المنفعة والمصلحة، أما الإسلام فهو الحضارة الوحيدة التي ما زالت تحمل في طياتها مبدأ الخلود؛ لأنها تخاطب الروح والعقل والوجدان معًا، وتُقيم بنيانها على أساسٍ من الإيمان بربانية الوجود والإنسان، وترفض أن يكون الإنسان مجرد أداة إنتاج أو ترسًا في آلة رأسمالية لا تعرف إلا منطق القوة والربح.

ولذلك، لم يكن عجيبًا أن يحصر هنتنجتون مستقبل الصراع الحضاري في مواجهةٍ بين الحضارة الغربية من جهة، والحضارة الإسلامية من جهة أخرى؛ فالغرب – على الرغم من دعاواه الكثيرة عن «التعددية» و«الانفتاح» – لم يتخلَّ يومًا عن مشاعر الكراهية التاريخية تجاه الإسلام وأهله، وما شعاراتهم عن «حقوق الإنسان» و«الديمقراطية» و«محاربة الإرهاب» إلا أقنعة تُخفي الوجه الحقيقي للصراع، وتبرر التدخل العسكري والسياسي والثقافي في ديار المسلمين.

ثانيًا: الصراع الحضاري… من الحروب الصليبية إلى «الحرب على الإرهاب»

من يتأمل التاريخ يلحظ أن الغرب ظل ينظر إلى الإسلام باعتباره تهديدًا وجوديًّا لحضارته، منذ أن رفع الصليبيون راياتهم في القرون الوسطى، مدّعين أنهم جاؤوا «لتحرير» الشعوب من «وحشية» الإسلام، بينما كانوا يحملون السيف في يد، والإنجيل المحرَّف في يد أخرى، يتقدمهم المنصِّرون قبل الجنود، ولم يكن الاحتلال العسكري إلا تمهيدًا لاحتلال الوعي وتدمير الهوية، بإقصاء الشريعة الإسلامية وإحلال القوانين الوضعية محلها.

وما أعلنه هنتنجتون في كتابه «صدام الحضارات» ما هو إلا تلخيص لهذا التاريخ الطويل من العداء، وقد أعاد الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن تأكيده عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر حين وصفها بأنها «حرب على الحضارة»، بل نعت حملته العسكرية بأنها «حرب صليبية»، ولم يجد لها رمزًا أنسب من «النسر النبيل» – نفس شعار الحروب الصليبية القديمة.

أما الكاتب الأمريكي «توماس فريدمان»، فقد كان أكثر صراحة حين كتب في صحيفة نيويورك تايمز (27/11/2001م): «إذا كان 11 سبتمبر بداية الحرب العالمية الثالثة، فعلينا أن نفهم أن هدف هذه الحرب هو هزيمة الأيديولوجيا، فحكم الحزب الديني لا يمكن أن يُهزم بالجيوش وحدها، بل يجب أن يُقاتل في المدارس والمساجد والكنائس، ولا يمكن القضاء عليه بدون مساعدة الأئمة والأحبار».

لقد تحولت المساجد – في الوعي الأمني والسياسي الغربي – من بيوت لله إلى «مواقع محتملة للإرهاب»، وسمح «قانون الإرهاب» الأمريكي للسلطات الفيدرالية بالتجسس والمراقبة حتى في أماكن العبادة.

ثالثًا: الخوف من الصحوة الإسلامية

كان هنتنجتون في جوهر طرحه يعبر عن خوفٍ غربي عميق من انتشار الإسلام واتساع رقعته، لا سيما في المجتمعات الغربية نفسها، حيث بدأ الناس يبحثون عن المعنى وسط الفراغ الروحي الذي خلّفته الحضارة المادية، لقد أنتجت هذه الحضارة – برغم قوتها التقنية وتقدمها الصناعي – أزمات اجتماعية وأخلاقية وجنسية ونفسية، ولم تفلح في منح الإنسان الطمأنينة التي ينشدها، وفي مقابل ذلك، بدا الإسلام كتيارٍ روحي وفكري جارف يهدد بانهيار «السد الحضاري» الغربي، ومن هنا وُلدت فكرة «صدام الحضارات» كآلية دفاعية لبناء «حائط صد» أمام هذا المد الإسلامي المتصاعد.

خرج الغرب من الحرب العالمية الثانية منتشيًا بانتصاره العسكري، ليدخل طورًا جديدًا من الصراع هو «الحرب الباردة» التي وإن لم تُسفك فيها دماء غزيرة، فقد أفرزت تشوهات فكرية وقيمية هائلة، وأنتجت عالمًا منقسمًا إلى قسمين: «عالم السيد» و«عالم العبد»، «عالم المستعمِر» و«عالم المستعمَر»، «عالم الغنى» و«عالم الفقر».

وفي ظل هذا الانقسام، رسخت في الوعي الغربي فكرة «المركزية المطلقة»: أن الغرب هو محور الكون، وأن على سائر الأمم أن تدور في فلكه، وإلا أُصيب الكون بالخراب، وكل من تجرأ على الخروج من هذا المدار عُدَّ متمردًا يستحق العقاب والإبادة، وهكذا تحولت النظرة الغربية إلى نوعٍ من «التأليه السياسي» للإنسان الأبيض، الذي أخذ يردد في سلوكه – وإن لم ينطق بلسانه – ما قاله فرعون من قبل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38]، ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24]، ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: 51].

وهكذا سوَّق الغرب لنفسه بوصفه «صانع الحضارة» و«منقذ البشرية»، وأملى على الشعوب أن تعيش في ظلال حضارته، وألا تفكر في بديلٍ عنها، أما من يرفض هذا «النمط الحضاري المقدس» فيُتهم بالرجعية والتخلف، ويُعلن عليه الحرب كما فعل فرعون مع موسى عليه السلام وأتباعه: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: 27]، ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ [غافر: 25].

رابعًا: الإسلام… الخصم الحضاري الأخير

وحين انهار الاتحاد السوفيتي وتلاشى الخطر الشيوعي، بدأ الغرب يبحث عن «عدو جديد» يبرر به استمرار هيمنته، فوجد في الإسلام الخصم الوحيد القادر على زعزعة منظومته المادية؛ فالإسلام لا يمثل مجرد منظومة روحية أخلاقية، بل يحمل في تراثه ذخيرة حضارية هائلة تؤهله لأن يقدم نموذجًا مغايرًا للحياة والإنسان والمجتمع، وإذا ما أتيح للناس أن يقارنوا بين «الحضارة المادية» و«الحضارة الإيمانية»، فربما انكشفت أمامهم زيف الأولى وهشاشتها أمام الثانية.

خاتمة: بين زيف الحضارة وخلود الرسالة

إن ما يُسمى بـ«صدام الحضارات» ليس سوى تعبير حديث عن صراع قديم بين «الحق والباطل»، بين «الوحي والمادة»، بين «الرسالة والهيمنة»؛ فالحضارة الغربية – على ما بلغت من التقدم – لا تزال عاجزة عن ملء الفراغ الروحي الذي يعانيه الإنسان المعاصر، ولا تزال تبني قوتها على القهر والظلم وإلغاء الآخر، أما الإسلام فيمثل دعوة ربانية لكرامة الإنسان وعبوديته لله وحده، ويقدم للبشرية بديلاً حضاريًّا يوازن بين المادة والروح، ويجعل من الإنسان خليفة لله في أرضه، لا عبدًا لشهواته أو لأرباب القوة.

وهكذا، فالمعركة لم تكن يومًا «صراع حضارات» بالمعنى الثقافي، بل هي معركة «رسالة» في وجه «هيمنة»، وصراع «قيم خالدة» في مواجهة «حضارة زائلة»، وإن المستقبل – وإن طال ليل الهيمنة – فهو لمن يملك الحق ويؤمن بالرسالة ويصبر على طريقها.