فتنة العطش
20 فبراير، 2026
منبر الدعاة

بقلم الشيخ: أبو بكر الجندى
إمام بوزارة الأوقاف
العطش هو: إحساس غريزي معروف، وشعور بالحاجة الشديدة لشرب الماء، ويمثل الماء حاجة إنسانية فطرية، ومن دونه الإنسان يفقد التركيز، ويفقد الإحساس والشعور، حينما يصاب العطشان بالجفاف وارتفاع نسبة الصوديوم والأملاح، ويتصدع الرأس، وتتشقق الشفاة، وييبس الجسم وينفطر القلب، ولا يسيطر الإنسان على جوارحه، بل وربما يفقد الحياة، فالماء نعمة أساسية لوجود الحياة واستمرارها، حيث قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُون}[الأنبياء: 30]، والذي أحيا به كل شيء هو الله تعالى وحده، كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ}[الواقعة: 68 – 70].
وفي شكر هذه النعمة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، فيحمده عليها، أو يشرب الشربة، فيحمده عليها”.
وفي الصبر على ترك الماء، ومَن عطش لله وجاع لله وصام لله فقد خصص الله تعالى بابًا في الجنة وحدهم تكريمًا وتشريفًا للصائمين قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن في الجنة بابًا يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم”، وفي الحديث: “من فطر صائماً على مَذْقَةِ لبنٍ أو تمرة أو شربة ماءٍ كان له مثل أجره”، ومن هذب الصوم أخلاقه كان أول لقاء له مع صاحب الخلق العظيم صلى الله عليه وسلم على حوضه المبارك والذي قال فيه:”حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدا”.
اما سقيا الماء وإرواء العطشان وإحياء الظمآن، فهو من أحب القربات إلى الله تعالى، قالصلى الله عليه وسلم: “أيما مؤمن سقى مؤمنًا على ظمأ، سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم”.
وفي سقيا الحيوانات قال رسول الله ﷺ: “بينا رجلٌ يمشي فاشتدَّ عليه العطش، فنزل بئرًا فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلبٍ يلهث ويأكل الثَّرى من العطش، فملأ خُفَّه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: في كل كبدٍ رطبةٍ أجرٌ”.
وجنة الرحمن خالية من أي عطش أو ظمأ، كما قال الله تعالى لآدم عليه السلام: {وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى}[طه: 119], وقال تعالى عن شراب الأبرار في الجنة: {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}[المطففين: 22 – 26].
أما من يبخل بالماء على الْعَطْشَى والظَّمْأَى فإنما يبخل عن نفسه, وأبعد الناس عن الخير الذي يمنع خيره عن غيره, فيحرم يوم القيامة من الماء ولا يكلمه الله ولا ينظر إليه، ويقول الله تعالى له يوم القيامة: “اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك”.
أما شراب أهل النار في النار فقد قال الله تعالى في وصفه: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا}[الكهف: 29]، وذكر القرآن الكريم إحدى أمانيهم، فقال تعالى: {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ}[ الاعراف ].