أنا خيار من خيار صدق رسول الله وأخطأ المنكرون
11 فبراير، 2026
منبر الأزهريين

بقلم الشيخ / أحمد السيد السعيد شقرة
(واعظ عام بالأزهر الشريف، وعضو لجنة التحكيم والمصالحات بمحكمة الأسرة).
حين يُمسُّ جنابُ سيدنا المصطفى ﷺ من جهة نسبه الطاهر، فإنما يُراد النيلُ من مقامٍ اصطفاه الله قبل أن تُخلق الأكوان، وشرَّفه قبل أن تُبسط الأرض وتُرفع السماء، وإنَّ الحديث عن أبوي سيدنا رسول الله ﷺ ليس حديثًا عن شخصين عابرين في سجلِّ التاريخ، بل حديثٌ عن وعاءٍ اصطفاه الله لحمل النور، وعن أصلٍ طهَّره ليكون منبتَ الرحمة المهداة.
لقد تقرَّر عند جماعةٍ من أئمة أهل السنة –كالإمام السيوطي، والقسطلاني، والزرقاني، وغيرهم– أن والدي سيدنا النبي ﷺ من أهل النجاة، واحتجوا لذلك بأدلةٍ متعددة؛ منها قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، قال جمعٌ من أهل التفسير: أي انتقالك في أصلاب الموحِّدين، من لدن آدم إلى عبد الله، فلم يزل نورُك منتقلًا في أصلابٍ طاهرة وأرحامٍ زكية وكيف يُظنُّ بربِّ العالمين أن يجعل أشرف الخلق ثمرةَ أصلٍ مدخولٍ في عقيدته؟!
وقد قال سيدنا ﷺ: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل… واصطفاني من بني هاشم»؛ والاصطفاء الإلهي لا يكون في موضع خَبَثٍ ولا في سياق دَنَس.
ثم إنَّ مسألة أبويه ﷺ من دقائق المسائل التي وسِع فيها الخلاف قديمًا، ولا يجوز أن تُتَّخذ مطيَّةً للتجريح أو الغلظة؛ لأن المقام مقامُ تعظيمٍ لسيدنا رسول الله ﷺ، ومن تعظيمه تعظيمُ ما اتصل به نسبًا (أصلًا وفرعًا) وصهرًا وأهلًا، ومن المقرر عند العلماء: الأدبُ مع سيدنا النبي ﷺ مقدَّمٌ على كثيرٍ من دقائق الجدل.
وإذا كان الله تعالى قد قال في حقِّه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، فأيُّ طهارةٍ أعظم من أن يكون الأصلُ طاهرًا، والفرعُ أزكى الخلق أجمعين؟
لسنا هنا ننازع في مسألةٍ فقهيةٍ جافة، بل نذبُّ عن مقامٍ لو عَلِق به وَهْمُ نقصٍ في قلوب العامة لانكسر فيهم شيءٌ من كمال التعظيم الواجب له ﷺ وحاشاه أن يكون إلا في الذروة من كل شرف، وفي القمة من كل طُهر.
فاللهم كما طهَّرت نسب نبيك في الدنيا، فطهِّر قلوبنا من الجرأة على مقامه، واجعلنا من أهل الأدب معه ظاهرًا وباطنًا، إنك على كل شيء قدير.