
بقلم: د. محمد صلاح ابو زيد
دكتوراة مقارنة الأديان بجامعة الأزهر
مقولة (لا خاب من استشار)
هذه الجملة القصيرة إذا نظرنا إليها بمنظار الدين نجد أنها خرجت من كونها حكمة بشرية عامة إلى كونها مبدأً إيمانيًا وسلوكًا تعبديًا، لأن الإسلام لا ينظر إلى الاستشارة بوصفها مجرد وسيلة عقلية، بل يعدّها خلقًا شرعيًا، ومنهجًا ربانيًا في تدبير شؤون الحياة.
فالإنسان في التصور الإسلامي عبدٌ ضعيف، محدود العلم، قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ومن هنا كانت الاستشارة اعترافًا عمليًا بهذه الحقيقة، وكسرًا لغرور النفس، وتحررًا من وهم الكمال. فالمستشير لا يطلب الرأي لأنه عاجز، بل لأنه يدرك أن التوفيق من الله، وأن أسباب الهداية إلى الصواب لا تُنال إلا بالأخذ بالأسباب التي شرعها الله، ومنها الشورى.
وقد جعل الإسلام #الشورى سمة من سمات المجتمع المؤمن، فقال سبحانه: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾، فربط صلاح الجماعة بالتشاور، وجعل الانفراد بالرأي مظنة الزلل. بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم-، (وهو أكمل الناس عقلًا وأتمهم وحيًا) كان يشاور أصحابه في السلم والحرب، ليقرر بذلك أن الاستشارة سنة ماضية، لا يسقطها فضل ولا يلغيها مقام.
ومن المنظور الإيماني، فإن الاستشارة ليست انفصالًا عن التوكل، بل هي من تمامه؛ إذ #التوكل الحق هو اجتماع اعتماد القلب على الله مع مباشرة الأسباب المشروعة. فكما لا يترك المؤمن السعي بدعوى التوكل، لا يترك المشورة بدعوى الثقة برأيه. ولهذا كان من استشار ثم استخار ثم عزم، قد جمع بين نور العقل ونور الشرع.
كما أن الإسلام يربط الاستشارة بالأمانة الدينية؛ فالمستشار مؤتمن، والكلمة التي يقولها ليست رأيًا عابرًا، بل شهادة يسأل عنها أمام الله. وفي الحديث: «..المستشار مؤتمن..»، مما يجعل الشورى عبادةً أخلاقية، تقوم على الصدق والإخلاص، لا على الهوى والمصلحة.
وهكذا تتجلى المقولة «لا خاب من استشار» في الرؤية الإسلامية بوصفها قانونًا ربانيًا: أن من التمس الصواب ذهب للشورى، وتواضع لعقول المؤمنين، وسلّم أمره لله، لا يخيبه الله في عاقبة أمره، وإن أخطأ التقدير. فالخيبة الحقيقية ليست في النتائج، بل في الاستبداد بالرأي، وترك هدي الإسلام، ومخالفة سنن الله في الاجتماع والعقل.
إنها مقولة تُعيد تشكيل العقل المؤمن: عقلٌ يستشير، وقلبٌ يتوكل، ونفسٌ تعلم أن الهداية لا تُنال بالعزلة الفكرية، بل بالمشاركة في نور الجماعة وتحت مظلة الوحي.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف