فَتْحُ العَزِيزِ القَهَّـارِ فِي الرَّدِّ عَلَى المُدَّعُوِّ مُحَمَّدِ حَسَنِ عَبْدِ الغَفَّـارِ لِقَوْلِهِ بِأَنَّ وَالِدَيِ المُصْطَفَى فِي النَّـــارِ

بقلم د : محمد عبد الحليم المعصراوى

✍️فإنَّ من أعظم ما ابتُليت به الأمة في هذا العصر انفلاتُ بعض الألسنة في مقاماتٍ كان السلف الصالح يتحرَّزون فيها غاية التحرُّز، ويعدُّون الخوض فيها بغير علمٍ ولا أدبٍ من الجرأة على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

✍️وقد طالعنا مقطعٌ مرئيٌّ مسجَّل لأحد المتكلمين، المدعو محمد حسن عبد الغفار، يصرِّح فيه بعبارةٍ بالغةِ السوء، إذ يقول نصًّا:
«أنا أُبغِضُ والِدَيِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لأنهما ماتا كافرين».

✍️ومن هنا كان لزامًا بيانُ أقوال المحققين من العلماء، ومسالك المفسرين والمحدثين والفقهاء في هذه المسألة، حتى يتبيَّن للقارئ الكريم أن الجزمَ بما قيل، مقرونًا بالبغض والتشنيع، إنما هو لونٌ من ألوان الجهل المركب، وسوء الفهم لمنهج أهل السنة والجماعة، فضلًا عن سوء الأدب مع الجناب النبوي الشريف.

أَوَّلًا:
مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي مَصِيرِ أَبَوَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ:

القول الحق في أبَوَي النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أنهما ناجِيَان ولَيْسَا مِن أهل النار)، وهذا هو الذي ارتضاه أهل السنة والجماعة، وقد صَرَّح بذلك المُحَقِّقُون مِن العلماء سَلَفًا وخَلَفًا،

وصَنَّف العلماء المُصَنَّفات في بَيَان ذلك، حتى صَنَّف الإمام الحافظ المجتهد السيوطي الشافعي في ذلك سِتَّ رسائل، وهي:

1- «مَسَالِكُ الحُنَفَاءِ في والِدَيِ المُصْطَفَى».
2- «الدَّرَجُ المَنِيفَةُ في الآباءِ الشَّرِيفَةِ».
3- «المَقَامَةُ السُّندُسِيَّةُ في النِّسْبَةِ المُصْطَفَوِيَّةِ».
4- «التَّعْظِيمُ وَالمِنَّةُ في أنَّ أَبَوَي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم في الجَنَّةِ».
5- «نَشْرُ العَلَمَيْنِ المُنِيفَيْنِ في إِحْيَاءِ الأَبَوَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ».
6- «السُّبُلُ الجَلِيَّةُ في الآباءِ العَلِيَّةِ».

ثَانِيًا:
الأَدِلَّةُ الَّتِي اسْتَنَدَ عَلَيْهَا العُلَمَاءُ فِي نَجَاةِ أَبَوَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

قد سَلَكَ العلماءُ في إثبات هذا الحُكم عِدَّةَ طُرُقٍ:
الطَّرِيقُ الأَوَّلُ: كَوْنُهُمَا مِنْ أَهْلِ الفَتْرَةِ:
لأنهما مَاتَا قَبل البعثة، ولا تعذيب قَبلَها، وقد صَرَّح أئمةُ أهل السنة أنَّ مَن مات ولم تَبلُغه الدعوةُ يَموتُ ناجِيًا، ومِمَّن صَرَّح بذلك
العلَّامةُ الأَجهُورِي فيما نَقَلَه عنه العلَّامة النفراوي في “الفواكه الدَّوَاني”،
وشَرَفُ الدِّين المُناوي فيما نَقَلَه عنه الحافظ السيوطي في “الحاوي”،
ونَقَلَ هذا القولَ سِبطُ ابن الجَوزِي عن جماعةٍ مِن العلماء مِنهم جَدُّهُ الحافظ أبو الفَرَج ابن الجَوزِي الحَنبَلِي،

وجَزَم بهذا القولِ العلَّامةُ الأُبِّي في “شرحه على صحيح مُسلِم”، ومَالَ إليه الحافظ ابن حجر في بعض كتبه كَمَا نَقَلَ عنه الحافظ السيوطي في “مَسَالِك الحُنَفَا”.

واستَدَلُّوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُن رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: 131]، وبآياتٍ وأحاديث أُخرى. ووالِدَا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم مِن أهل الفَترة؛ لأنهما رضي الله عنهما مَاتَا في أول شبابهما ولم تَبلُغْهُما الدَّعوةُ؛ لِتَأَخُّرِ زَمانِهِما وبُعدِه عن زَمانِ آخِرِ الأنبياء، وهو سيدنا عيسى عليه السلام، ولِإطباقِ الجَهلِ في عَصرهما، فلم يَبلُغ أَحَدًا دعوةُ نبيٍّ مِن أنبياء الله إلَّا النَّفَرَ اليَسِيرَ مِن أحبارِ أهل الكتاب في أقطار الأرض كالشام وغيرها، ولم يُعهَد لهُما التَّقَلُّبُ في الأسفار ولا عَمَّرَا عُمرًا يُمكِن معه البحثُ عن أخبار الأنبياء، وهُما لَيْسَا مِن ذُرِّيَّة عيسى عليه السلام ولا مِن قَومِه، فبَانَ أنهما مِن أهل الفَترة بلا شَكّ.

وعلى القول بأنَّ أهل الفَترة يُمتَحَنُون على الصراط فإن أطاعوا دَخلوا الجنة فقد نص العلماء على أن الوالِدَين الشريفين لو قِيل بامتحانهما فإنهما مِن أهل الطاعة؛
قال الحافظ ابن حَجَر: “إن الظَّن بهما أن يُطيعَا عند الامتحان”، نَقَلَه الحافظ السيوطي عنه.

وقد أَورد الإمام الطَّبَرِيُّ في “تفسيره” (24/ 487، ط. دار الرسالة) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في تَفسير قوله تعالى: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 5] قال: [مِن رِضا محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يَدخُل أَحَدٌ مِن أهل بيته النارَ] اهـ.

الطَّرِيقُ الثَّانِي: كَوْنُهُمَا عَلَى الحَنِيفِيَّةِ:
أنهما ناجِيَان لأنهما لم يَثبُت عنهما شِركٌ، بل كانا على الحَنِيفِيَّة دِين جَدِّهِما إبراهيم عليه السلام، ولقد ذهب إلى هذا القول جَمعٌ من العلماء منهم الإمام الفَخْرُ الرازِي في كتابه “أسرار التنـزيل”.

واستَدَلَّ أهلُ هذا الطريق بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ* وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: 218-219]، أي أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يَتَقَلَّب في أصْلَاب الساجِدِين المؤمنين مِمَّا يَدُلُّ على أنَّ آباءه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكونوا مشركِين؛ قال الإمام الرازِي فيما نَقَلَه عنه الحافظ السيوطي في “الحاوي” (2/ 199، ط. دار الكتب العلمية): [ومِمَّا يَدُلُّ على أنَّ آباءَ سيدِنا محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم ما كانوا مُشرِكِين قولُه عليه السلام: «لَم أَزَل أُنقَلُ مِن أَصلَابِ الطَّاهِرِينَ إلى أَرحامِ الطَّاهِرَاتِ»، وقال تعالى: ﴿إنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28]، فوَجَب ألَّا يَكُونَ أَحَدٌ مِن أجْدَادِه صلى الله عليه وآله وسلم مُشرِكًا] اهـ.

واستَدَلَّ الحافظ السيوطي لهذا المَسلَك بدليلٍ آخَر مُرَكَّبٍ، مُلَخَّصُه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أنا خِيارٌ مِن خِيارٍ»، وبهذا الحديث وغيرِه من الأحاديث والآيات الدالَّة على مثل هذا المعنى ثَبَت أنَّ كُلَّ أصلٍ مِن أُصوله صلى الله عليه وآله وسلم مِن آدم عليه السلام إلى أبيه عبد الله خيرُ أهلِ قَرنِه وأَفضَلُهم، وقد وَرَدَت الأحاديث والآيات التي تَدُلُّ على أنَّ كُلَّ عَصرٍ مِن العُصورِ مِن عَهد نوحٍ عليه السلام إلى قِيَام الساعة لا يَخلو مِن أُناسٍ على الفِطرة والتوحيد، وعليه يَجب أن نقول: إن أبَوَي النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانا مُؤْمِنَيْنِ وإلَّا وَقَعْنَا في المَحظور، وهذا المَحظور مُتَمَثِّلٌ في أَحَد أَمرَين:

أوَّلُهُما:
أنَّه يلزم أن يكون غيرهما مِن المؤمِنين خيرًا منهما إن سلمنا دعوى نسبتهما إلى عدم الإيمان -حاشاهما عليهما السلام-، وهذا مُخالِفٌ لصَرِيح الأدلة التي منها الحديثُ السابقُ ذِكْرُه.

وثانيهما:
أنَّ تسليم دعوى عدم إيمانهما يستلزم تَفضيل الكافرين على المؤمنين؛ فوجب عند ذلك القول بإيمانهما.

الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: إِحْيَاؤُهُمَا فَآمَنَا بِهِ:
أنهما ناجِيَان لأن الله تعالى أحياهما له صلى الله عليه وآله وسلم حتى آمَنا به صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا المَسلَك مال إليه طائفةٌ كثيرةٌ مِن حُفَّاظِ المُحَدِّثين وغيرهم؛ منهم: الإمام الحافظ الخطيب البغدادي، والحافظ ابن شاهين، والإمام ابن المُنَيِّر، والإمام المُحِبُّ الطَّبَري، والإمام القُرطُبِي، والحافظ أبو الفتح بن سيد الناس، والعلامة الصلاح الصفدي، والحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي، والحافظ السيوطي.

قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي -كما نقله العلامة الصالحي في “سبل الهدى والرشاد” (1/ 259، ط. دار الكتب العلمية)-:

حبا اللهُ النبـــيَّ مزيد فضلٍ … على فضــــــلٍ وكان به رؤوفا
فأحيـــــــا أمّــــــــه وكذا أبـــــــــاه … لإيمـــــانٍ به فضــــــلًا لطـــــــيفا
فسلّم فالقديـــــــم بذا قديرٌ … وإن كان الحديث به ضعيفا

واحتَجُّوا لمَسْلَكِهِم بأحاديث ضعيفة، ولكنها تَرْقَى إلى الحُسْنِ بمَجموع طُرُقِها.

وقد رَدَّ أصحابُ هذا المَسلَك على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نُهِيَ عن الاستغفار لهما بأن الإحياء مُتَأَخِّرٌ عن النَّهي، فكان حُكمُه ناسِخًا لحُكم النَّهي.

قال الإمام القُرطُبِي فيما نَقَلَه عنه الحافظ السيوطي في “الحاوي” (2/ 218): [لا تَعارُضَ بين حديثِ الإحياء وحديثِ النَّهيِ عن الاستِغفار؛ فإنَّ إحياءَهُما مُتَأَخِّرٌ عن النَّهيِ عن الاستِغفار لهما؛ بدَليل حديث عائشة أنَّ ذلك كان في حجة الوَداع؛ ولذلك جَعلَه ابنُ شاهين ناسِخًا لِمَا ذُكِرَ مِن الأخبار] اهـ.

وقال الحافظ السيوطي في “التعظيم والمنة في أن أبوي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة” (ص: 3، ط. دار جوامع الكلم): [الحديث الوارد في أن الله أحياها له (يعني: أمَّه عليها السلام) ليس بموضوع؛ كما ادَّعاه جماعة من الحفّاظ، بل هو من قسم الضعيف الذي يُتسَامَح بروايته في الفضائل، خصوصًا في مثل هذا الموطن] اهـ.

الطَّرِيقُ الرَّابِعُ: مِنْ خَصَائِصِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

أن من خصائص المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم التي وردت في سنته الشريفة: أن النار لا تدخل جوفًا دخله شيء من فضلات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكذلك مَن حمل النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم نطفة (وهو أبوه) وجنينًا (وهي أمُّه) من باب أَوْلَى.

قال العلامة الشهاب الخفاجي في كتابه “طراز المجالس” (ص: 468-469، ط. المطبعة الوهبية 1284هـ):

[لمّا قرأتُ ما قاله علماء الحديث في الخصائص النبوية: أن فضلاته إذا دخلت جوفًا لم تَلِجْه النارُ، قال من كان عندنا حاضرًا: إذا لم تلج النارُ جوفًا فيه قطرة من فضلاته, فكيف تُعذَّبُ أرحامٌ حملَتْه؟! فأعجبني كلامه ونظمْتُه في قولي:

لِوَالِــــدَيْ طــــــــــــه مَقـــامٌ عَــــــــــــلَا … في جَنَّةِ الخُــــــــــلْدِ ودارِ الثَّــــــــــــوَابْ
فقَطْـــــــــرةٌ من فَضَـــــــــــــــــلاتٍ لـه … في الجَوْفِ تُنْجِي مِن ألِيمِ العقابْ
فكيف أرْحـــــــامٌ له قد غَـــــدَتْ … حامِـلةً، تُصْلَى بنارِ العذابْ!] اهـ.

وقد شطَّرَ هذه الأبياتَ غيرُ واحد من العلماء كما في “سلك الدرر” (4/ 119، ط. البشائر).

الطَّرِيقُ الخَامِسُ: إِثْبَاتُ إِيمَانِ أُمِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
ودليله: ما أخرجه الحافظ أبو نعيم في “دلائل النبوة” من طريق الزهري، عن أم سماعة أسماء بنت أبي رهم، عن أمها قالت: شهدتُ آمنةَ أمَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في علتها التي ماتت فيها، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم غلامٌ يَفَعٌ له خمس سنين عند رأسها، فنظَرَتْ إلى وجهه ثم قالت:
باركَ فيـــك اللهُ من غُــــلامِ … يا ابنَ الذي مِن حَوْمةِ الحِمامِ
نجا بعونِ الملكِ المِنْعامِ … فُودِي غداةَ الضربِ بالسّــــهامِ
بمائة من إبــــــــلٍ سَـــــــــــوَامِ … إن صح ما أبصرتُ في المنام
فأنت مبعوثٌ إلى الأنــــــامِ … من عند ذي الجلال والإكرامِ
تُبعَثُ في الحِلِّ وفي الحرام … تُبعثُ بالتّخفيف والإســـلام
دين أبيك البَــــــــــرِّ إبراهـــــــــام … فاللهَ أَنهـــــــــاك عن الأصنام
أن لا تواليها مع الأقوام

ثم قالت: “كل حيٍّ ميتٌ، وكلُّ جديدٍ بالٍ، وكل كبير يفنى، وأنا ميتة وذكري باق، وقد تركتُ خيرًا، وولدتُ طهرا”. ثم ماتت، فكنا نسمع نَوْحَ الجنِّ عليها، فحفظنا من ذلك:
نبكي الفتاةَ البَرَّةَ الأمينةْ … ذاتَ الجمـــــــالِ العَفَّةَ الرزينةْ
زوجـــةَ عبـــد الله والقرينةْ … أمَّ نبـيِّ الله ذي السَّـــــــــــــكينةْ
وصاحب المنبر بالمدينةْ … صارت لدى حفـــــرتها رهينةْ
لو فُودِيَتْ لفُودِيَتْ ثمينةْ … وللمنـــــــــــــــــايا شفـــــــــرةٌ سَنِينةْ
لا تبق ظعَّــــانًا ولا ظَعِــينةْ … إلا أتَــــــتْ وقطــــــعَتْ وَتِــــــــينَهْ
أما حللتِ أيها الحزينةْ … عن الذي ذو العرش يُعْلِي دينهْ
فكلُّــــــــــنا والــــهةٌ حزيـــــنةْ … تبكيك للعطـــــــلة أو للزينـــــــــةْ
وللضعيفات وللمسكينةْ.

قال الحافظ السيوطي بعد إيراد هذا الأثر في “التعظيم والمنة” (ص: 26): [هذا القول مِن أم النبي صلى الله عليه وآله وسلم صريح في أنها موحدة؛ إذ ذكرَتْ دين إبراهيم، وبَعْثَ ابنِها صلى الله عليه وآله وسلم بالإسلام، من عند ذي الجلال والإكرام، ونهيَه عن عبادة الأصنام وموالاتها مع الأقوام، وهل التوحيد شيء غير هذا؟ التوحيد: الاعترافُ بالله وإلهيته وأنه لا شريك له والبراءة من عبادة الأصنام ونحوها. وهذا القدر كافٍ في التبري من الكفر وصفة ثبوت التوحيد في الجاهلية قبل البعثة..

ولا يُظن بكل من كان في الجاهلية أنه كان كافرا؛ فقد كان جماعة تحنفوا وتركوا ما كان عليه أهل الشرك وتمسكوا بدين إبراهيم صلى الله عليه وسلم وهو التوحيد؛ كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، فكلهم محكوم بإيمانه في الحديث ومشهود له بالجنة، فلا بدع أن تكون أم النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم، كيف وأكثر من تحنف إنما كان سبب تحنفه ما سمعه من أهل الكتاب والكُهّان قُرْبَ زمنه صلى الله عليه وآله وسلم؛ مِن أنه قَرُبَ بعثُ نبي من الحرم صفته كذا، وأم النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمعت من ذلك أكثر مما سمعه غيرها، وشاهدت في حمله وولادته من الآيات الباهرة ما يحمل على التحنف ضرورةً، ورأت النور الذي خرج منها وأضاءت له قصور الشام حتى رأتها كما ترى أمهات النبيين صلى الله عليهم أجمعين، وقالت لحليمة حين جاءت به وقد شُقَّ صدره وهي مذعورة: أخشيتِ عليه الشيطان؟ كلا والله، ما للشيطان عليه سبيل، وإنه لكائنٌ لابني هذا شأن. في كلمات أخرى من هذا النمط، وقَدِمَتْ به المدينةَ عام وفاتها وسمعت كلام اليهود فيه وشهادتَهم له بالنبوة ورجعت إلى مكة فماتت في الطريق. فهذا كله مما يؤيد أنها تحنفت في حياتها رضي الله تبارك وتعالى عنها، وجعل الجنة منقلَبَها ومثواها] اهـ.

خاتمة (نسأل الله حسنها):
وبعدُ؛ فإنَّ القولَ بأنَّ والديِ المصطفى ﷺ في النار قولٌ شاذٌّ مردودٌ، مرفوضٌ غيرُ صحيحٍ، لا يقومُ على دليلٍ قطعيٍّ، ويُصادمُ ظاهرَ القرآنِ في قاعدةِ العدل الإلهي: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ويُخالفُ ما قرَّره جمعٌ من أهلِ التحقيقِ في شأنِ أهلِ الفترة.

والجزمُ بمثلِ هذا الحكمِ في مقامٍ يقتضي كمالَ الأدبِ مع الجنابِ النبويِّ الشريفِ مجازفةٌ علميَّةٌ، لا يسندُها نقلٌ صريحٌ سالمٌ من الاحتمال، ولا إجماعٌ منعقدٌ يُحتجُّ به.
وعليه؛ فهذا الزعمُ باطلٌ لا يُلتفتُ إليه، والصوابُ التزامُ منهجِ التحقيقِ والإنصاف، وردُّ المتشابهِ إلى المحكم.
واللهُ أعلمُ.