مكانة والدي النبي ﷺ


بقلم د. محمود فتحي أبوالليل
دكتوراه في اللغويات (النحو والصرف والعروض)
مدرس بالجامعة المصرية للثقافة الإسلامية كازاخستان


إنّ الحديث عن والدي النبي محمد ﷺ ليس مجرد سردٍ تاريخي لنَسَبٍ شريف، بل هو وقفة إجلالٍ عند “الأصل” الذي تفرّع منه خير البشر.

هما اللذان اختارهما الله ليكونا وعاءً لأطهر نطفة، ومستودعاً لأعظم نور أشرقت به الأرض.

لم يكن اختيار عبد الله بن عبد المطلب وآمنة بنت وهب محض صدفة، بل كان اصطفاءً إلهياً في سلسلة الأنبياء. فلم يزل ينقل الله نبيا محمدا ﷺ من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات، حتى ولدته الطاهرة آمنة بنت وهب.

ويكفي والدي النبي ﷺ شرفاً أن اسمهما اقترن باسمه الشريف إلى يوم الدين. فكلما صلينا على النبي، تذكرنا ذلك الفرع الزكي الذي نبت في أصلٍ طيب.

فقد أديا الأمانة الكبرى في إيصال هذا النور إلى الدنيا، ثم ارتحلا مبكرين ليتولى الله رعاية نبيه بنفسه، فكانت يتمه ﷺ صقلاً لروحه وتعلقاً بخالقه وحده.

وبسببهما كان النبي ﷺ من أوسط العرب نسباً، وأكرمهم محتداً، مما قطع الطريق على المشركين في أن يلمزوا نسبه أو يشككوا في أصالته.

فعبد الله، ذلك الشاب القرشي الذي كان يُلقب بـ “الذبيح”، لم يكن مجرد وسيم من سادات العرب، بل كان يحمل بين عينيه “نور النبوة” الذي كان يتلألأ في وجهه ويخطف الأبصار.

كان يمثل قمة العفة والنزاهة في مجتمع يموج بالاضطرابات، وكأن الله أعده ليكون وعاءً طيباً لا كدر فيه.

أما آمنة، “زهرة قريش” وسيدة نساء زمانها قدراً ونسباً، فقد كانت هي الأخرى مهيأة لهذا الدور العظيم.

لم تكن مجرد أم، بل كانت مستودع السر الإلهي؛ ففي رحمها استقر النور، وفي أيام حملها رأت من الآيات والبركات ما جعلها تدرك أنها تحمل شأناً غير عادي. لقد نُقل عن السير أن حملها كان خفيفاً مباركاً، وكأن الجنين كان يؤنس وحشتها قبل أن يخرج إلى الدنيا.

ثم تظهر الغلاظة في وصف والدي النبي ﷺ بأوصاف لا تليق بمن نُقل من خلالهما أطهر نطفة. فالسياق الأدبي يقتضي أن “الأصل الطيب لا يثمر إلا طيباً”، ومن غلظت طباعه حاول أن يفصل بين طهارة الفرع (النبي ﷺ) وبين كرامة الأصل (والديه)، وهذا تصادم مع منطق الجمال والكمال النبوي.

إنّ من يغلظ القول في حق والدي النبي ﷺ إنما يضع حواجز بينه وبين كمال المحبة النبوية. فالأدب مع النبي ﷺ يقتضي سدّ كل باب يفتح جرحاً أو يبعث كدراً، والقول الفصل هو ما قاله العارفون: “كل ما يؤول إلى تنقيص قدر النبي ﷺ أو إيلام قلبه في أصوله هو مسلك مجافٍ للصواب وبعيد عن روح السنة.”

لقد نهى القرآن الكريم عن إيذاء النبي ﷺ، ومن أشد أنواع الإيذاء المعنوي هو النيل من أصوله. )إنّ الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة(.