التصوف بين الحقيقة والتشويه: قراءة علمية في ميزان الكتاب والسنة

بقلم الدكتور : محمد رضا الدرف من علماء الأزهر الشريف 

نرى البعض من الأخوة الكرام الذين نحبهم ونعلم صدق نواياهم وغيرتهم علي دينهم فينكر علي التصوف والمتصوفة ويلصق بهم التهم وينظرللمخالفين لمعتقده الذي يتبناه علي أنهم مبتدعة وكثير من قليلي العلم عموما يصورون التصوف علي أنه مذهب البدع والضلال وعلي ذلك يخرج المتهكم ومن يتهم غيره بالزندقة وبالكفر والشرك مع كونه يعلم أنه سيحاسب أمام الله علي هذا الافتراء والبهتان العظيم .

ولذلك أقول ومن الله التوفيق بعد الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله صل الله عليه واله وسلم. أولا اقول لسادتناالأكارم من الأصدقاء والمتابعين والعامة رجاء تمهلوا التصوف هو الكتاب والسنة وما عليه التابعين وتابعي التابعين و هو خير الطرق والسبل وهو ما عليه السواد الأعظم من الأمة وما يحدث من مخالفات من المتمذهبين الذي يشوهون صورالتصوف.

فالعيب علي المتمذهبين وليس علي المذهب يقول الإمام القشيري في كتابه الرسالة القشيرية **التصوف علم قصده إصلاح القلوب وافرادها لله تعالي عما سواه فبما أن علم التصوف هدفه إصلاح القلوب فهناك علم الفقه وهو علم يقصد به إصلاح العمل وبما أن الله لا ينظر الى صورنا ولا اجسامنا ولكن ينظر الى قلوبنا واعمالنا فبالأحري إصلاح قلوبنا قبل كل شي وهذا هو الركن الأساسي لعلم التصوف.

ولذلك يقول ابن عجيبه **التصوف علم يعرف به كيفية السلوك الي حضرة ملك الملوك وتصفية البواطن من الرذائل وتحليتها بأنواع الفضائل وأوله علم وأوسطه عمل وآخره هبة من الله تعالى. **وايضا يقول الإمام الجنيد التصوف هو صفاء النفس وفناء الذات مع الناس لإثباتها مع الله وهذه هي الغايه التي خلقنا من اجلها. يقول الله تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون.

ولمن يقولون بأن التصوف لم يكن في القرون الفاضلة ولم يكن عليه الصحابة فاري من يتحدث عن التصوف وكأنه دين جديد ويقول بأنه لم يكن في القرون الفاضلة ياأخي الكريم التصوف ليس عقيدة ولا ديانة جديدة وإنما هو سبيل وطريق وعلم وعمل وجهاد للنفس فالله قال في سياق القرآن الكريم (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)

التصوف هو صفاء النفس وفناء الذات مع الناس لإثباتها مع الله التصوف هو الكتاب والسنة وماكان عليه التابعين والخلفاء الراشدين الذين قال فيهم رسول الله صل الله عليه وآله وصحبه وسلم (عليكم بسنتي وسنت الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)

في لفظ الامام النووي الذين قال عنهم ربهم الا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولاهم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشري في الحياة الدنيا وفي الآخرة وبهذا الصنيع نالوا الولاية والقرب إذ شرط الولي ان يكون تقي ولولا ذلك ما كان وليا ولذلك يقول الإمام الجنيد اذا رأيتم الرجل يطير في الهواء ويمشي علي الماء ولم يتشرع فهو شيطان ومعني يتشرع اي يكون ملتزما بالكتاب والسنة وما عليه اثر السلف والخلف كل ما يخالف الكتاب والسنة فليس من التصوف في شيء .

وهو أول وأوسع ابواب المحبة والإيثار والوصال مع الله بالطاعات وكثرة ذكر وتسبيح وتهليل وتكبير الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلي جنوبهم (ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار) ثم خوف ورجاء وامل وشوق فإذا صفت قلوبهم اصطفاهم ربهم من دون خلقه وتولاهم بعنايته فقال (وهو يتولي الصالحين)

[اصدقائي الكرام مع كل الاحترام والتقدير كل ما يلصق بالتصوف غير صحيح هذا فهم المخالف فوسائل الإدراك متفاوتة وأنا ذكرت لكم التصوف الصحيح وبعض قواعده في منشور سابق فلا يصح أن تأتي بأمور شاذة وتقول للناس هذا هو التصوف وتشوه مذهب اتفق عليه السواد الأعظم من الأمة بل إن علماء الإسلام قاطبة كانوا متصوفين عقيدتنا هو ما تعلمناه في ازهرنا الشريف الوسطية الكاملة بعيدا عن المغالين والمتعصبين ونحب جميع علماء الأمة ازاهرة وغير ازاهرة حتى من يدعون أنهم سلفية الذين نختلف معهم في كثير من الامور ونتفق معهم في كثير من الأمور فنحن تعلمنا من التصوف ومن المؤسسة الرسمية المنوط بها نشر العلم الصحيح ألا نسب أحدا ولا نتهكم على أحد ممن يخالفنا ونغضب لذلك مع علمنا أنهم ليسوا من أهل التخصص ولا يصح لغير المتخصص أن يناطح المتخصص والتخصص الديني ليس كأي تخصص فالله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) الخ وهذا يدل على أننا نحب الحق ولا نتحيز الي فئة.

ولابد وان نتعلم ثقافة الإختلاف فديننا دين خلق قبل علم والعلم الذي لا ينفع صاحبه ويرقي بأخلاقه ويسمو بها لا فائدة منه فالجهل خير منه والإمام ابن القيم يقول الدين كله خلق فمن زاد عليك في الدين زاد عليك في الخلق ومن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين إذن الدين كله خلق أيها المخالف اختلف كما تشاء وانقد وانقض بأدب دون سب وتكفير فالله قال (وقولوا للناس حسنا) وهذه صيغة من صيغ العموم في القرآن الكريم حتي الكافرين حتي اهل الكتاب كل الملل والعقائد مع اختلاف منهجهم وفكرهم فما بالك بالمسلم الذي يبدع ويكفر ويتهم بالزندقة ليل نهار ويسب الصالحين بحجة أنهم يعبدون من دون الله وهذا محض افتراء.

 أيها السادة التصوف عمل وطريقه وذكر وعبادة وشوق وخوف ورجاء وتوكل وزهد ومعاملات واخلاق هو صفاء النفس وفناء الذات مع الناس لإثباتها مع الله اما غير ذلك فليس من التصوف في شئ هؤلاء متمصوفة ولا يعرفون شيئا عن التصوف فإذا احسنت الصفاء وصلت للإصطفاء والله قال ومن يتول الله وقال الله ولي الذين آمنوا وهذه درجة اي هم الذين تولوا الله بالحب والذكر والعشق وهناك صنف آخر قال فيهم وهو يتولي الصالحين وانتم تسبون الصالحين التي لا تصح صلاتك الا بالسلام عليهم في تشهدك في كل صلاة الذين قال فيهم رب العزة تتجافي جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون.

التصوف هو معرفة الفضل لأهل الفضل من آل البيت والأولياء الصالحين أما من ناحية الذهاب إلى الاضرحة والدعاء هناك لابد من تحري أماكن البركة التي يستجاب فيها الدعاء وقد ثبت أن النبي كان يشد الرحال الى مسجد قباء كل سبت وسيدنا زكريا لما دخل علي السيدة مريم وجد عندها رزقا قال يامريم أني لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. بعدها مباشرة في الآية التي تليها هنالك دعا زكريا ربه اي في هذا المكان المبارك لأن تحري أماكن استجابة الدعاء من أصول الدعاء فالعيب ليس علي المذهب إنما هو هبة وتوفيق من العلي القدير لمن احبهم واحبوه والعودة في مقال آخر عن التصوف والله اعلم