التفكر سبيل الوصول

بقلم الشيخ محمد رجب أبو تليح الأزهرى عضو إدارة الفتوى وبحوث الدعوة بوزارة الأوقاف

التفكر نعمة عظيمة من الله، هي سبيل الوصول إلى الحق بفضل الحق سبحانه، قال تعالى:

{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: 44). فأنزل سبحانه ما يُحيي القلوب، وجعل التفكُّر سراجَ العقول، فقال: «لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ».

قال الهروي في كتابه: «منازل السائرين»: ” أن التفكر تلمس البصيرة لاستدراك البغية». وهو على ثلاثة أقسامٍ لا رابع لها: فكرة في عين التوحيد، وفكرة في لطائف الصنعة، وفكرة في معاني الأعمال والأحوال.فأمّا الفكرة في عين التوحيد، فهي اقتحام بحر الجحود، الذي لا ينجو منه إلا من «اعتصم بضياء الكشف والتمسك بالعلم الظاهر»؛ إذ لا يبلغها العقلُ وحده، بل تحتاج إلى نورٍ يُكشف به الغيب، وإلى علمٍ يُؤخذ عن الوحي.

وهذا بحر غير آمن، من ركبه من غير سفينة العلم غرق. فسيل النجاة فيه التعلم والوقوف على الأدلة الشرعية الإجمالية منها والتفصيلية.

وأمّا الفكرة في لطائف الصنائع، فهي «ماءٌ يسقي زرع الحكمة»، تُثمر بصيرةً في آيات الله المبثوثة في الآفاق، وتُورق يقينًا في قلب المتأمل.

لأن منهج الهداية أن تصحبك لطائف العناية الربانية، فترى آثار الحق في الخلق، فلكل أثر مؤثر، ولكل صنعة صانع، حتى يرقيك فلا ترى في الوجود إلاه، فتكون ممن يستدل به على خلقه. وليس ممن يستدل بخلقه عليه.

فلا يغترّ الإنسان بعقله، ولا يتوهّم أنه يدرك كنه الذات الإلهية، بل يقرّ بعجزه، ويُسلم لربه، ويعتصم بتعظيمه.

وأمّا الفكرة في معاني الأعمال والأحوال، فهي: «تسهِّل سلوك طريق الحقيقة»، لأنها تربط بين الظاهر والباطن، وبين العمل ونيّته، وبين الحالة ومقصدها.
ثم يرقى صاحب القلب إلى منزلةٍ أسمى، وهي التذكّر، التي قال الله فيها: {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يَنِيبُ}، (غافر:13).

قال الهروي: «التذكّر فوق التفكر؛ فإن التفكر طلب، والتذكّر وجود».
فالتفكر بابُ الطلب، والتذكّر بابُ الوصل؛ الأول يسعى، والثاني وصل.

فيا من تروم السلوك إلى الله، خُذْ من التفكر سراجًا، ومن التذكّر نورًا، ومن الاعتصام حبلًا؛ فبهذه المنازل يرقى العبد، وبها ينجو من ظلمات الجهل إلى أنوار اليقين. والحمد لله رب العالمين.