مشرط العلم بين يد الجزار وقلب الطبيب الإنسان
9 فبراير، 2026
الحقوق فى الإسلام

بقلم د. تاليا عراوي كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان
حين يغدو الموت استعراضاً يُباع ببطاقات الائتمان، وتتحول رفات الواهبين من ‘رسائل عِلم’ إلى ‘تذاكر ترفيه’، نعلن صراحةً دخولنا عصر السلعنة المطلقة للإنسان. لم تكن الفضيحة التي هزت الأوساط الدولية مجرد خرق بروتوكولي، بل كانت إعلاناً عن قيام ‘مسرح تشريح ترفيهي’ داخل قاعات الفنادق، حيث وقف جمهورٌ دفع مبالغ باهظة يراقب مبضع الجراح وهو ينتهك جسداً كان صاحبه يظن أنه يهبه لخدمة البشرية، فإذا به ينتهي وقوداً لأرصدة شركاتٍ تتاجر بالفناء. إن هذه الواقعة التي نظمتها مؤسسات تحت غطاء ‘علوم الجريمة’ و’الطب الشرعي’ ليست إلا اغتيالاً لقدسية الجسد تحت مسميات زائفة، محولةً مختبر التشريح من محرابٍ للعلم إلى سيركٍ للمشاهدة الفجة.
تجسد هذه التجاوزات الصادمة) والتي كشفتها تحقيقات استقصائية دولية (الوجه القبيح لما يُعرف بتجار الأجساد؛ حيث تُباع الأجساد كسلع مجهولة الهوية في بيئات تفتقر لأدنى معايير الوقار الطبي. فبينما كانت العائلات المفجوعة تعتقد أنها تساهم في صياغة مستقبل الطب، كانت جثث أحبائهم تُقطع أمام حشود دفعوا مقابل ‘فرجة’ تجرد المتوفى من كرامته وتختزل تاريخه الإنساني في عرضٍ مدفوع الثمن. إننا أمام انحدار مروع من حكم القانون الذي يحمي الحقوق، إلى قانون الغاب الذي يقدس الربح؛ حيث تلاشت الحدود بين البحث العلمي النبيل والاستغلال التجاري المتوحش. إن هذا الامتهان الصارخ للأجساد يعيد إلى الأذهان أبشع صور التوحش التاريخي، كالذي فعلته هند بنت عتبة بجثمان حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، حين مَثّلت بجسده وشقته لتخرج كبده، وهو مشهدٌ واجهه الإسلام بتشريع أخلاقي صارم؛ إذ نهى النبي ﷺ نهياً قاطعاً عن المُثلة (التمثيل بالجثث) ، مرسياً ميثاقاً يحفظ حرمة الميت ويمنع تحويل الجسد إلى مادة للتشفي أو العرض.
من رحم هذا الانتهاك الصارخ، ينطلق هذا النص ليصيغ رؤية فلسفية تستعيد قدسية الإنسان المفقودة. نحن نرفض رؤية الجثة كمادة صماء أو أداة للعرض، بل نراها سردية حياة محفورة بالوقار والتاريخ. ومن هنا، ندعو للعودة إلى رحاب ميثاق المعلم الصامت؛ ذلك العهد الأخلاقي الذي يرسخ في وجدان طالب الطب أن الجسد أمانة ربانية ومجتمعية لا تقبل القسمة على منطق السوق’. إننا نسعى لتحويل طاولة التشريح من مساحة للتحليل التقني البارد إلى محرابٍ يُستقى منه الرفق، ويُمارس فيه الامتنان، ويُعاد فيه الاعتبار لكرامة الإنسان التي لا تنتهي برحيل أنفاسه. ويتعدى هذا الاحترام حدود طاولة التشريح ليصل إلى واجب الترميم والستر؛ فمن حق المعلم الصامت على طلابه أن يُعاد وقار جسده عبر رتق الشقوق الجراحية بعناية فائقة (Sutures)، اعترافاً بفضله وصوناً لجسده من الهوان، وصولاً إلى تأمين دفن لائق ومحترم يواري الجسد الثرى بقدسية تليق بإنسان كرمه الله.
وتأتي هذه الفضائح كصيحة إنذار تذكرنا بمدى سهولة طمس الخط الفاصل بين البحث العلمي وانتهاك كرامة الإنسان، إذ تسلط هذه الحوادث الضوء على حالة من فقدان الذاكرة الثقافي المتزايد تجاه قدسية الجسد، وهو توجه يعكس هوس مجتمعاتنا المعاصرة بمعاملة الجسد ككائن قابل للتشكيل لا كوعاء مقدس للهوية. ويتجلى هذا الفقدان للتبجيل بشكل صارخ في علاقتنا بالوجه البشري، الذي لم يعد يُنظر إليه كسطح بيولوجي بل كأرشيف حي، وسردية لحياة عيشت وكُتِبَت بمداد الخبرة الذي لا يُمحى؛ فكل غضون وطية في الوجه تقف كشاهد على مرور الزمن وثقل العواطف، مشكلةً خارطة للروح لا يمكن لأي تصنع أن يحاكيها. إن تلك الخطوط الدقيقة التي تشع من زوايا العينين، والتي تُختزل أحياناً كأثر لتقدم العمر، هي في الحقيقة أصداء محفورة لآلاف الابتسامات، وتاريخ بصري لبهجة أبت أن تُنسى، وعلى النقيض، فإن الأخاديد العميقة على طول الجبهة أو الظلال المهيبة قرب الفم تمثل تضاريس الصمود، فهي تحكي عن ليالٍ قُضيت في السهر، وعن أعباء حُملت في صمت، وعن التأملات العميقة التي تشكل كينونة الإنسان. إن هذه التجاعيد هي أوسمة النجاة، والتجلي المادي للعالم الداخلي الفريد لكل شخص، فحين ننظر إلى وجه شاخ بشكل طبيعي، نحن في الواقع نقرأ سيرة ذاتية تتجسد في الحاجب المرفوع بشك، ونظرة العين الضيقة بعزيمة، والملامح التي لانت بفعل التعاطف.
وفي غمرة اندفاعنا المعاصر لمحو هذه العلامات، نحن لا نسعى وراء الشباب فحسب، بل نمارس نوعاً من المراجعة التاريخية للذات، فمن خلال شل العضلات التي تعبر عن الحزن أو ملء الفراغات التي تنطق بالحكمة، نحن نجرد الوجه من قدرته على التواصل، وما يتبقى بعد التدخل العيادي ليس سوى قناع صامت، أملس، وبلا صوت تماماً. إن فقدان تجاعيد المرء يعني فقدان علامات الترقيم في قصة حياته، مما يترك وراءه وجهاً قد يبدو جميلاً بالمعايير الاصطناعية، لكنه نسي كيف يروي قصة من كان، وهذا الفقدان للتميز يعد خروجاً عن معجزة الفرادة البشرية التي تبدأ من أطراف أصابعنا، حيث تشكل النتوءات والأخاديد نمطاً لم يتكرر أبداً في تاريخ البشرية؛ هذا التوقيع الإلهي على الفردية خلّده النص القرآني في قوله تعالى: بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ، وهو تذكير عميق بأن أصغر جزء فينا هو شاهكار من التميز. وتعد هذه القدسية للجسد البشري حجر زاوية في الفكر الإسلامي، الذي يقرر أن الجسد أمانة استودعها الخالق، ويمتلك كرامة متأصلة تظل مصونة في الحياة والممات على حد سواء، فقد رفع القرآن من شأن الإنسان بقوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ، وهو إعلان يحمي الفرد من الإهانة أياً كانت حالته. وهذه الكرامة لا تنطفئ بخروج الأنفاس من الرئتين، فقد ساوى النبي محمد ﷺ صراحة بين الاحترام المادي الواجب للمتوفى وذلك الواجب للحي في قوله الشهير: كسر عظم الميت ككسره حياً، ويسجل التاريخ أن الصحابة اتبعوا ذلك بدقة، فحين كانوا يجهزون موتاهم، كانوا يفعلون ذلك برفق شديد، وكأن الشخص لا يزال يشعر بلمساتهم.
ويقف هذا التكليف الروحي في تضاد صارخ مع النزعة الجراحية الحديثة التي تعامل الجسد كبلاستيك أو صلصال يُشكل من أجل الغرور، بينما تاريخياً، كانت الجراحة في الوجه عملاً من أعمال الضرورة والرحمة؛ ونرى ذلك في أعقاب الحروب العالمية، حيث صار الجراحون في الخنادق نحاتين للوجوه المهشمة، محاولين إعادة بناء ملامح الجنود التي مزقتها الشظايا. لقد كان هدفهم هو الترميم، أي إعادة الجسد إلى حالة طبيعية قد تكون مشوهة بالندوب لكنها جميلة في أصالتها، كما نرى ذلك أيضاً في قصة جوزيف ميريك، الرجل الفيل، الذي كانت حاجته للجراحة استغاثة لاستعادة مظهره البشري الأساسي وكرامته، فكانت تلك تدخلات وُلدت من رحم الحاجة، وبعيدة كل البعد عن السعي المعاصر وراء مثالية زائفة. إن قدسية الهوية هذه تُستشعر بعمق في أروقة كليات الطب، حيث يبدأ طلاب السنة الأولى رحلتهم في مختبر التشريح، وأمام جسد سلم حياته للعلم، يشارك الطلاب في تقليد غارق في التبجيل الصامت، فيُغطى الجسد، ويكون الوجه مستقر الروح هو آخر ما يُسمح لهم بكشفه في نهاية العام، وهذا التأجيل هو اعتراف بأن الوجه ليس مجرد أنسجة وعظام، بل هو مستودع للقصص وحياة تظل مفتوحة حتى في الموت، مما يجعل تلك المواجهة اللحظة الأكثر رهبة للطالب.
ومع ذلك، يكشف التاريخ عن جانب أكثر قتامة، حيث ظهر توجه نفسي لنزع الإنسانية عن الجثة كوسيلة للتكيف مع وطأة التشريح، فقد لجأ الطلاب أحياناً إلى إلقاب باردة لتجريد الجسد من شخصيته، ولعل أبرز مثال على ذلك تلك الحكاية المروعة لطالب طب أطلق على الجثة التي يشرحها اسم مرسيدس، وحين سُئل عن هذا الاختيار، أجاب بمادية جوفاء: لأن هذا الجسد هو المركبة التي ستجعلني ثرياً بما يكفي لأشتري واحدة. في مثل هذه اللحظات، يُختزل الكائن البشري إلى مجرد أداة، أو سلعة في طريق الثراء، ويعد هذا الانفصال نذيراً مخيفاً لعصرنا الحديث، حيث لا يُعامل الوجه كسردية مقدسة بل كسطح يُعاد تشكيله ليحول قصة حياة فريدة إلى منتج اصطناعي. لقد كان تاريخ مختبرات التشريح غالباً صراعاً متناقضاً بين التبجيل وآلية الدفاع المتمثلة في الفكاهة السوداء؛ فلقرون، سعى البعض للنأي بأنفسهم عن وطأة الفناء عبر اختزال الجسد البشري إلى مجرد كائن أو رقم على منصة بدلاً من إنسان له اسم، وقد تجلى هذا الانفصال في تصرفات عابثة لكسر الصمت الخانق في الغرفة، ففي تلك اللحظات، لم تكن الجثة إنساناً، بل كانت موضوعاً أو عينة في طقوس العبور.
وإدراكاً مني بأن تشريح الكائن البشري يجب أن يكون درساً في التعاطف بقدر ما هو في البيولوجيا، استحدثتُ جلسة تحويلية حول الإنسانيات ضمن منهج التشريح في المستشفى التعليمي، وكان الهدف تذكير الطلاب بأن هذا الجسد هو معلمهم الأول؛ إنسان عاش وضحك وبكى تماماً كما يفعلون. إن دورة التشريح يجب أن تُستغل لغرس وتنمية التعاطف، والانتقال من مجرد تحصيل المعرفة التقنية إلى تطوير الذكاء العاطفي المطلوب للممارسة الإكلينيكية الصالحة، ومن أجل ذلك صممتُ تمريناً يتحدى الطلاب لتجاوز المشرط والتفاعل مع سردية الشخص الماثل أمامهم من خلال النظر بعناية إلى أكثر عضوين تعبيراً عن التواصل البشري: الوجه واليدين. لقد طُلب من الطلاب مراقبة اليدين بحثاً عن ثآليل الكدح، أو بقع الحبر المتغلغلة في المسام، وتخيل العمل الذي قامت به تلك الأيدي؛ هل كانت يدي عازف بيانو، أم عامل يدوي، أم أم حنون؟ ثم انتقلوا إلى الوجه، يتأملون نقوش الزمن، محاولين فك شفرة القصة التي ترويها خطوط الجبهة أو هيئة الفك. ومن خلال ذلك، بدأ الطلاب في كتابة سيرة ذاتية متخيلة ومحترمة لمعلمهم، لينتقلوا من رؤية الجسد كمركبة مادية إلى رؤيته كوعاء مقدس للتاريخ، إن هذا التمرين يركز بشكل جوهري على الاحترام والكرامة، مؤكداً أن الجسد البشري يستحق التبجيل في موته تماماً كما في حياته، مما يضع سابقة أخلاقية راسخة لكافة تفاعلاتهم المستقبلية مع المرضى. كما أنه يمثل الوسيلة المثلى لمواجهة نزعة الاهتمام المنفصل، وتشجيع الطلاب على البقاء متفاعلين وجدانياً ورحماء، بدلاً من تبني نهج جاف وغير شخصي في رعاية البشر. ولختم رباط الاحترام هذا، افتتحتُ حفل ختام في نهاية الدورة، حيث اجتمع الطلاب وأعضاء هيئة التدريس حول الجثث كبشر رفقاء، وفي ذلك الفضاء المشترك، قدمنا لحظات من الصلاة والتأمل، كلٌ حسب معتقده، واقفين في صمت لتقديم الاحترام الأخير للمعلمين الذين قدموا أجسادهم حتى يتعلم الآخرون الشفاء. لقد كانت تلك استعادة للكرامة، وتحويلاً للمختبر من مكان للتشريح البارد إلى ملاذ للامتنان، لضمان أن قصة الروح البشرية، المحمية بمرسوم إلهي والمكرمة بالتعاطف الإنساني، لن تُمحى أبداً.
ولعله من الضروري، كما هو الحال في مراسم المعطف الأبيض حيث يُقسم طلاب الطب حول العالم قَسَم أبقراط إيذانًا بدخولهم المهنة، أن تبدأ رحلة الطالب في مختبرات التشريح بقَسَمٍ يرسخ قُدسية الجسد، وهو ميثاق أخلاقيات التشريح .
باسم الله، خالق النفس وبارئ النسم، وفي مِحراب العلم وأمام جلال آياته في خلق الإنسان، أُعلن أنا طالبُ العِلمِ والمؤتمنُ على أمانةِ الجسد، ميثاقي الأسمى وأُشهد الله عليه:
• أُقِرُّ بأنَّ هذا الجسد أمانةٌ ربانية سيّجها الإيثار، أودعني إياها صاحبُها ليكون رحيلُه جسراً لحياة الآخرين؛ فأعاهد الله على حفظ الوديعة، جاعلاً من علمي “قُربةً” ومن اجتهادي سبيلاً لإحياء النفس التي كرّمها الخالق.
• أتعهدُ بتبجيل البصمة الإنسانية الفريدة في هذا البنيان، وبالنظر إلى ملامح الوجه وآثار اليدين بعين الإجلال؛ فلا أرى فيها مجرد أنسجة، بل سيرة روحٍ صاغها الله بفرادةٍ لا تتكرر، وشاهداً على حياةٍ حُبكت بالكدح والأمل.
• ألتزمُ برعاية هذا الجسد برفقِ الأحياء وسِتْرِهم؛ إيماناً بأنَّ الكرامة لا تنطفئ بالارتحال. سأحرسُ قدسيّة هذا المِحراِب من دنس السلعنة، مستشعراً رقابة الله في سكون المختبر، وصادّاً عن حُرمة الميت كلَّ نظرةٍ تجرح وقاره.
• أتعهدُ أمام الله ألا تطغى جفوة المصطلحات على رحمة الكينونة، وألا تتسلل القسوة لروحي خلف ستار العِلم؛ بل أستنطقُ هيبة الفناء لتُعلّمني اللين، فأكون طبيباً يداوي آلام النفس قبل أوجاع البدن.
• ألتزمُ بجعل “معلمي الأول” منارةً تقمعُ غروري وتُذكّرني بهشاشة الوجود. سأخرج من حضرة الموت بحقائق حُرمة الإنسان منقوشةً في وجداني، معاهداً الله أن أظلَّ حارساً للكرامة البشرية؛ أصونها في المَحيا، وأحفظها في الممات.
على هذا العهد الوثيق أمضي، وبحبل الله أعتصم، إعلاءً لقيمة الإنسان ووفاءً للأمانة.. وباسمه عزّ وجلّ أبدأ.
إن هذا الميثاق الأخلاقي لا يكتمل بمجرد نطق اللسان، بل باستشعار الأساتذة والمربين لعظم الأمانة قبل طلابهم؛ فالعلم في جوهره ليس تكديساً للمعلومات، بل هو خشيةٌ تترجم كرامةً وصوناً للنفس البشرية. وهنا يتجلى الثقل الأخلاقي في قوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ؛ فالآية تحمّل المعلم مسؤولية مضاعفة بأن يكون هو القدوة والبرهان، محولاً مختبر التشريح من قاعة للتحليل الجاف إلى محرابٍ يورث فيه أدب العلم قبل تقنياته، ويغرس في وجدان طلابه هيبة الخالق من خلال إجلال خلقه.
من هذا المنطلق، يبرز السؤال الوجودي الأصعب أمام طغيان المشرط وسطوة التكنولوجيا: كيف نستبقي المعنى في زمن المادة؟ إن كل جسدٍ يُسجى على تلك الطاولة ليس مجرد خارطة بيولوجية صماء، بل هو سردية إنسانية مكتملة، ووصية أخلاقية صامتة تختبر قدرتنا على البقاء كبشر.
إننا حين نُغلق الغرز الجراحية الأخيرة برفق الإحسان، ونواري المعلم الأول ثراه بوقار، لا نكون قد أتممنا طقساً تعليمياً، بل نكون قد أودعنا في ضمير الجيل القادم أمانةً لا تبلى؛ فالموت هنا لا يوارى، بل يُستنطق ليغرس في قلب الطبيب رؤيةً تتجاوز حدود الأنسجة لتلامس جوهر الإنسان. إنها صرخةٌ في وجه عصر السلعنة لتأكيد أن كرامة الجسد ليست مادةً خاضعة لقوانين السوق، بل هي سرٌّ مقدس وحصنٌ أخلاقي يحرسُه الضمير قبل التشريع، ويبقى عصياً على الامتهان مهما بلغت الوحشية المادية ذروتها.