حين يصنع بعض رجال الدين الإلحاد بأيديهم

بقلم الاستاذة: سيده حسن

ليس كل من ابتعد عن الدين فعل ذلك بدافع فساد أو عناد، ففي حالات كثيرة كان الابتعاد نتيجة صدمة عقلية، حين اصطدم السؤال الصادق بجدار من الإنكار أو التخويف أو الإجابات الجاهزة التي لا تراعي تعقيد الواقع ولا طبيعة العقل الباحث.

أحد أخطر أسباب التشويش الفكري لدى الشباب اليوم هو قصور الخطاب الديني، لا من حيث النية بالضرورة، وإنما من حيث الأدوات والمنهج والقدرة على التعامل مع الأسئلة المركبة والتحديات الفكرية المعاصرة. فالشاب حين يطرح تساؤلًا فكريًا أو تاريخيًا، ويُقابل بإجابة مغلقة، ثم يكتشف لاحقًا أن المسألة أوسع، وأن في التراث نفسه تنوعًا واختلافًا معتبرًا، لا تنهار المعلومة وحدها، بل تنهار معها الثقة.

الدين في جوهره لا يخاف من السؤال، ولا يحتاج إلى إجابات تُسكِت العقل بدل أن تفهمه. غير أن الإشكال يبدأ حين يُقدَّم وكأنه كيان هش يحتاج إلى تلميع دائم وحراسة مشددة، وحين يُفرض فهم واحد بوصفه الحقيقة النهائية، ويُغلق باب الاجتهاد والنقاش، فيتحول الخلاف من مساحة فهم وتدبر إلى منطقة محرّمة لا يجوز الاقتراب منها.

ومن أسباب التشويش كذلك طريقة التعامل مع التاريخ الديني، حين يُقدَّم بصورة مثالية لا تشبه الواقع، أو حين تُحمَّل العقيدة أفعالًا هي في حقيقتها نتاج صراعات بشرية وسياسية، مع تأليه بعض الرموز وتحويلها إلى صور فوق المساءلة. فالتاريخ بطبيعته مليء بالصراع والتناقض، وهذا لا يخص أمة بعينها، بل هو سمة ملازمة للتجربة الإنسانية، غير أن الخطورة تكمن في غياب التفريق الواضح بين الدين كنص وقيم، وبين التاريخ كتجربة بشرية تخضع للصواب والخطأ.

وحين يُغفل هذا الفصل، يتحول الاطلاع على التاريخ من معرفة واعية إلى صدمة مربكة، ومن الصدمة يبدأ التشويش. فالجيل المعاصر يقرأ ويقارن ويصل إلى المعلومة في لحظات، ويكتشف التناقض بسرعة، وحين يُقدَّم له خطاب قائم على التخويف أو تبسيط مخلّ يقترب من التزييف، لا يشعر بالهداية، بل يشعر بالإقصاء، وهنا يبدأ ما يمكن تسميته بالانسحاب الصامت.

وليس كل انسحاب تمرّدًا، ولا كل شك فجورًا، ولا كل سؤال تهديدًا للإيمان. ففي كثير من الأحيان يكون السؤال هو المحاولة الأخيرة للعقل كي يبقى داخل الدائرة لا خارجها. ومن هنا تتجلّى خطورة من يتصدّر للخطاب الديني دون تأهيل كافٍ، إذ لا يكفي الحضور أو البلاغة أو حسن النية، بل لا بد من علم راسخ، وثقافة واسعة، ووعي بالخلاف، وقدرة على التمييز بين الثابت والمتغير، لأن الدين لا يُنقَذ بإسكات الأسئلة، بل باحتوائها وتأطيرها تأطيرًا علميًا نزيهًا.

وفي هذا السياق يأتي قول الله تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
ليؤكد أن الخطاب الديني ليس متاحًا لكل من تصدّر، بل هو مسؤولية علمية كبرى، لا يحملها الإخلاص وحده، وإنما التأهيل والوعي والأمانة.

فالدين الإلهي أوسع وأعمق وأصدق من أي تقديم بشري محدود، وأخطر ما يمكن فعله به ليس نقده أو مساءلته، بل تقديمه بصورة لا تشبهه، ثم مطالبة العقول بالإيمان بها.