البُرْهَانُ المُسْتَبِين فِي نَجَاةِ وَالِدَيْ خَيْرِ المُرْسَلِين ﷺ


بقلم الاستاذ : محمد عطية 

​إنَّ المتدبر في أسرار البيان الإلهي، والمستمسك بعروة لغة العرب، يدركُ يقيناً أنَّ القول الراجح والصحيح هو أن “آزر” كان عمَّ الخليل إبراهيم عليه السلام وليس والده، وفي هذا البرهان مفتاحٌ لغويٌّ يقطع دابر الشبهات حول نجاة والدي حضرة سيدنا النبي ﷺ. وهذا ميزانٌ علميٌّ صرف، وليس ميزاناً عاطفياً حتى لا نُتَّهم بأننا ندافع محبةً وليس علمياً، وإن كان شرفاً لنا هذا الاتهام.

​فبناءً على ما قرره ابن منظور في “لسان العرب”، يُفرق القرآن الكريم بدقة معجزة بين لفظ (الوالد) الذي لا يُطلق إلا على الأب المباشر من الصُّلب حصراً، وبين لفظ (الأب) الذي يتسع لغوياً ليشمل العمَّ والجدَّ والمربي؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ولم يقل (وبالأبوين)، لقصره على أصل الإنسان المباشر الذي لا يحتمل المجاز أو دخول العم فيه. وتأمل في الميراث المجمع عليه؛ كان النص الحاسم: ﴿وورِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ ولم يقل (والداه)، لأن “الأب” قد يكون الجد وهو داخل في الميراث بالحجب، وهذا من سعة اللفظ.

​وتأمل أيها المحب لوالدي حضرة سيدنا النبي ﷺ- أنَّ المقصود حينما يكون الأب الحقيقي يقول القرآن: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ﴾، ولما قَصَد العم قال: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾. والمتتبع لآيات القرآن الكريم يجد أن كل الآيات ذكرت لفظ (أبيه) في حق آزر، ولم تذكر لفظ (والده) أو (والدته) إلا في مقام الدعاء لهما بالمغفرة والرحمة. والدليل القاطع من القرآن على إطلاق “الأب” على “العم” هو قوله تعالى عن بني يعقوب: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾؛ وإسماعيل هو (عمّ) يعقوب بنص القرآن وسماه “أباً” على سبيل التوقير، وقد قال النبي ﷺ: “عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ”. فلو كان آزر هو الوالد، لكان إبراهيم قد خالف أمر الله واستغفر لمشركٍ تبرأ منه سابقاً، وهذا محالٌ في حق المعصوم.

​وبهذا يزول إشكال حديث “أبي وأبوك في النار”؛ ويُحمل لفظ “الأب” فيه على “العم” صيانةً لمنصب النبوة. وعليه، فإن والدي حضرة سيدنا النبي ﷺ (عبد الله وآمنة) ناجيان وطاهران بيقين؛ فقد نصَّ القرآن على طهارة هذا النسب: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، فاستحال لغوياً وشرعياً أن يكون في نَسَب المصطفى ﷺ مشركٌ واحد؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، والنبي ﷺ يقول عن نفسه: “خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ، وَلَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ، مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى أَنْ وَلَدَنِي أَبِي وَأُمِّي”، فكيف يجتمعُ “النَّجَسُ” مع مَن هو “طاهرٌ مُطهَّر” في أصلابٍ زكية؟ وكيف يتقلبُ النورُ النبويُّ في “أنجاس”؟ حاشا لله، بل هما سلالة توحيد، وناجيان ببركة الصُّلْب الطاهر وبحكم “أهل الفترة” الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.

​ومن العجيب ايضا أن تتنوع أقوال كفار قريش للنبي ﷺ بين التكذيب، والاتهام بالسحر والجنون، والمساومة، ومع كل هذا الحقد لم يثبت تاريخياً أنهم اتهموا والدي النبي ﷺ بالكفر، بل كانوا يعيبون عليه تركه لـ “دين الآباء”؛ فإذا كان الكفار لم يرموهما بنقيصة، فكيف يجرؤ مسلمٌ على ذلك؟

وإننا لنتعجب كيف يستميت البعض في تأويل حديث التوسل الصحيح الصريح: “اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة”، فيحولون ( التوسل بالذات) إلى (التوسل بالدعاء) فراراً من الحقيقة، بينما نراهم عند حديث “أبي وأبوك” يرفضون أي تأويل لغوي ويتمسكون بجمودٍ غريب! ليت شعري كيف يُقبل التأويل لتنقيص الفضل ويُمنع التأويل لتنزيه الأصل؟
​ويا للهِ من تناقضٍ عجيب؛
[إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ]

ثم أتسال صراحة كيف يذهبُ المرءُ ليطلبَ الشفاعةَ غداً من النبي ﷺ ذليلاً راجياً، وهو الذي لم يسلم والدا النبي من لسانه في الدنيا؟! علماً بأنَّ أربع عشرة ومئة ألف صحابي لم يثبت عن واحد منهم فقط كلمة سوء في هذه المسألة لا بالإثبات ولا بالنفي، والإجماع السكوتي للصحابة حجة قاطعة، فنحن نلزم طريقهم

. ورحم الله شيخ الإسلام السبكي حينما قال: “والتكلم في هذه المسألة إنما هو رداً على أهل البدع الذين تكلموا فيها فإنه لم يسبقهم بها أحداً من العالمين”. فالواجب أن نصون الجناب النبوي، فمن لم يجعل الله له نوراً من أدب اللغة وأدب النبوة، فما له من نور.