مِن السعادة
4 فبراير، 2026
منبر الدعاة

بقلم : أ.د / مزاحم طارق المصطفى
أستاذ الفقه وأصوله وعميد كلية الشريعة والقانون
في الجامعة الإسلامية بمنيسوتا المركز الرئيسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
السعادة هي: الشعورٌ الداخليٌّ في الإنسان تصفو به النفس ويطمأن به القلب وينشرح فيه الصدر. وذلك نتيجة الإيمان والتقوى والاستقامة في العمل، قال سبحانه وتعالى: (مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أَو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً)، ودار السعادة الحقيقيّة الخالدة في الآخرة، قال سبحانه وتعالى: (الَّذينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبينَ يَقولونَ سَلامٌ عَلَيكُمُ ادخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنتُم تَعمَلونَ)، فالسعادة من منظور الإسلام لا تقتصر على جانب واحد سواء المادي أو الروحي، بل على الجانبين المادي والروحي.
وقد ذكر القرآن الكريم أسباباً كثيرة للسعادة، ومنها:
1- الصبر والاستسلام لقضاء الله: فالصبر من الفضائل التي يعتصم بها المسلم فتخفف من بأسه وتدخل الطمأنينة في قلبه، والصبر يكون في تحمل الطاعات ولجم الشهوات، قال تعالى: (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ) [مريم: 65] وقال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) [طه: 132]
ويكون الصبر على البلاء والمصائب، وقد ذكر سبحانه من أنواع البلاء الذي يحتاج إلى الصبر، فقال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة: 155، 156].
2- التقوى: عني القرآن الكريم بالتقوى عناية فائقة وبين أن فيها النصر والتوفيق في الحياة الدنيا، والأمان من الخوف والحزن في الآخرة مع الثواب العظيم ونيل الدرجات العلى وأنها سبب لتفريج الأزمات وحل المشاكل، فقد قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [الحديد: 28]
وقال أيضاً:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) [الأحزاب: 70، 71]وقال أيضاً:
(وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [الطلاق: 2، 3]
3- شكر الله تعالى على جميع نعمه: قال تعالى: (وَإِذ تَأَذَّنَ رَبُّكُم لَئِن شَكَرتُم لَأَزيدَنَّكُم وَلَئِن كَفَرتُم إِنَّ عَذابي لَشَديدٌ)، ونِعم الله كثيرةٌ لا يُمكن حصرها، قال تعالى: (وَإِن تَعُدّوا نِعمَتَ اللَّـهِ لا تُحصوها)، فشكر هذه النعم تزيد في الصلة الروحيّة بينه وبين ربِّه، وتُعينه على طاعته وتجنَّب معصيته محبةً له وحياءً منه، ويعترف اعترافاً جازماً بنعمة الله وفضله عليه، وهو مما يحقق للإنسان الصفاء والطمأنينة.