وضع عبد الله بن سبأ العقائد الوثنية فى المسلمين – الجزء الاول


المقال الرابع من سلسلة ( انبياء الدجال )
بقلم الدكتور/ احمد عبد الرحيم
الباحث فى التاريخ الإسلامى

ومن المحيِّر أيضاً ان شخصاً كعبد الله بن سبأ قد نُسِبَ اليه أمورٌ صارت من أساسيات مذاهب الشيعة الباطنية وغيرهم من الفرق التى انتسبت الى الإسلام وتشربت بكثيرٍ مما أثاره من عقائد فاسدة ، كرجعة النبى صلى الله عليه وسلم ، ثم قوله برجعة على بن ابى طالب ، وتأليه علي بن أبى طالب ، وان القرآن ناقص ، وأنه تسعة أجزاء ، وتناسخ الاوراح ، والوصية ، والحلول ، انتهاءً بقوله أن علياً إلهاً من دون الله.

لقد نطق هذا الرجل بالإفك العظيم الذى لا تزال تعانى منه الامة الإسلامية حتى الآن، ومن العجيب أن صحابة النبى صلى الله عليه وسلم كانوا موجودين آنذاك وافرين ، ومن المعلوم أن صحابة النبى صلى الله عليه وسلم هم سادة هذا الدين وناقلوه إلينا وأعرف خلق الله به وبالقرآن والسنة والعقيدة لا يدانيهم فى حفظهم ولا فهمهم مدان ولا يجاريهم فى ذلك جارٍ.

ونتيجة لذلك فقد كان عبد الله بن سبأ لا يستطيع التلفظ بالفحش من القول إلا خفاءً بين رجاله الذين أعدَّهم لذلك مسبقاً ليكونوا دعاته ولسانه وأذرع فتنته بما يشبه جهاز الاستخبارات الحديث ، ليس له مثيل إلا ما كان من أمر المنظومة السرية التى اخترق بها الدجال الديانة المسيحية واستطاع من خلالها تحريفها ، ولقد كان لا يبارى فى ذلك وتخضرم واكتسب خبرة كبيرة وانتظم تنظيماً محكماً يستميل به كل من كل فى قلبه فتنة أو زيغ أو هوى.

لم يكن عبد الله بن سبأ بالعالم الذى يطلب المناظرة والغلبة العلمية حتى ولو كان خاطئاً فالمناقشة العلمية كانت بالنسبة له غير مطروحة لأنه يعلم أنه بين اساطين الإسلام وأعمدته من الصحابة والتابعين وأنه إن بمجرد ما أن يصرح علناً بما يبثه فى الناس من خلال أتباعه حتى تقوم عليه الحجة وتبطل فتنته.

ومن العجيب أن عبد الله بن سبأ ضرب باعاً عجيباً من العلم بالتنظيمات السرية والأعمال الجاسوسية والتخريبية وتنظيم الطابور الخامس حتى بأعجب مما تتقنه أجهزة المخابرات فى زماننا ، ذلك أنه نجح فى إنشاء فرقه اعتنقت مذهبه ونادت بمبادئه جهاراً هى الفرقة السبئية ، يذكر الخوارزمي (ت 387هـ) في كتابه مفاتيح العلوم (ص 22)، أن السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ.

ومن عجيب هذه الفرقة أنها ظهرت فى مهد الاسلام وفى خير القرون الإسلامية ونجحت فى اكتساب أفراد مؤمنين بمبادئها كانوا على الاستعداد فى التضحية بأرواحهم من أجل هذه المبادئ المفتراة.

ذلك أنه وفى حياة الإمام على بن ابى طالب وغيره من صحابة النبى صلى الله عليه وسلم وفى أوج الفتنة بين أهل الشام وأهل العراق وموقعة الجمل والنهروان خرجت جماعة عبد الله بن سبأ يقولون بأن سيدنا على بن أبى طالب إلهاً من دون الله ، فما كان من الإمام على كرم الله وجهه إلا أن خَدَّ لهم الأخاديد وحرقهم فيها بالنار.

يذكر الملطي (ت 377هـ) في كتابه التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع (ص 18) فيقول: (ففي عهد عليِّ رضي الله عنه جاءت السبئية إليه وقالوا له: أنت أنت!!، قال: من أنا؟ قالوا: الخالق البارئ، فاستتابهم، فلم يرجعوا، فأوقد لهم ناراً عظيمة وأحرقهم).

يقول ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (ص78 – 79)، وفي المعارف (ص 267): إن عبد الله بن سبأ ادّعى الربوبية لعليِّ، فأحرق عليٌّ أصحابه بالنار.

ويقول الأسفرايني (ت 471هـ) في التبصرة في الدين (ص 108): (إن ابن سبأ قال بنبوة علي في أول أمره، ثم دعا إلى ألوهيته، ودعا الخلق إلى ذلك فأجابته جماعة إلى ذلك في وقت عليّ).

مَهَّدَ عبد الله بن سبأ لهذه الكذبة الخطيرة بمغالطة منطقية لا يفعلها إلا خبير بالتحريف والفتنة ، فقد أُثر عنه قياسه النبى صلى الله عليه وسلم بعيسى بن مريم وكيف يرجع سيدنا عيسى بن مريم ولا يرجع النبى صلى الله عليه وسلم وهو أفضل منه؟ يقول ابن سبأ : (لعجبٌ ممن يزعمُ أن عيسى يرجع ويكذِّبُ بأن محمداً يرجع، وقد قال الله عز وجل إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد، فمحمدٌ أحقُ بالرجوع من عيسى، وأنه كان ألف نبي ووصي وكان علىِّ وصي محمد، ثم قال: محمد خاتم الأنبياء وعليٌّ خاتم الأوصياء). تاريخ الطبري (4/ 340).

نجح الامام على رضى الله عنه فى تأخير فتنتهم فقط دون إبطالها ، فقد استمرت فتنة السبئية وقائدها عبد الله بن سبأ بعد وفاة الامام على بن ابى طالب ، فبعدما استشهد الامام وجاءهم خبر وفاته ـ ولا أظن أن ذلك قد خلا من تدبير ابن سبأ وانه هو من دبر ذلك الاغتيال ـ  أشاع ابن سبأ رجعة الإمام على بن أبى طالب مرة أخرى فى آخر الزمان يقول المقدسي (ت 355هـ) في كتابه البدء والتاريخ (5/ 129): (إن عبد الله بن سبأ قال للذي جاء ينعي إليه موت علي بن أبي طالب: لو جئتنا بدماغه في صرة لعلمنا أنه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه).