بقلم الدكتور الشيخ : محمد سعيد صبحي السلمو ( الأزهرى البابي الحلبي )
في سذاجة الردود واضطراب المنهج من آفات الجدل في هذا العصر أن يتصدره من يظن أن رفع الصوت يغني عن رفع البرهان، وأن التلويح بالشعارات يقوم مقام التحقيق العلمي. ومن هؤلاء من حسب أنه قد رد على أهل العلم حين قال: السلفية يثبتون الكرامات، كأنما اكتشف أمرا خفيا، أو أتى بحجة قاطعة، ثم ختم كلامه بالسخرية من التصوف وأهله، ومن رموزه كالسيد البدوي رضي الله عنه. ونحن لم نزعم يوما أن الوهابية تنكر أصل الكرامة من حيث اللفظ؛ فهم يعلنون الإيمان بها، ويكررون ذلك في كتبهم وخطبهم. ولكن القضية ليست في الإقرار اللفظي، بل في الموقف العملي والنفسي منها. فهم يقرون بالكرامة نظريا، ثم يسخرون من مظاهرها عند أهل السنة من الصوفية، ويجعلونها مادة للهزء والتهوين، بدافع الحسد تارة، وبواعث الاستعلاء تارة أخرى. ومقاطعهم وخطبهم مليئة بهذا اللون من التهكم، حتى صار إنكار الكرامات عند غيرهم عادة ذهنية لا تصريحا عقديا. ولما لم يجدوا في مشايخهم نماذج حية للكرامة الروحية والسلوكية، لجؤوا إلى اختراع روايات غريبة عن علاقة بعض شيوخهم بالجن، تعويضا نفسيا عن الفراغ الروحي الذي يعانونه. وهذا المسلك ليس جديدا في تاريخ الفكر الديني؛ فقد كان اليهود يؤمنون بالمعجزات من حيث المبدأ، ثم كذبوا معجزات سيدنا زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام، ثم كذبوا أعظم المعجزات ، معجزات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. فالإيمان النظري شيء، والتصديق الواقعي شيء آخر. وكذلك حال هؤلاء: يقولون نثبت الكرامة، ثم ينكرونها حين تقع، ويسخرون منها حين تظهر.
والأخطر من مجرد الإنكار هو تحويل الكرامة إلى مادة للسخرية أمام العامة؛ لأن ذلك طريق ممهد لإنكار المعجزات نفسها، وطريق خفي لقتل الروح الدينية في النفوس، وإعدادها لقبول كل باطل، حتى لو كان في صورة الدجال الأكبر. ثم تأتي بعد ذلك مرحلة التدليس والمراوغة: فيقول إن ابن تيمية أجاز وقوع إحياء الموتى ككرامة، ولكنه لم يجعله عقيدة.
وكأن أحدا قال إن الكرامات تُجعل أركانا إيمانية
فهذا تلبيس في المفهوم، ومصادرة على المطلوب.
ثم الأعجب من ذلك أنه اضطر، وهو المنكر لمنهج المتكلمين، إلى الاستشهاد بمنهجهم حين ضاق به الطريق. واضطر، وهو المنكر للتأويل، إلى تأويل كلام ابن تيمية حين لم يخدمه ظاهره.
فجمع بين تناقضين: إنكار المنهج عند الخصومة، واستعماله عند الحاجة.
وابن تيمية ـ بنصوصه المعروفة ـ يقر بإمكان وقوع كرامة إحياء الميت. فإذا كان هذا ثابتا عند إمامهم، فلماذا هذا الالتفاف والمراوغة؟ ولماذا الخلط المتعمد بين إمكان الوقوع والوقوع الممكن؟ ولماذا هذا الهروب من لوازم القول؟ والحقيقة التي لا يريد الاعتراف بها هي هذه: لو وقعت كرامة إحياء ميت أمام عينيه، على يد رجل صوفي، لأنكرها، وشكك فيها، واتهم صاحبها، لأنه قد حكم عليها قبل أن تقع. فهو لا ينكر الواقعة بعد حدوثها، بل ينكرها قبل حدوثها.
وبذلك يبقى طعنه في التصوف قائما مهما تبدلت الوقائع، ويظل موقفه ثابتا على الإنكار، مهما تبدلت الأدلة. فهو إنكار مبدئي، لا علمي.
وهكذا ينتهي به الأمر إلى إنكار الكرامة عمليا، وإن أثبتها لفظيا، كما انتهى اليهود إلى إنكار معجزات عيسى عليه السلام وهم يزعمون الإيمان بالمعجزات. وهذا هو الفرق بين الباحث عن الحقيقة، وبين الأسير لهواه وموقفه المسبق: الأول يتبع الدليل حيث قاده، والثاني يلون الدليل بلون هواه، ثم يسمي ذلك منهجا.