بناء العقول والوعي رؤية إسلامية
4 فبراير، 2026
الإسلام وبناء الحضارة

بقلم أ.د/ مها محمد عبد القادر أستاذ أصول التربية كلية التربية بنات بالقاهرة جامعة الأزهر
تشهد مصر مثل كثير من المجتمعات المعاصرة، مرحلة حرجة في بناء الإنسان والمجتمع، مرحلة تتطلب إعادة النظر في مفهوم التعليم والوعي، فهما أدوات للمعرفة، وآليات بناء شخصية متكاملة وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل، فالعقل البشري هو مصنع مستمر لإعادة صياغة الفكر والمبادئ والقيم، بما يجعل الإنسان قادرًا على أن يكون فاعلاً إيجابيًا في مجتمعه، ومساهمًا في تطوير وطنه وفق رؤية مستنيرة تراعي خصوصياته الثقافية والدينية.
ويقدم الإسلام رؤيةً شاملةً للإنسان والحياة وبناء العقول، تتدرج من التربية على القيم وتزكية النفس، مرورًا باكتساب العلم والمعرفة وتوسيع آفاق التفكير، وصولًا إلى ترسيخ المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية، فالوعي الإسلامي وعي كوني وروحي متكامل يمكن الإنسان من فهم ذاته وتفعيل دوره العمراني والاستخلاف في هذا العالم، ومن ثم تتجلى مركزية التربية الإسلامية كركيزة في هندسة العقول وإعدادها للمستقبل؛ حيث تعمل على تنمية ملكة العقل.
وتحرير الفكر من التبعية والسطحية الذي تفرضه قوى الهيمنة الثقافية والإعلامية، مع بناء منظومة متينة من القيم والأخلاق، على نحو يوازن بين الأصالة الدينية ومتطلبات العصر، وبذلك يتحقق التوازن المطلوب بين بناء الإنسان من الداخل، وتمكينه خارجيًا بالمعرفة والوعي والقدرة على المشاركة الحضارية الواعية، من خلال امتلاك أدوات التفكير النقدي والمنهجي وتقويمها وفق رؤية واعية، ومنهجية راسخة، ومنظور متوازن وفعال.
وتواجه مصر اليوم مجموعة من التحديات البنيوية على صعيد إعداد عقول قادرة على التكيف مع التحولات العالمية المتسارعة، فمن جهة، يقف الانفجار المعرفي وسرعة التطور التكنولوجي وما يتبعهما من تحولات في أنماط التواصل والعمل والإنتاج كعامل ضاغط يتطلب عقلًا قادرًا على الفهم والتحليل المستقبلي، ومن جهة أخرى، يفرض الواقع العالمي تحديات ثقافية مرتبطة بالعولمة، وما تخلفه من آثار على الهوية الدينية والثقافية والقيم المجتمعية.
وتتداخل مع هذه التحديات الخارجية مشكلات داخلية تخص بنية النظام التعليمي ذاته؛ فالمناهج التقليدية ما تزال تعاني من ضعف الارتباط بالواقع ومواكبة العصر، إلى جانب تراجع حضور القيم الأخلاقية في بعض المؤسسات التعليمية، وغياب برامج منهجية فعالة لصقل مهارات التفكير النقدي والإبداعي وحل المشكلات، وهي مهارات أصبحت الركيزة الأساسية لمجتمعات المعرفة الحديثة.
وهذا التقاطع بين العوامل الداخلية والخارجية يجعل من الضروري إعادة هندسة الفكر التربوي في مصر، بحيث يشمل الإصلاح تحديث المحتوى المعرفي، وإعادة صياغة فلسفة التعليم نفسها، ودورها في بناء العقل المصري المبدع القادر على التحليل والمشاركة الحضارية، ويقتضي هذا الدمج بين المعرفة العلمية الحديثة والهوية الدينية والثقافية للمجتمع المصري، بما يحافظ على الأصالة ويفعل القدرة على الانفتاح الواعي، بما ينسجم مع مشروع بناء الإنسان كقوة دعم للتنمية ورؤية مستقبلية للدولة.
ويعد التعليم الإسلامي والتربوي المتوازن ضرورة استراتيجية لبناء وعي متجدد قادر على مواكبة التحديات المعاصرة؛ فالتعليم أصبح منظومة شاملة تعنى بتطوير المهارات الفكرية، وتعزيز القدرة على التحليل، وصقل التفكير النقدي، وتشجيع الإبداع والابتكار، وعندما يدمج هذا الإعداد العقلي مع القيم الإسلامية العليا مثل الأمانة والإحسان والعدل يتحول التعليم إلى وسيلة لبناء الإنسان المتوازن الذي يتفاعل مع العالم بثقة وقدرة، دون أن يفقد جذوره الروحية وهويته الحضارية.
ويمثل الوعي في المنظور الإسلامي حالةً ديناميكية مستمرة من الإدراك والفهم والتطبيق، تتجاوز مجرد المعرفة النظرية إلى تحويل القيم والمعاني إلى سلوك وفعل حضاري، ويتفرع هذا الوعي إلى مستويات متعددة تتشابك فيما بينها لتشكل الشخصية المسلمة المتكاملة ومنها، الوعي الشخصي وهو نقطة الانطلاق التي يبدأ منها الإنسان فهم ذاته وإدراك ميوله وقدراته وتنظيم سلوكه، ويستند هذا المستوى إلى منظومة قيمية تشمل الصدق والأمانة والاجتهاد واحترام الوقت، بما يهيئ الفرد لتحمّل المسؤولية في حياته الخاصة والمهنية، والوعي الاجتماعي ويتعلق بفهم المجتمع واحتياجاته وتحدياته، والقدرة على المساهمة في تطويره وفق المبادئ الإسلامية التي تدعو إلى العدل والمساواة والتكافل والخدمة العامة، فالمسلم الواعي ليس كائنًا فردانيًا، بل فاعلٌ إيجابي في بناء مجتمعه.
ويتجلى الوعي السياسي والثقافي في القدرة على قراءة الواقع المحلي والدولي، وتحليل الظواهر الوطنية والعالمية، وفهم التفاعلات المؤثرة في الدولة والمجتمع، وهذا النوع من الوعي يجعل المواطن المصري مشاركًا واعيًا في صناعة مستقبله ومستقبل وطنه، بعيدًا عن التبعية الفكرية أو الاستقطاب، وعلى هذا الأساس، يصبح التعليم المتوازن مدخلًا أساسيًا لإنتاج مواطن مصري يمتلك القدرة على الانفتاح الحضاري، وعلى المشاركة، وعلى الفعل؛ وهو ما تحتاجه الدولة في مشروعها لبناء الإنسان وتعزيز الأمن الفكري وترسيخ الهوية في عصر التحولات العالمية والمحلية.
ويقتضي بناء الوعي الاستراتيجي تطوير برامج تعليمية متقدمة تربط بين المعرفة والفكر والواقع، عبر مناهج تعتمد على حل المشكلات، وتنمية مهارات التحليل النقدي، وربط العلوم الحديثة بالقيم الأخلاقية والدينية، كما تمثل التكنولوجيا الحديثة وسيلة لتوسيع المدارك ودعم التعلم، بشرط أن توظف ضمن إطار قيمي يستند إلى المرجعية الإسلامية، وتؤدي الأسرة دورًا محوريًا في تشكيل وعي الأطفال والشباب؛ فهي البيئة الأولى التي تكتسب فيها القيم والاتجاهات، فالأسرة المسلمة الواعية تغرس في أبنائها حب العلم، وتحفزهم على التفكير النقدي والتأمل في القضايا الكبرى.
وتأتي المؤسسات التعليمية لتكمل هذا الدور عبر توفير بيئة تعليمية تشجع على البحث والابتكار، وتدمج بين العلوم الحديثة والتربية الدينية، وعليها أن تتبنى برامج شاملة لتطوير مهارات التفكير العليا، مثل التحليل والاستنتاج وحل المشكلات، بالتوازي مع تعزيز الانتماء الوطني والوعي الديني، كما يمكن للمناهج أن تعرض نماذج من قصص النجاح الوطنية والعالمية التي توضح القدرة على مواجهة التحديات دون التفريط في الهوية، فهذا النهج قادر على إنتاج جيل مبدع ومتجدد وفاعل في مختلف مجالات الحياة.
ويعد غرس القيم والأخلاق أهم ركائز بناء العقول المستقبلية، لأن القيم تمثل الأساس الذي يقوم عليه كل تطور معرفي أو تقني؛ فالعقل المبدع إذا انفصل عن القيم يمكن أن يتحول إلى أداة هدم بدل أن يكون وسيلة بناء، ومن ثم يتجلى الدور المحوري للدين الإسلامي في ترسيخ قيم الصدق والأمانة والاجتهاد والعدل والتعاون والرحمة، وهي قيم تترجم إلى سلوك عملي ينعكس في الفرد والمجتمع، وينتج وعيًا جماعيًا يوجه التنمية نحو الصالح العام، وبالتالي تصبح التربية على القيم جزءًا أصيلًا من العملية التعليمية، سواء في التعليم الأكاديمي أو التدريب المهني، فالأفراد الذين يجمعون بين الأخلاق والعلم والابتكار هم الأقدر على مواجهة تحديات العصر المعقدة في مجالات الاقتصاد والسياسة والثقافة والتكنولوجيا، بما يجعل القيم عنصرًا استراتيجيًا في هندسة المستقبل.
ونخلص إلى إن بناء العقول مشروع مركب ومعقد يحتاج إلى رؤية شاملة تجمع بين التعليم والتربية والوعي والقيم، مع توظيف التكنولوجيا والابتكار في إطار يحافظ على الهوية الوطنية والدينية، وتوفر الرؤية الإسلامية هذا بامتياز؛ فهي رؤية حضارية متوازنة، وتقوم على مبادئ تجعل بناء العقل جزءًا من وظيفة الاستخلاف في الأرض، حيث يطلب من الإنسان طلب العلم، وتحري الحكمة، والتحلي بالقيم، وتوجيه المعرفة نحو الإعمار، ومن خلال تفعيل دور الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والقيم الأخلاقية، والتكنولوجيا، والهوية، يمكن لمصر أن تبني عقولًا منفتحة وواعية تعالج الواقع ببصيرة، وتواجه التحديات، وتصنع مستقبلًا مشرقًا للأجيال القادمة مستندًا إلى رصيد حضاري وإسلامي متجذر بالوجدان