شرع من قبلنا عند الأصوليين (24)


بقلم فضيلة الشيخ : أبو بكر الجندى
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف

شرع من قبلنا هو: الأحكام التي شرعها الله تعالى لمن سبقنا من الأمم، وأنزلها على أنبيائه ورسله لتبليغها لتلك الأمم، أو هو الأحكام الثابتة غير المنسوخة ولا المؤبدة التي شرعها الله لمن سبقنا من الأمم.

أنواع شرع من قبلنا:
1ـ أحكام جاءت مفروضة علينا كما فُرضت على من قبلنا، وهذا النوع لا خلاف في أنه شرع لنا ومصدر شريعته وحجيته بالنسبة لنا هو نفس نصوص شريعتنا، من ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة 183 ]
2ـ أحكام جاءت شريعتنا بنسخها في حقنا، أي أنها خاصة بالأمم السابقة، فهذا النوع لا خلاف في أنه غير مشروع في حقنا، من ذلك ما جاء في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ}[الأنعام 146]، فالآية دلت على تحريم أشياء لم تحرّم علينا بل أُحِلَّت لنا بدليل الآية التي قبلها: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى ‌طَاعِمٍ ‌يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}[الأنعام: 145].

3ـ أحكام لم يجد لها ذكر في الكتاب ولا في السنة، وهي بلا خلاف لا يكون شرعاً لنا.
4ـ أحكام جاء بها الكتاب أو السنة ولم يتضح من سياق هذه النصوص على بقاء الحكم أو عدم بقائه لنا، فذهب الحنفية إلى حجية هذا النوع وأنه يعتبر من شريعتنا، وذهب آخرون إلى أنه ليس شرعاً لنا، والراجح هذا النوع لا يترتب على الخلاف فيه اختلاف في العمل؛ فما من حكم من أحكام الشرائع السابقة قصه الله تعالى علينا أو جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وفي شرعنا ما يدل على نسخه أو بقائه لنا، سواء جاء دليل الإبقاء أو النسخ في سياق النص الذي حكى لنا شرع من قبلنا، أو جاء ذلك الدليل في مكان آخر من نصوص الكتاب والسنة، فمثلاً قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ ‌النَّفْسَ ‌بِالنَّفْسِ ‌وَالْعَيْنَ ‌بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}[المائدة: 45]، فأحكامها ثابتة في حقنا، ودل على ذلك قوله تعالى: {‌يَا ‌أَيُّهَا ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌كُتِبَ ‌عَلَيْكُمُ ‌الْقِصَاصُ ‌فِي ‌الْقَتْلَى}[البقرة: 178]، وحديث: “العمد قَوَد”، إلا أن يعفو ولي القتيل”، وقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}.