مفهوم الإفلاس فى عرف الناس


المقال الثالث من سلسلة ( مفاهيم يجب أن تصحح فى ضوء الكتاب والسنة )

بقلم أ . د / سعد عبد المعطي عبد العليم شعبان
أستاذ التفسير وعلوم القرآن بالجامعة الإسلامية
وعضو بمجمع الفقه الإسلامي الدولي بكندا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد النبي الأمي الكريم صلى الله عليه وآله، وصحبه، والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين،

وبعد،

جاءت تعاليم الإسلام لتصحح المفاهيم الخاطئة والمغلوطة في جميع الجوانب وفق المنهج القرآني السديد، والمنهج النبوي الرشيد، وتعالج كثيرًا من القضايا الجوهرية بأسلوب علمي دعوي ليحقق الأهداف المرجوة، والمراد من هذه السلسلة وهو الارتقاء بالفرد المسلم عقديًا، وفكريًا وسلوكيًا وفق منهج القرآن العظيم والسنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ونستكمل حديثنا عن المفاهيم الخاطئة التي صححتها السنة النبوية المطهرة ومع المفهوم الثالث:

الإفلاس في مفهوم الناس

إِنَّ مَشاربَ النَّاسِ وأَهوَائَهم لتَختَلِفُ حَولَ مَفهومِ الإفلاسِ، وكلُّها تدورُ حَولَ الدٌّنيا وأعرَاضِها، ومَتاعِها الزائلِ لذا أَرادَ النبي صلى الله عليه وسلم أَن يُصححَ هذا المفهومَ الخاطئَ فاستخدم النبي صلى الله عليه وسلم أَسلوبًا عظيمًا فطرح سؤالًا ففي الحديث، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «‌أَتَدْرُونَ ‌مَا ‌الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ.»، رواه مسلم حديث رقم (2581)، (8/18)

مفردات الحديث

أَتدرُونَ؟ : أَتعلمونَ، وتُدرِكُونَ؟  أَو هَل تَعرِفونَ؟

المُفلِسُ: الذي لا يملك شيئًا، وهو هنا ليس الفَقِيرَ الذي لا يَملِكُ مالاً، بل هو مَن بَذَلَ فِي الدنيا جُهدَهُ ومَالَهُ، وخَسِرَ فِي الآخِرَةِ حَسَنَاتِهِ.

لا دِرهَمَ لَهُ وَلا مَتاعَ: لا يَملِكُ مالًا ولا ما يُنتفعُ به مِن مَتاعِ الدنيا.

شَتَمَ: سبَّ، وَلَعَنَ، قًذَفَ: اتهَامُهُ للآخَرِينَ بِالزِّنَا أَو مَا يَمَسُ العِرضَ، وَرَميٌَ بِالبَاطِلِ، وَنَالَ مِن عِرضِ هذا واعتدى على سُمعَةِ النَّاسِ وشَرَفِهم (بِالقَذفِ أَو الغِيبةِ).، أَكَلَ مَالَ هَذا: أَخَذَ أموالَ النَّاسِ بِغيرِ حَقٍّ (غَصبٌ، سَرِقَةٌ، رِبًا، رِشوَةٌ).

سَفَكَ دَمَ هَذا: إِرَاقَةُ دِماءِ النَّاسِ بِغيرِ حَقٍّ.

فَنِيَت حَسنَاتُه: انتَهَت، وتَلاشَت حَسنَاتُهُ فَلَم يَبق مِنها شيءٌ.

أُخذ من خطاياهم فَطُرِحَت عليه: أُخِِذَ مِن ذُنوبِ المَظلُومِينَ (التي لم يَقضهَا في الدنيا) وَزَادَت ذُنوبُ الظالمِ حَتى يُلقَى بِهِ فِي النَّارِ.

شرح الحديث:

إنَّ مِن أَعظمِ الأمورِ الَّتي يَغفُلُ عنها كثيرٌ مِن النَّاسِ أنَّهم رُبمََا يُكثرونَ من العباداتِ، ويُنوعونَ في فِعلِ الطَّاعاتِ ومَعَ فِعلهم لها وقيامهم بها يَقترِفُونَ الذُّنوبَ والمعاصي، والَّتي منها ما يَتعلَّقُ بحُقوقِ العبادِ، وحُقوقُ العِبادِ لا تَسقُطُ بالتَّقَادُمِ فَلابدَ مِن رَدِّ المَظَالمِ لِأَهلِها أَو طَلبِ البراءاتِ مِن أَصحَابِها فِي الدُّنيا، وإلا فَالحِسابُ بَينَ يَدي اللهِ تعالى بِالعدلِ والقِسطِ والحقِّ قال الله تعالى: “وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ ” [الأنبياء: 47]، فَسوفَ يُحاسَبُ كلُّ إنسانٍ يَومَ القيامةِ بِمَا قَدَّمَ وفَعلَ مِن خَيرٍ أَو شَرٍّ، وبِمَا اقترفَ وأَسَاءَ قال الله تعالى: ” فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ * وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ ” [الزلزلة: 7-8]

ففي هذا الحديثِ أَرَادَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أن يُصححَ مَفهومًا عظيمًا مغلوطًا في عُرفَ النَّاسِ وفهمهم، فَسألَ أَصحابَهُ رَضيَ اللهُ عنهم: “أَتدْرونَ”، أي: أَتعلَمونَ، “ما المُفلِسُ” وما حَقيقةُ الإفلاس؟ وهذا الاستفهامُ للتَّقريرِ وإخراجِ الجوابِ مِن المخاطَبِ؛ لِيَبني عليه الحُكمَ المرادَ، ولما كان السُّؤالُ عن الوصفِ وليْس عن الذَّاتِ فعبَّرَ بـ (ما) بدَلَ (مَن)،

فَأجابوا: الْمُفلِسُ بِمفهُومِنَا وفيما نَعرِفُه هو مَن لا يملكُ مالًا، ولا متاعًا، أي: مِمَّا يَحصُلُ به النَّقدُ وما يُتمتَّعُ به مِن حَوائجَ وأغراضِ الدُّنيا، والحاصلُ: أنَّهم أجابوا بما عندَهم مِنَ العِلمِ بِحسَبِ عُرْفِ أهْلِ الدُّنْيا، كما يدُلُّ عليه قولُهم: “فِينا”، فقال لهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يريد أن يُبصرَهم ويُصححَ مفاهيمَهُم فَبيَّنَ لهم أنَّ المُفلِسَ الحقيقيَّ هُو مَن يَقومُ بِأَعمَالٍ صَالحةٍ وعِباداتٍ وطَاعاتٍ فيأتيَ برصيدٍ مِن الحسناتِ كَالجبالِ ثُمَّ يُعطِيها لِغُرمَائه ممن ظلمهم، أما مَن لَيسَ لَهُ مَالٌ، وَمَن قَلَّ مَالُه، وَمَتاعُه فَالنَّاسُ يُسموُنَهُ مُفلِسًا، وَليسَ هَذا هُو حَقِيقَةُ المُفلِسِ ِلأنَّ هَذا الأمرَ يَزولُ وَيَنقطِعُ بِموتِه، وَرُبَّما يَنقَطِعُ بيسارٍ يَحصُلُ لَهُ بعد ذلك في حَيَاتِه، وإنما المفلسُ فَهو الهالكُ الهلاك التام، والمعدوم الإعدام المقطع فتؤخذُ حسناتُه لِغُرمَائه، فإذا فرغت حسناته أخذ من سيئاتهم فوضعت عليه، ثم ألقي في النار، فتمت خسارته وهلاكه وإفلاسه. انظر: صحيح مسلم، (4/1997) تعليق محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله. بتصرف

فَصححَ المفهُومَ المَغلُوطَ عِندَ النَّاسِ فَقَالَ: “إنَّ المُفلِسَ مِن أُمَّتِي”، أي: المفلسُ بمفهومه الحقيقيُّ، أوِ المُفْلِس في الآخرةِ، هو “مَن يأْتي يوْمَ القيامةِ بِصيامٍ وصَلاةٍ وزكاةٍ” أتى بعباداتٍ متنوعةٍ كثيرةٍ، وفرائضَ عظيمةٍ، وذِكرُ هذه العباداتِ على سبيل المثال لا الحصرِ، ومَع كونهِ يُصلي ويَصومُ ويُزكِي ويَقومُ بِأَداءِ أُمُّهاتِ العباداتِ إلا أنَّهُ فاسدُ الأخلاقِ، فَجاءَ فَسَادُ أَخلاقِه على أجورِ عباداته فَضيَّعَهَا وأَهدَرَهَا، ولكنَّه يَأْتي وقدْ شَتمَ هذا، أي: وَقعَ منه شَتْمٌ وسبٌّ لِأحدٍ، فَكَانَ لِسَانُهُ سَبَبَ هَلَاكِهِ وَإِفلَاسِهِ بِمَا صَدَرَ مِنهُ مِن سَبٍّ وَشَتمٍّ، وغير ذلك من حصاد اللسان، والنَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يعلمنا أنَّ أفضل الإسلام وأرقاه وأعلاه وأزكاه وَأَعظَمَهُ ما كان يمنع صاحبه من إيذاء الخلق بيده ولسانه فيجعل الناس في مأمن من بطشه وطغيانه، فَيَسلَمُ النَّاسُ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ هو من يُترجِمُ أخلاقَ عباداته في سُلوكِه ومُعاملاتِه، فقال عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: “قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ”. متفق عليه: البخاري، (11)، ومسلم، (42)،

كما بين النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أن خير المسلمين وأفضلهم عند الله تعالى من لم يؤذ مسلما بقول ولا فعل.، وخّصَّ اليدَّ بالذكرِ لأن معظمَ الأفعالِ بها، ففي الحديث عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أي المسلمين خَيْرٌ؟ قَالَ: “‌مَنْ ‌سَلِمَ ‌الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ ويده”. رواه مسلم، رقم (40)

ويؤكد النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ المسلمَ الحقيقيَّ كاملَ الإسلامِ أو مَن يأمنُ النََاسُ عَلى أَعرَاضِهم مِن لِسَانِه وَعَلى أَموالِهم وَأَبدَانِهم مِن يَدِه وَبطشِهِ وظُلمِه، فقال: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: “الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ” رواه البخاري، رقم (10)،

وقوله: “وَقَذَفَ هذا”، وَهُوَ الرَّميُّ بِالفاحشةِ، والاتِّهامُ بِالزِّنا ونحوِه، فإنَّ هَذا يُوجبُ اللعنَ وَيَمحَقُ الحسَناتِ قَال تعالى: ” إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ 23 يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 24″ [النور: 23-24]

«هذه الآية نزلت في المنافقين الذين كان منهم ابتداء القذف وإشاعته في الناس؛ لذلك ذكر فيهم اللعن وكان جزاءُ هذا القاذفِ اللعنَّ في الدنيا والآخرة، ولهم في الآخرة عذاب عظيم إذا لم يتوبوا، وماتوا على النفاق، والآية عامة وخص النساء دون الرجال وذلك أن من رمى مؤمنة فلا بد أن يرمي معها مؤمناً، فاستغني عن ذكر المؤمنين،». انظر: تفسير الماتريدي = تأويلات أهل السنة، (7/ 536)، زاد المسير في علم التفسير، (ابن الجوزي) (3/ 287)، بتصرف

«وقوله: لعنوا إخبار عن لعن الله إياهم بما قدر لهم من الإثم وما شرع لهم،

واللعن: في الدنيا التفسيق، وسلب أهلية الشهادة، واستيحاش المؤمنين منهم، وحد القذف، واللعن في الآخرة: الإبعاد من رحمة الله.

والعذاب العظيم: عذاب جهنم فلا جدوى في الإطالة بذكر مسألة جواز لعن المسلم المعين هنا ولا في أن المقصود بها من كان من الكفرة. انظر: «التحرير والتنوير» (18/ 191)

فَالحصَادُ المُرِّ لِلسَانِ مِن سَبٍّ، وشَتمٍ، وقذفٍ، وَسُخريةٍ، وَهمزٍ، وَلمَزٍ، وَتنَابُزٍ بِالأَلقَابِ، كَانَ سَببًا في كَبِّ صَاحِبِهِ عَلى وَجهِهِ في نارِ جَهَنَّمَ كما أخبر النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ “أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ، وَعَمُودِهِ، وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ؟ الْجِهَادُ» ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟» قُلْتُ: بَلَى، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، فَقَالَ: «تَكُفُّ عَلَيْكَ هَذَا» قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا ‌لَمُؤَاخَذُونَ ‌بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ قَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يُكِبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ، إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟” أخرجه: أحمد في المسند، (22016)، (36/344). والترمذي، (2616)، وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، وابن ماجه في السنن، (3973)

ومعنى: (بملاك) أي بما به يملك الإنسان ذبلك كله. بحيث يسهل عليه جميع ماذكر. (تكف) أي تحبس وتحفظ. (ثكلتك) أي فقدتك. وهو دعاء عليه بالموت ظاهرًا. والمقصود التعجب من الغفلة عن هذا الأمر. (يكب) من كبة إذا صرعه. (حصائد ألسنتهم) بمعنى محصوداتهم. على تشبيه ما يتكلم به الإنسان بالزرع المحصود بالمنجل. فكما أن المنجل يقطع من غير تمييز بين رطب ويابس وجيد ورديء كذلك لسان المكثار في الكلام بكل فن من الكلام من غير تمييز بين ما يحسن ويقبح.» تعليق محمد فؤاد عبد الباقي سنن ابن ماجه» (2/ 1314)

فلا يَكُبُ النَّاسَ في النَّارِ شيءٌ مِن الأشياء إلا حصائدُ ألسنتِهم مِن الكلامِ القبيحِ، مِثلَ: الكُفرِ، والقذفِ، والشتمِ، والغيبةِ، والبهتانِ، ونحوها. وهذا الحكم وارد على الأغلبِ والأكثرِ؛ لأنك إذا تدبرت، وفكرت لم تجد أحدًا حَفِظَ لسانَهُ عن السوءِ، ولا يَصدُرُ منه شيءٌ يوجب دُخولَ النارِ إلا نادراً. شرح الطيبي على مشكاة المصابيح المسمى بـ (الكاشف عن حقائق السنن)، شرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي (743 هـ)، (2/488)

“وَأكَلَ مالَ هذا”: هؤلاء الذين يستحلون أموال الناس فيأكلونها بالباطل، سواء كان ظلمًا، أو غصبًا، أو سرقةً، أو رشوة، قال تعالى: “وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 188 ” [البقرة: 188]

قال تعالى: “فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا 160 وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا 161” [النساء: 160-161]

قال تعالى:” يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ 34″ [التوبة: 34]

“وسفَكَ دمَ هذا” فأَراقَ دمَه بِغيرِ حقٍّ، فجزؤه كما بين الله تعالى في قوله: ” وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا 93″ [النساء: 93]

“وضرَبَ هذا” مِن غيرِ استحقاقٍ، أو زيادة على ما يَستحِقُّه، وذِكرُ هذه السَّيِّئاتِ ليْس للحصرِ، بلْ هو تَمثيلٌ يَشمَلُ جميعَ المعاصِي، والمَقُصُودُ منه جَميعُ حُقوقِ العِبادِ، والمعنى: مَن جمَعَ بيْن تلك العِباداتِ وهذه السَّيِّئاتِ، فإنَّ اللهَ تعالى يُعطي المظلومَ بَعضَ حَسناتِ الظَّالِمِ، ويُعطَي المظلومَ الآخَرَ بعضَ حَسناتِه، فإنْ فَنِيَتْ حَسناتُه قبْلَ أن يُؤدِّي ما عليه مِنَ الحقوقِ، أَخَذَ الله تعالى مِن سيِّئاتِ أصحابِ الحقوقِ، فَطَرَحَهَا على هذا الظالِم، ثُمَّ أُلْقِيَ ورُمِيَ في النَّارِ؛ كَي يُعذَّبَ بها بقَدْرِ استحقاقِه إنْ لم يُغفَرْ له، وفيه إشعارٌ بأنَّه لا عَفوَ ولا شَفاعةَ في حقوقِ العبادِ إلَّا أنْ يَشاءَ اللهُ، فَيُرضِي المظلومَ بِمَا أرادَ، حتَّى إذا انتهَتْ عُقوبةُ تلك الخَطايا رُدَّ إلى الجنَّةِ إنْ كانت هناك حَسناتٌ باقيةٌ، وإلَّا فبَبركةِ الإيمانِ وبما كُتِب له مِن الخُلودِ.

ما يستفاد من الحديث

1- تنوع الأساليب لتشوق السامع، ولفت نظره، وشد انتباهه، وإثارة اهتمامه، وخاصة في التربية والتوجيه والتعليم، وتصحيح المفاهيم.

2- الإفلاس الحقيقي هو خسران النفس والأهل يوم القيامة.

3- معاملة الله للخلق قائمة على الحق العدل.

4- التحذير من الوقوع في المحرمات بكل أشكالها،

5- حقوق العباد المادية والمعنوية لا تسقط بالتقادم.

6- فساد الأخلاق يطيح بالأعمال ويضيع الأجر.

7- أنَّ القِصاصَ في الآخرةِ قدْ يَأتي على جميعِ الحسناتِ، حتَّى لا يُبقي منها شَيئًا.

8- من شروط قبول التوبة من حقوق العباد لابد من طلب البراءة من أصحابها أو رد الحقوق لأهلها، وإلا فلا تسقطها جميع العبادات.