ما السر في اختلاف هذه اللغات؟
17 ديسمبر، 2025
العلم والعلماء

بقلم الدكتور : طه عبد الحافظ أحمد الوزيري
دكتوراة فى الدعوة والثقافة الإسلامية – جامعة الأزهر الشريف
ما السر في اختلاف هذه اللغات؟
هذا السؤال له إجابتان، إجابة في القرآن الكريم (وهي الحق)، وإجابة في كتب العهد القديم التي يؤمن بها اليهود والنصارى.
• إجابة القرآن الكريم:
يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِـمِينَ﴾.
سورة الروم- آية (22).
واختلاف الألسنة يشمل اختلاف اللغات، واختلاف الأصوات، فلا يوجد أخوان يتفقان تمام الاتفاق في الصوت بدرجاته ونغماته رغم أن اللسان هو اللسان!
يقول الإمام الماتريدي: “وقوله: (وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ) كأنه يقول: وفي خلق اختلاف ألسنتكم آياته أيضًا؛ لأن الألسن بحيث خلقة الألسن غير مختلفة، ولكن إنما تختلف بحيث النطق والتكلم حتى لا يقع في التكلم بها والنطق والصوت تشابه بحال، وخروجه عما يقدرون من الكلام، وإن كانت بحيث خلقتها واحدة غير مختلفة”.
(تفسير الماتريدي ج8 ص262).
ويقول الزمخشري: “الألسنة: اللغات. أو أجناس النطق وأشكاله. خالف عزّ وعلا بين هذه الأشياء حتى لا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس واحد، ولا جهارة، ولا حدّة، ولا رخاوة، ولا فصاحة، ولا لكنة، ولا نظم، ولا أسلوب، ولا غير ذلك من صفات النطق وأحواله، وكذلك الصور وتخطيطها، والألوان وتنويعها، ولاختلاف ذلك وقع التعارف، وإلا فلو اتفقت وتشاكلت وكانت ضربا واحدا لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطلت مصالح كثيرة، وربما رأيت توأمين يشتبهان في الحلية، فيعروك الخطأ في التمييز بينهما.. وفي ذلك آية بينة حيث ولدوا من أب واحد، وفرّعوا من أصل فذ، وهم على الكثرة التي لا يعلمها إلا الله مختلفون متفاوتون..”. (الكشاف ج3 ص473).
فمن المقصود باختلاف الألسنة: اختلاف اللغات.
فالله –تعالى- هنا يبين أن اختلاف اللغات مظهر من مظاهر قدرته سبحانه، وليس اختلاف اللغات فحسب، بل اختلاف الألوان والهيئات والأحجام والعقول.. كل ذلك مظهر من مظاهر قدرة الله –جل وعلا- وبدائع صنعه، فلو كان الخلق جميعا يتكلمون لغة واحدة وعلى هيئة واحدة وفي مستوى واحد من الطول والعرض والعقل، لتسرب إلى بعض العقول أن الخالق لا يستطيع أن يخلق إلا هذا النوع، ولكن اختلاف الألسنة والألوان والأحجام والعقول والهيئات يخبر في صمت بقدرة الخالق المبدع -سبحانه وتعالى-.
• إجابة كتب غير المسلمين:
جاء في سفر التكوين: “وكانت الأرض كلها لسانا واحدا ولغة واحدة، وحدث في ارتحالهم شرقا أنهم وجدوا بقعة في أرض شنعار وسكنوا هناك، وقال بعضهم لبعض: هلم نصنع لبنا ونشويه شيا، فكان لهم اللبن مكان الحجر وكان لهم الحمر مكان الطين، وقالوا: هلم نبنى لأنفسنا مدينة وبرجا رأسه بالسماء. ونصنع لأنفسنا اسما لئلا نتبدد على وجه كل الأرض. فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما. وقال الرب: هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل، والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه، هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض. فبددهم الرب من هناك على وجه كل الأرض فكفوا عن بنيان المدينة. لذلك دعي اسمها بابل لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض. ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الأرض”.
(سفر التكوين ١١ / ١: ٩).
فهذا النص الذي يؤمن به غير المسلمين (اليهود والنصارى) يبين أن سبب اختلاف اللغات هو خوف الرب من وحدة خلقه، فشتتهم حتى يأمن شرهم!
ونفس كتابهم يذكر أن الرب أقام حراسة تحرس شجرة الحياة في الجنة خوفا من آدم: “وقال الرب الاله: «هوذا الانسان قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر. والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة ايضا ويأكل ويحيا الى الابد». فأخرجه الرب الاله من جنة عدن ليعمل الأرض التي أخذ منها. فطرد الانسان، وأقام شرقي جنة عدن الكروبيم، ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة”.
(انظر: سفر التكوين ٣/ ٢٢: ٢٤).
فالإجابة الحق التي نؤمن بها ويقبلها العقل أن اختلاف اللغات مظهر من مظاهر قدرة الله –تعالى- وبديع صنعه.