الثبات على المبدأ الحق
23 نوفمبر، 2025
منبر الدعاة

بقلم : أ.د / مزاحم طارق المصطفى
أستاذ الفقه وأصوله وعميد كلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية بمنيسوتا المركز الرئيسي
إن من أهم ما يتميز به الإنسان المستقيم عن غيره هو الثبات على المبدأ الحق الواضح الجلي؛ لأن الثبات عليه خُلق من الأخلاق التي دعا إليها القرآن الكريم، فطريق الطاعة وتنفيذ الأوامر الإلهية وطريق العزة والكرامة والثبات في وجه العدو والعمل والسعي في الخير في مجالات الحياة كافة؛ لا بد لها من الثبات والاستقرار، فلذلك قال سبحانه وتعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45].
ففي هذه الآية الكريمة دعا سبحانه وتعالى إلى الثبات أمام أي فئة تعارض المبدأ الحق، وأن أرقى درجات الثبات على المبدأ الحق هو الثبات في وجه العدو وعدم التراجع.
أمّا بالنسبة لغير العدو فينبغي أن نعلم أن الثبات على الحق لا يعني مقارعة الآخرين والتصادم معهم بعنفٍ وعنجهية، وإنما علينا إيصال الحق إليهم بطريقة يبيّنها سبحانه وتعالى بقوله: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].
هذا من ناحية إيصال المبدأ الحق إلى الطرف الآخر، وهذا لا يتعارض مع الثبات على المبدأ، فالثبات على المبدأ الحق هو الثبات على جوهر وأساس المبدأ، أمّا الدعوة والجدال بالتي هي أحسن مع الطرف الآخر فهي طريقة أو أسلوب لإيصال المبدأ، وليس المقصود منها التنازل عن المبدأ الحق أو جزء منه.
وكما في القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على الثبات على المبدأ الحق؛ كذلك في السنة والسيرة النبوية المطهرة أحاديث ومواقف كثيرة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومن أهمها في هذا المجال عندما عرضت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم السلطان والملك عن طريق عمه أبي طالب؛ ثبت صلى الله عليه وسلم على موقفه ومبادئه فقال: يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه.
وكذلك ضرب الصحابة الكرام رضي الله عنهم مثالاً في الثبات على المبدأ الحق كثبات سيدنا بلال رضي الله عنه على مبدئه تحت الصخر والعذاب، وكذلك سيدنا خبيب بن عدي رضي الله عنه وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم جميعاً.
وكان من نتائج ثباتهم على المبدأ الحق تحقيق النتائج المرجوة، فثبات رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة كان من أهم نتائجه إيمان أهل مكة جميعاً وانتشار الدين الحق الذي جاء به في كل أنحاء المعمورة، وثبات سيدنا بلال- رضي الله عنه- تحت الصخر؛ كان من نتائجه أنه أول من صدح بالآذان في الإسلام، وثبات سيدنا خبيب كان من نتائجه قناعة كل من شارك في قتله بأنه صادق وأنه على الحق.
والسؤال الذي يثار الآن: ما هي الخطوات التي يمكن السير عليها للثبات على المبدأ الحق؟
الخطوة الأولى: هي الفهم الصحيح للإسلام والفهم الصحيح لما يريده الإسلام، والفهم الصحيح لمقاصد الشريعة الإسلامية؛ لأن عدم الفهم الصحيح للإسلام يؤدي إلى تشويه الحق الذي يريده.
والخطوة الثانية: هي ملازمة الصحبة الصالحة التي تطبق الإسلام الصحيح وتدعو إلى مبادئه الصحيحة، ولنتأمل قول الله سبحانه وتعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28].
أمّا الخطوة الثالثة للثبات على المبدأ الحق هي: الدعاء بالثبات، فقد كان صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء بالثبات فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: ((يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ))، قَالَ: فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: فَقَالَ: ((نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يُقَلِّبُهَا)). مسند الإمام أحمد (12107).
اللهم ثبتنا على دينك وثبتنا على المبدأ الحق وآخر أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.