الفتنة الكبرى وأثرها في الوعي الجمعي الإسلامي من الفتنة إلى التفرق… كيف تصدّع الوعي الجمعي للأمة؟
25 مارس، 2026
العلمانية وغزو بلاد العرب
بقلم د. بدر الفيومي
دكتوراه فى الفلسفة والفكر العربى والاسلامى المعاصر
إن النظر في تاريخ الأمة ليس ترفًا ذهنيًا، ولا هو من قبيل الحكايات التي تُروى للتسلية، وإنما هو باب من أبواب الوعي الجمعي الذي به تدرك الأمم مواقع الزلل، وتتبين مواطن الخلل، وتعرف كيف يتسرب الانحراف إلى النسق العقدي والفكري والسياسي حين يضعف ميزان البصيرة، ويقوى سلطان الهوى، ويتصدر المشهد المجترئون والمشككون ، بل والمجدفون الذين لا يقفون عند حد النقد المنهجي الرشيد، وإنما ينزلقون إلى التجديف، وإلى العبث بهاتيك القضايا الكبرى التي شكّلت وجدان الأمة ومسارها التاريخي.
وحريٌّ بنا، ونحن نفتتح هذه السلسلة، ألّا نقارب أحداث الفتنة التي وقعت بين الصحابة رضي الله عنهم بمنهج المجترئين، ولا بعدسات المجتزئين، ولا بطرائق المجدفين الذين يقتاتون على الشبهات، ويجعلون من التاريخ مطيّة للتشكيك، ومن الوقائع الكبرى بابًا للتجديف في خير القرون، الأمر الذي يقودنا إلى زيغٍ في الفهم، وانحرافٍ في المنهج، وخللٍ في الوعي الجمعي، ناهيك عن آثاره المدمرة في حاضرنا المعيش.
ذلك أن الكلام في الفتنة ليس بابًا مفتوحًا لكل متأول، ولا ميدانًا مباحًا لكل مشكك، بل هو من هاتيك المواطن التي يجب أن تمر عبر غرابيل العلم، وأن تخضع لنهج المتفقهين، لا لتهويمات المتأسلمين، ولا لخطاب قادة الرأي الذين يبدوا عليهم التبسيط ، فإذا ما حاولنا أن نفهم منشأ الفرق الإسلامية، وجدنا أن الطريق لا يبدأ من مجرد خلاف سياسي عابر، بل من انحرافٍ في النسقية الحاكمة للفهم، وتسلل الأغيار إلى بنية النظر، الأمر الذي حوّل الخلاف المحدود إلى مشروع افتراق ممتد في الوقت المعيش.
ومن أعمق النصوص المؤسسة في هذا الباب حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وهو حديث يكشف أن الشر قد يتخلل المسار بعد الخير، وأن الدخن قد يلابس بعض الأزمنة، وأن دعاة الضلالة قد يخرجون من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. ففي الصحيحين من حديث حذيفة رضي الله عنه قال: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني…) إلى أن قال صلى الله عليه وسلم: (دعاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها)، ثم قال له: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)، فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام: (فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك).
وهنا نجد أن النص النبوي لا يكتفي بوصف الفتنة، بل يضع لها إطارًا منهجيًا حاكمًا وهو لزوم الجماعة، والحذر من دعاة التلبيس، والبعد عن الفرق حين تنفصل عن الجادة والصواب. ولذلك فهذا الحديث أصل عظيم في فهم نشأة الانحراف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل النجاة في الشغب، ولا في التمرد، ولا في لهاث العامة خلف الأصوات المرتفعة، وإنما جعلها في لزوم الجماعة، وفي الانحياز إلى الحق، لا إلى الانفعال.
وقد فطن الشراح إلى الصلة الوثيقة بين هذا الحديث وبين الفتنة الكبرى التي وقعت بعد مقتل عثمان رضي الله عنه. قال الحافظ ابن حجر في بيان المراد بالشر الأول: (ذكر أكثر الشراح أن المراد بالشر الأول الفتن التي وقعت عند قتل عثمان وما بعده). وهذا التقرير من أهل العلم يقودنا إلى زيغٍ بيّن إذا ما تجاهله المجتزئون؛ لأنهم كثيرًا ما يقتطعون الوقائع من سياقها، ويجعلونها مادة للتشهير لا للتبصر، وللإدانة لا للاعتبار.
بل إن الإمام ابن بطال وقف عند هذا الحديث وقفةً كاشفة، فقال: (هذا الحديث من أعلام النبوة… وفيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك القيام على أئمة الجور…) . فمذهب أهل السنة في النظر إلى الفتنة لم تُبنَ على تمجيد الصراع، ولا على إحياء الجراح، وإنما بُنيت على قاعدة كبرى وهي صيانة الجماعة، ومنع التفرق، وسد ذرائع الاحتراب الداخلي، لأن الأمة إذا تصدّع نسقها الجامع، دخلتها الأهواء من كل باب.
ولذلك لما سئل أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه عن الفتنة، قال -كما روي عن محمد بن سيرين: (عليك بالجماعة، فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة، والجماعة حبل الله، وإن الذي تكرهون من الجماعة خير من الذي تحبون من الفرقة). وهذا الأثر من النصوص المحكمة في بابه، إذ يكشف أن الوعي المبكر لم يكن وعيًا مولعًا بتوسيع الشقاق، بل كان وعيًا يستشعر خطر الانفصال عن الجماعة، ويعلم أن الفرقة ليست مجرد اختلاف في الرأي، بل انهدام في البناء، وتآكل في البنية، وتفكك في النسقية الجامعة للأمة.
وإذا ما انتقلنا إلى القرآن الكريم، وجدنا أن أصل المسألة محسوم من جهة المرجعية، قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا) آل عمران: 103. فهذه الآية لا تنهى عن التفرق في صورته الظاهرة فحسب، بل تؤسس لمنهج الاعتصام نفسه؛ إذ لا وحدة بلا مرجعية، ولا جماعة بلا أصل حاكم، ولا اجتماعًا معتبرًا إلا إذا كان على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بنهج سلف الأمة.
ومن هنا فإن كثيرًا من الجانحين في حاضرنا المعيش، يتحدثون عن الوحدة حديثًا عائمًا منزوع الجذور، بينما النص القرآني يربطها بحبل الله لا بأهواء الأغيار، ولا بتوفيقات تلفيقية يروّج لها. يقول الله تعالى أيضًا:(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) النساء: 59. وفي هذا النص تأسيس بالغ الدقة؛ لأن التنازع ليس مبررًا لهدم الأصل، بل موجبٌ للرد إلى الوحي.
غير أن كثير من الفرق لمّا انحرفت عن هذا النهج، وقدّمت التأويلات المحدثة، والمطامع السياسية، والانتصارات النفسية، على النص المحكم، بدأ الانشقاق يتكاثر، وبدأ التجديف يتلبس لبوس التأويل، وبدأ المجتزئون يقتطعون من الدين ما يخدم أغراضهم، الأمر الذي أفضى إلى ميلاد الفرق، لا بوصفها مدارس اجتهاد منضبط، بل بوصفها مسارات انفصال عن الجادة.
ومن ثم؛ فإن الفتنة التي وقعت بين الصحابة رضي الله عنهم لا يجوز أن تُقرأ بعقلية الحاقدين، ولا بمنطق المنافقين، ولا بخطاب المتأسلمين الذين يوظفون التاريخ لتصفية حساباتهم مع منهج أهل السنة. فالصحابة رضي الله عنهم هم صفوة الأمة بعد نبيها، وما وقع بينهم كان فتنة عظيمة اجتهد فيها أهل السابقة والفضل، والإمساك عمّا شجر بينهم إلا بعلم وعدل، مع الاعتراف بأن تلك الأحداث كانت مدخلًا استثمرته القوى المنحرفة، والنفوس المريضة، والتيارات المتأولة، لصناعة مشاريع افتراق طويلة الأمد.
وقد قرر أهل السنة هذا الأصل بوضوح، فقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله كلمة تُكتب بماء الذهب:( تلك دماء طهّر الله منها أيدينا، فلا نُلطّخ بها ألسنتنا). وهذا ليس هروبًا من التاريخ كما يزعم بعض المشككين، بل هو نهج في التعامل مع التاريخ بحيث نفهمه للاعتبار، لا للتشهير؛ ونقرأه للتحصين، لا للانتقام؛ ونستبصر به في الوقت المعيش، لا لنستدعيه أداةً لإشعال الأحقاد في الوعي الجمعي.
فالانحراف لم يبدأ يوم وُجد الخلاف فحسب، بل يوم جرى إخراج الخلاف من دوائر الاجتهاد المقيّد إلى ساحات التعبئة المفتوحة، ويوم تسلل المنافقون والحاقدون إلى المشهد، فصاروا يغذون نار الفتنة، ويؤسسون لخطاب يضرب الثقة، ويزعزع الجماعة، ويجعل الناس أسرى لنهوجٍ شتى، كل نهج منها يدّعي النقاء، بينما هو في الحقيقة يبدوا جزءًا من نسق متصدع لا يملك أن يجمع الأمة على أصل.
وهنا ينبغي أن نفرق بين أمرين: أولًا: الفتنة بوصفها حدثًا تاريخيًا معقدًا، له ظروفه وملابساته واجتهاداته. وثانيًا: الافتراق بوصفه مشروعًا فكريًا وعقديًا نشأ بعد ذلك حين تحولت الوقائع إلى أصول مذهبية، وصارت الدماء شعارات، وصار التأويل الحزبي بديلًا عن الفقه، وصار المتأولون ينسجون من بعض الأحداث مرويات كبرى يواجهون بها نسق أهل السنة والجماعة.
وعليه، فإن أول ما يجب تقريره هو أن ظهور الفرق الإسلامية لم يكن ثمرة طبيعية لاختلاف الصحابة في ذاته، بل كان ثمرة لاستثمار ذلك الاختلاف من قبل المجدفين، والمجترئين، والمنافقين، ومن في قلوبهم مرض، والذين حملوا الوقائع على غير محاملها، ثم بنوا عليها سرديات كاملة، فخرجت الخوارج أولًا بمنطق التكفير والتمرد، ثم ظهرت سائر المسارات التي جعلت من التاريخ مادة لتأسيس العقائد، لا مجرد مجال للعبرة.
وإذا ما حاولنا أن نقرأ هذا كله في حاضرنا المعيش، وجدنا أن العلة القديمة ما تزال تتكرر بأسماء جديدة، ( اقتطاع النصوص، اجتزاء الوقائع، التهوين من شأن الجماعة، تضخيم الأخطاء، إسقاط معارك الحاضر على رموز الماضي، واستثمار جهل شبيبة الأمة بالتاريخ وبمنهج أهل السنة)، الأمر الذي يجعل الساحة مفتوحة للمشككين على مقام الصحابة أنفسهم، تحت دعاوى (القراءة الحرة) أو (المراجعة الشجاعة) أو (تفكيك المقدس)، وهي كلها عناوين قد يندس تحتها الانحراف المموه.
وصفوة القول فإن الفتنة التي وقعت بين الصحابة رضي الله عنهم يجب أن تُقرأ ضمن نهج أهل السنة القائم على التوقير، والعدل، والإمساك عما شجر بينهم إلا بحق، مع الإقرار بأن تلك الأحداث كانت من أخطر المنعطفات التي استغلها أهل الأهواء في صناعة التفرق، وتوسيع الشقاق، وإدخال الأمة في دوائر من الانقسام لا تزال آثارها حاضرة في الوقت المعيش. والأمر الذي ينبغي التنبيه عليه أن علاج هذا الانحراف لا يكون بإحياء الخصومات، بل بالرجوع إلى حبل الله، وإلى نهج السلف المتقدمين خير القرون، وإلى غرابيل العلم، وإلى خطاب منضبط يرد على المشكين والحاقدين والمنافقين، دون أن يسقط في التهويل أو التبسيط.