الرجولة في محراب رمضان
23 فبراير، 2026
الإسلام وبناء الحضارة

بقلم الدكتور اسلام عوض مدير تحرير بجريدة الاهرام
حين يهل علينا شهر رمضان بمصابحه المضيئة ونفحاته العطرة، تشرق في النفوس تساؤلات تتجاوز حدود الجوع والعطش، لتبحث عن الجوهر الحقيقي للإنسان الذي اصطفاه الله لحمل الأمانة؛ ففي هذا المحراب الزماني نكتشف أن الرجولة ليست مجرد لقب، بل هي مقامٌ يُنال بالصدق والعمل.
لقد تباينت نظرات الناس قديمًا وحديثًا في تفسير معنى “الرجولة”؛ فمنهم من حصرها في قوة البنيان وسطوة الشجاعة، ومنهم من رآها في أبهة الزعامة وحزم القيادة، وآخرون قاسوها بمدى القدرة على حشد المال وبذل الجاه والشفاعة وتخليص مهام الخلق بأي السبل كانت.
غير أن ميزان السماء الذي يتجلى بوضوح في محراب الصيام، يقدم لنا تعريفًا أسمى وأعمق؛ فالرجولة في حقيقتها، كما وصفهم تعالى: (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)؛ أي أن الرجولة هي ذاك الصدق الذي تفيض به أرواح المؤمنين الذين عاهدوا الله ولم يبدلوا تبديلاً، وهي الطهارة التي تمزج بين نقاء الظاهر وصفاء الباطن، تمامًا كما يحب الله “المطهرين”.
إن الأمة اليوم، وهي تعيش أجواء الصوم الصادق، في أمس الحاجة إلى رجال يحملون همّ الدين والوطن، لا بموازين الوجاهة الاجتماعية التي تفتح الأبواب للموسرين وتغلقها أمام المفتقرين، بل بميزان النبوة الذي أخبرنا أن رجلًا ضعيفًا أشعث قد يزن عند الله ملء الأرض من أصحاب المناصب والجاه، فالعبرة بالتقوى والعمل الصالح، والسيقان الدقيقة التي تهزها الريح قد تكون في ميزان الله أثقل من جبل أحد.
وفي رمضان، تتجلى الرجولة كفعل من أفعال الصمود أمام الملهيات، واستعلاءٍ على المغريات، وحذرٍ من يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار؛ فالرجل الحق هو الذي لا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وهو الذي يمتلك شجاعة الكلمة والصدع بالحق، تمامًا كما فعل ذلك الرجل المؤمن من آل فرعون، (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ…)
والرجولة مسئولية وقوامة، لا تعني القهر أو التسلط، بل هي رعاية واحتواء، يقتدي فيها الرجل بنبيه الكريم الذي كان في بيته ألين الناس وأضحكهم بسّامًا، يخصف نعله ويخيط ثوبه ويحلب شاته، ضاربًا أروع الأمثلة في أن الرجولة شهامة ومروءة وتعاون، وليست مجرد سيادة جوفاء.
وهذه الصفات لا ترتبط بسن معينة، فقد نجد شيخًا توارى خلف تجاعيد السنين، غير أن روحه لا تزال غضةً تضيق ذرعًا بصغائر الأمور، وقد نرى صبيًا مثل عبدالله بن الزبير يمتلك من الثبات أمام الفاروق عمر ما يعجز عنه الكبار، مؤكدًا أن العقد الاجتماعي الحقيقي يقوم على احترام المعرفة والإنتاج لا على كبر السن أو ضخامة الأجسام التي وصفها القرآن بأنها “خشب مسندة” لا وزن لها يوم القيامة.
ولأن الرجولة موقف وقيمة، فإن التاريخ سطر نماذج نسائية تفوقت بجرأتها على مدعي الرجولة؛ فها هي صفية بنت عبدالمطلب في غزوة الخندق تحمي حصون النساء بشجاعة نادرة، وها هي “أم غضنفر” تدفع بابنها الوحيد نحو آفاق العزة والكرامة، لتثبت أن صناعة الرجال هي أعظم مهنة يمكن أن تضطلع بها مؤسسات المجتمع.
إن الدول الحقة لا تبنى بالذهب واللؤلؤ، بل بالرجال الذين تمنى عمر بن الخطاب أن تملأ بهم داره، أمثال أبي عبيدة ومعاذ بن جبل، ليعيدوا للأمة ريادتها النابهة.
ففي رمضان، حيث تشتد العزائم، ندرك أن القوة ليست بحد السلاح بقدر ما هي في قلب الجندي، وأن الرجولة هي الثبات في الأزمات والقبض على جمر الحق حين تضطرب الفتن.
إنها “المسئولية” الأخلاقية التي تجعل من الرجل قدوة، يرى في الصيام تدريبًا على ضبط النفس، وفي القيام تثبيتًا على منهج الله، ليكون بحق من أولئك الذين خرجوا من محراب العبادة بصفات الرجال الذين استحقوا هذا الوصف في أكثر من خمسين موضعًا في كتاب الله، وهذا يؤكد أن عظمة الأمم تكمن في صناعة الرجال أصحاب العقول والقلوب.