التنزيه طريق الأئمة والتجسيم زلة الفهم
22 فبراير، 2026
العقيدة والصفات

بقلم أ : مهدي المعاملي معلم بالأزهر الشريف وخطيب بوزارة الأوقاف
سؤال يُطرح في كل يوم بل في كل لحظة ، حتى أصبح عمل من ليس له عمل ، وموردا لمن أراد الشهرة ، وميدانا للجدل نزل إليه من يتقن القول ومن هو أعجمي كالصنم، وخاض فيه العاقل ومن أصيب باللمم
وكأن لسان الحال يقول : إذا أنت لم تنفع فضر فإنما يرجى الفتى كيما يضر وينفع.
بالأمس استمعت إلى أحد رواد التواصل الاجتماعي ، ممن طالت لحيته وقصر فهمه وإدراكه ، وقل عقله ، وذهب في مهب الريح منطقه.
كان صاحبنا يتهم أئمة الدين بالضلال ، ويرميهم بالشرك والبدع، يعدد الأدلة ، وينقل النقول ، وكأنه إمام العصر، وشيخ الوقت ، فقلت في نفسي: لله در الشيخ جوجل الذي أنطق الأصم ، وعلّم الجاهل، وزاد بضاعة الحمقى.
وكنت أود لو أني سألت أخينا سؤالا فيجيبني ، بالله عليك هل تظن أن أئمة الدين كالنووي والسيوطي ، وابن حجر ، والسبكي ، وغيرهم كانوا يجهلون هذه الأدلة التي أتعبت نفسك في ترديدها؟، بالطبع ستكون الإجابة ، لا ، وكيف يجهلونها وهم من دونوها في كتبهم التي بين أيدينا ننهل منها.
إن المشكلة ليست في الأدلة ، فالكل على علم بها ، إنما المشكلة في فهم هذه النصوص ، فأئمة الدين أولو هذه النصوص تأويلا ينزه الله عن شبهة التجسيم ، وشبهة الحلول في الحوادث ، إذ كيف لخالق قديم قدم الأزل ، أن يحل في حادث كالسماء ، أويجلس على حادث كالكرسي ، وكلاهما مكتوب له الفناء ، فأين كان الله قبل خلقهما؟ ، وأين سيكون بعد فنائهما؟.
وبالله عليك أجبني ، لو أنك حاورت ملحدا ، فقال لك : أين الله؟ فقلت: له في السماء ، فقال لك: أهو أكبر أم هي ؟ فبماذا ستجيب ؟ إن قلت هو أكبر فقد نطقت سفها ، إذ كيف يكون أكبر منها وتحويه، ولو قلت أصغر منها كفرت ، إذ كيف يكون الخالق أصغر من المخلوق ، وكيف يحل ويوجد فيما خلق.
ولو قال لك هذا الملحد، أالله ينزل من السماء إلى الدنيا بذاته؟ فقلت كما تعتقد ، نعم ينزل ، فماذا سيكون جوابك إذا قال لك : وماحاجته إلى النزول؟ ، هل ستقول مثلا ينزل ليطلع إلى جميع خلقه ، في هذه الحالة سيقول لك الملحد ، وهل كان ربك جاهلا بأحوالهم ، عاجزا عن إدراكها.
بالطبع ، لا ، وحاشاه ، إن القصور المعرفي ، جعل هؤلاء متخبطون في ظلمات الجهل ، عاجزون عن إدراك المآلات.
إن علم العقيدة يوم وضع لم يوضع ليحدد طريق الإيمان للمؤمنين ، وإنما وضع ليرد العلماء على الملاحدة الذين يؤمنون بالعقل لابالآيات والأحاديث.
وهذا جواب على كل من يسأل قائلا : ألم يكن الناس يعرفون عقيدتهم قبل الإمام الأشعري؟ ، نقول لهم : بلى كانوا يعرفونها ، ولكنها كانت محصورة في إيمان عميق بوجود الله ، دون التطرق إلى ذاته أو مكانه، فلما ظهر الفلاسفة والمتكلمون والمعتزلة وطرحوا هذه الأسئلة كان من الواجب على علماء الإسلام الرد.
ثم بقيت هذه العلوم وتلك الأسئلة حبيسة على أهل التخصص ، يجيبون بها كلما طرحها أهل الباطل وأعداء الدين ، ثم ابتلينا في عصرنا الحاضر بمن أخرجها للعامة ، ونثرها على رءوس القوم ، متبعا في ذلك منهجا غير سوي لا يستقيم مع العقل والمنطق، متسما بالعنف يكفر به من يخالفه القول ، ولو كان عالما من علماء الدين ، مطلقا شعارات رنانة معتقدا في نفسه أنه أسد السنة ، والدافع عن الدين.