الصحة النفسية حين يتصالح الإنسان مع ذاته
22 فبراير، 2026
بناء وتنمية الذات

بقلم الأستاذة : يمنى محمد عاطف
لم تعد الصحة النفسية رفاهية فكرية، ولا شعارًا يُتداول في الندوات، بل أصبحت ضرورة وجودية في زمن تتسارع فيه المتغيرات وتتعاظم فيه الضغوط. فهي ليست مجرد غياب القلق أو الحزن، وإنما حالة من الاتزان الداخلي تنعكس على السلوك، وطريقة التفكير، ونظرة الإنسان إلى نفسه والعالم من حوله.
وتبدأ الصحة النفسية من الرضا؛ من الإيمان بالقضاء والقدر، ومن تقبّل الحياة بما فيها من ابتلاءات ومنح. فالإنسان الذي يتصالح مع واقعه، ويفهم أن التغير سنة كونية، يكون أكثر قدرة على الصبر، وأحسن تصرفًا في المواقف الصعبة.
غير أن هذا الاتزان لا يتحقق إلا إذا أدرك الإنسان أن له بيئتين:
بيئة داخلية تتمثل في تكوينه البيولوجي والنفسي، وبيئة خارجية تتمثل في المجتمع، والعمل، والاقتصاد، والثقافة، والتكنولوجيا.
فالبيئة الداخلية — بما تحمله من احتياجات جسدية كالمأكل والمشرب والنوم، واحتياجات نفسية كالأمان والانتماء والتقدير — تتأثر تأثرًا مباشرًا بالعالم الخارجي. وعندما يغفل الإنسان فهم طبيعته، أو يتجاهل حدود طاقته، يبدأ الصراع الداخلي، ويظهر التوتر والتقلب المزاجي.
كثير من مشكلاتنا النفسية تنشأ من المقارنة بالآخرين، أو من محاولة تقليد أنماط لا تناسب تكويننا. فنحمل أنفسنا فوق طاقتها، وندخل في سباق لا يعنينا، فنفقد التوازن. ولهذا كان من الضروري أن نفرّق بين ما هو ضروري وما هو ثانوي، وبين المهم وغير المهم، حتى لا تضيع أعمارنا في مطاردة سراب.
إن العقل يحتاج إلى تصفية مستمرة، كما يحتاج الجسد إلى تجديد خلاياه. تصفية للأفكار الزائدة، وللتراكمات السلبية، ولذكريات الماضي المؤلمة التي تثقل الحاضر. وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة من الصفاء، تبدأ مرحلة التكيف؛ أي القدرة على التعامل مع التغيرات دون أن يفقد هدوءه أو توازنه.
وتقوم احتياجات الإنسان على درجات متتابعة:
فهو يحتاج أولًا إلى أساسيات الحياة من طعام وشراب وصحة، ثم إلى عمل يحقق له الاستقرار، ثم إلى أسرة تمنحه الانتماء، ثم إلى الأمان، ثم إلى التقدير وتحقيق الذات. وإذا اختلّ أحد هذه الجوانب، انعكس ذلك على حالته النفسية.
غير أن أهم ما يدعم هذا البناء كله هو الاختيار الواعي للبيئة المحيطة؛ فالبيئة السلبية تُرهق النفس، والبيئة الإيجابية تدفعها نحو النمو. ومن هنا كان التجديد المستمر ضرورة، سواء في الفكر أو العلاقات أو أسلوب الحياة.
ولعل من أبسط الوسائل العملية للحفاظ على الصحة النفسية تمرين التنفس الواعي؛ أن يجلس الإنسان لحظات مع نفسه، يغمض عينيه، يأخذ نفسًا عميقًا، ويُخرج ما بداخله من توتر، مستحضرًا معاني إيجابية، ومستبدلًا السلبية بالأمل. فالتجديد لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل.
وفي النهاية، يمكن القول إن الصحة النفسية هي موازنة دقيقة بين الداخل والخارج، بين احتياجات الجسد ومتطلبات المجتمع، بين الماضي والحاضر، بين الطموح والرضا. وهي رحلة وعي مستمرة، كلما تعمّق الإنسان فيها، اقترب من السكينة التي وعد الله بها عباده، فقال:﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
فالطمأنينة قرار داخلي، قبل أن تكون ظرفًا خارجيًا.