رمضان وفلسفة التكافل الاجتماعي

بقلم أ.د/ مها محمد عبد القادر أستاذ أصول التربية كلية التربية بنات بالقاهرة – جامعة الأزهر

يأتي شهر رمضان كل عام حاملاً معه نسقًا قيميًا متكاملًا، يتجاوز حدود الامتناع عن الطعام والشراب إلى إعادة تشكيل الضمير الفردي وبناء الروابط الاجتماعية على أسس من الرحمة والعدل والإحسان، حيث تتوحد فيه الجهود لإحياء روح التكافل الاجتماعي، وتتكثف فيه مظاهر العطاء، وتستعاد فيه المعاني الأصيلة للانتماء إلى جماعة متراحمة متكافلة، ويعد الصيام تجربة إنسانية وجدانية واجتماعية تسعي لتربية الحس الاجتماعي وتعيد الإنسان إلى أصل فطرته، وتجعله يختبر معنى الحاجة والافتقار وتوقظ لديه الإحساس بمعاناة الفقراء والمحرومين.

وعلى امتداد العصور الإسلامية تجلت صور مشرقة من التكافل الاجتماعي، حتى أضحي شهر رمضان شهرًا تتجدد فيه معاني التضامن والتراحم، وتتعاظم فيه روح الجماعة فقد عرفت موائد الإطعام التي تقام للفقراء وعابري السبيل، فتتسع البيوت والمساجد والطرقات لاستقبال المحتاجين دون تمييز، في مشهد يعكس تماسك المجتمع ووحدة نسيجه الإنساني، وازدهرت أوقاف البر التي خصص ريعها لإطعام الجائعين وكسوة المحتاجين ورعاية الأرامل والأيتام، فكانت نموذجًا مؤسسيًا يترجم القيم إلى نظم دائمة العطاء، كما تنشط صناديق الزكاة والصدقات في هذا الشهر المبارك، طلبًا لتزكية المال والنفس، فيتحول رمضان إلى فضاءٍ اجتماعيٍّ تتكثف فيه أعمال الخير، وتتسابق فيه الأيدي إلى البذل، وتتجلى فيه معاني الأخوة والرحمة لبناء مجتمع متكافل.

ويُعد من أبهى النماذج التي توضح فلسفة التكافل في الإسلام ما قام به رسولنا الكريم ﷺ من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في المدينة المنورة؛ فقد كانت تلك المؤاخاة تأسيسًا عميقًا لعقد أخلاقي وإنساني واجتماعي جديد، ألغى الفوارق القبلية والاقتصادية، وأقام رابطة تقوم على الإيمان والمسؤولية المشتركة، فقد تقاسم الأنصار دورهم وأموالهم مع إخوانهم المهاجرين، وفتحوا لهم أبواب الرزق والعمل، فانتقل التكافل من دائرة العاطفة إلى مستوى الشراكة الحقيقية في الحياة والمعاش، ليصبح نموذجًا عمليًا لبناء مجتمع متماسك يقوم على التضامن والعدل.

ويمتد هذا المعنى في تجربة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي نظر إلى الرعاية الاجتماعية بوصفها واجبًا شرعيًا ومسؤولية أخلاقية تقع على عاتق الدولة مشاركة مع الأفراد، فأرسى قواعد تنظيم العطاء من بيت المال، ووضع نظمًا دقيقة لتوزيع الموارد بما يحقق الكفاية ويصون الكرامة الإنسانية، دون تمييز، كما جاء اهتمامه بالفقراء والمحتاجين ممارسة يومية تتجلى في تفقده لأحوال الرعية، وسعيه الدائم لتحقيق العدالة الاجتماعية بوصفها ركيزة لاستقرار المجتمع وقوته.

ويعد استحضار هذه النماذج التاريخية قراءة واعية لقيم حية قابلة للتجدد والتفعيل في واقعنا المعاصر، فالتكافل في الرؤية الإسلامية يعد فلسفة متكاملة تؤسس لعلاقة متوازنة بين الفرد والمجتمع والدولة، وتقوم على ثلاثة أبعاد متقاطعة، بُعد روحي يزكي النفس ويعمق الإحساس برقابة الله ومسؤولية الإنسان عن أخيه الإنسان، فيتحول العطاء إلى عبادة، والتضامن إلى مظهر من مظاهر اكتمال الإيمان؛ وبُعد اجتماعي يحد من الفوارق الاقتصادية، ويعزز السلم المجتمعي، ويقوي وشائج الثقة والانتماء، فيشعر كل فرد أنه جزء من كيان متكامل لا يترك فيه الضعيف فريسة للعوز؛ ثم بُعد مؤسسي يترجم القيم إلى نظم راسخة كالأوقاف وصناديق الزكاة ومؤسسات الرعاية، بما يضمن استدامة الأثر وانتظام العطاء بعيدًا عن الارتجال والموسمية، وبهذا يصبح التكافل رؤية شاملة، تبدأ من تهذيب الضمير، وتمر ببناء المجتمع، وتستقر في مؤسسات تحفظ الكرامة الإنسانية وتكفل حق العيش الكريم، لتشكل في مجموعها أساسًا قويًا للعدالة والاستقرار والتنمية المستدامة.

ويمكن إعادة تفعيل هذه القيم، عبر تطوير مؤسسات الوقف الخيري وتحديث آلياته، وتنظيم العمل الأهلي في إطار مؤسسي منضبط، وتوظيف التكنولوجيا في إدارة أموال الزكاة والصدقات بشفافية وكفاءة تعزز الثقة المجتمعية، مع ربط الجهود الخيرية بخطط التنمية المستدامة بحيث تتجه مواردها نحو التعليم الجيد، والرعاية الصحية الشاملة، وتمكين الفئات الأكثر احتياجًا اقتصاديًا، وتحويل الإعانة من نمط استهلاكي مؤقت إلى مسار تنموي منتج، وتمكنا من بناء نموذج يجعل من التكافل ركيزة راسخة للتنمية والعدالة والاستقرار.

كما يسهم شهر رمضان في تعزيز برأس المال الاجتماعي، أي شبكة العلاقات القائمة على الثقة والتعاون والتكافل؛ حيث توفر التجمعات اليومية في المساجد، وموائد الإفطار الجماعية، وصلاة التراويح، فضاءً إنسانيًا متجدد يعيد ترميم ما قد تضعفه مشاغل الحياة الحديثة من صلات وروابط، وهذا التراكم الرمزي للقيم والعلاقات والثقة يمثل ركيزةً أساسية للاستقرار المجتمعي والتنمية المستدامة؛ فالمجتمع الذي تسوده روح التكافل وتتجذر فيه الثقة المتبادلة يكون أقل عرضة للتفكك، وأكثر قدرة على التماسك في مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وأقدر على تحويل طاقاته الروحية إلى قوة بنائية تدعم مسار التنمية وتضمن استمراريتها.

ويتجلى الأثر الإيجابي لرمضان في مضاعفة أعمال البر وتنامي روح العطاء، وتحويلها لسلوك دائم يرسخ العدالة المستدامة في بنية المجتمع، فالتكافل فلسفة حياة تقوم على الاعتراف المتبادل بالكرامة الإنسانية، وعلى الإيمان بأن للآخر حقًا في مال القادر وجهده واهتمامه، وبالتالي فإن تعزيز التكافل الاجتماعي في رمضان يقتضي الانتقال من العفوية المؤقتة إلى التخطيط المؤسسي الرشيد، بحيث تدار الموارد بكفاءة، وتوجه المبادرات نحو معالجة مشكلة الفقر من الجذور.

وتأتي أهمية التربية والتعليم في غرس هذه القيم منذ الصغر، لينشأ الطفل على أن العطاء واجب أخلاقي ومسؤولية اجتماعية، ويتعين كذلك أن تتكامل السياسات العامة مع المبادرات الأهلية في إطار من التنسيق والتكامل، بما يحقق عدالة اجتماعية حقيقية، ويقلل الفجوات، ويمنح الجميع فرصًا متكافئة لحياة كريمة، وهكذا يظل رمضان شهر عبادة وصيام، ومدرسة تربوية لإحياء فلسفة التكافل، وتذكيرًا بأن المجتمع القوي هو الذي تتآزر فيه المسؤولية الفردية مع الرؤية المؤسسية، ويشعر فيه كل فرد أن كرامته مصونة، وأن حاجته لن تترك دون سند، ومن ثم يظل التكافل روح الرسالة وأساس العمران، تسمو به القلوب وتبني وتزدهر الأوطان، وتصان الكرامةُ الإنسانية ويستقيم ميزان العدالة؛ فصفاء النية وحسن التنظيم، يتحول العطاء لمنهج حياة وحضارة خالدة، تصنع التنمية وتؤسس للاستقرار.