خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِبِعُنْوَانِ: مَلْحَمَةُ الصُّمُودِ وَالْعَطَاءِ.. رَمَضَانُ شَهْرُ الْإِرَادَةِ الْفُولَاذِيَّةِ وَالْكَرَمِ الْمُحَمَّدِيِّ
19 فبراير، 2026
خطب منبرية

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِبِعُنْوَانِ: مَلْحَمَةُ الصُّمُودِ وَالْعَطَاءِ..
رَمَضَانُ شَهْرُ الْإِرَادَةِ الْفُولَاذِيَّةِ وَالْكَرَمِ الْمُحَمَّدِيِّ
بِقَلَمِ فَضِيلَةِ الشَّيْخ / أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ
بِتَارِيخِ: ٠٣ مِنْ رَمَضَان ١٤٤٧ هـ – ٢٠ مِنْ فِبْرَايِر ٢٠٢٦ م
عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ:
١. فَلْسَفَةُ الِاسْتِعْلَاءِ: كَيْفَ يُعِيدُ الصِّيَامُ تَعْرِيفَ “الْقُوَّةِ” وَصِنَاعَةَ الْإِرَادَةِ؟
٢. جِهَادُ الْبَاطِنِ الْأَكْبَرُ: “صِيَامُ الْعَارِفِينَ” وَالتَّحَرُّرُ مِنْ سَطْوَةِ الْغَيْرِيَّةِ.
٣. الْكَرَمُ بِوَصْفِهِ “عِبَادَةً عَقْلِيَّةً”: لِمَاذَا نَجُوعُ لِنُطْعِمَ؟ وَلِمَاذَا نَحْرِمُ أَنْفُسَنَا لِنُعْطِيَ؟
٤. مَوْسُوعَةُ الْجُودِ: نَمَاذِجُ تَارِيخِيَّةٌ مُوَثَّقَةٌ لِأَكَابِرِ الْأُمَّةِ فِي الْبَذْلِ وَالْإِيثَارِ.
٥. الْبُخْلُ الْمَقْنُوعُ: خَطَرُ الشُّحِّ بِالْعَفْوِ وَالْمَشَاعِرِ وَالْبَسْمَةِ فِي أَيَّامِ الرَّحْمَةِ.
٦. الْمَسْؤُولِيَّةُ الْمُجْتَمَعِيَّةُ لِلتُّجَّارِ وَالْمُوسِرِينَ: فِقْهُ التَّكَافُلِ فِي أَوْقَاتِ الْأَزَمَاتِ.
٧. خُطَّةُ الْبِنَاءِ الْأُسْرِيِّ: مِيثَاقٌ عَمَلِيٌّ (٧ خُطُوَاتٍ) لِتَحْوِيلِ الْبَيْتِ إِلَى مِحْرَابِ عَمَلٍ.
الْخُطْبَةُ الْأُولَى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حَمْدًا لَا يَنْقَطِعُ مَدَدُهُ، وَلَا يُحْصَى عَدَدُهُ، وَلَا يَنْفَدُ أَمَدُهُ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الصِّيَامَ مِضْمَارًا لِلسَّبْقِ، وَالْقِيَامَ مِعْرَاجًا لِلْحَقِّ. أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ، وَأَسْتَغْفِرُهُ اسْتِغْفَارَ الْمُنِيبِينَ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، الَّذِي رَبَّى النُّفُوسَ بِالتَّكَالِيفِ، وَصَقَلَ الْعُقُولَ بِالتَّشْرِيفِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ كُلِّ صَابِرٍ، وَقُدْوَةُ كُلِّ شَاكِرٍ، وَأَجْوَدُ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ، وَأَكْرَمُ مَنْ بَذَلَ لِلْعِبَادِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ إِلَى يَوْمِ التَّنَادِ.
أَمَّا بَعْدُ؛ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي اللَّهِ؛
إِنَّنَا فِي أَيَّامِ هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ، وَقَدْ بَدَأَتِ النُّفُوسُ تَعْتَادُ مَرَارَةَ الْجُوعِ، وَلَكِنَّ الْعِبْرَةَ لَيْسَتْ بِتَعْوِيدِ “الْمَعِدَةِ”، بَلْ بِتَرْوِيضِ “الْإِرَادَةِ”. إِنَّ رَمَضَانَ مَلْحَمَةٌ كُبْرَى بَيْنَ “الرُّوحِ” وَ”الْمَادَّةِ”، وَبَيْنَ “الْأَنَانِيَّةِ” وَ”الْكَرَمِ”.
الْعُنْصَرُ الْأَوَّلُ: فَلْسَفَةُ الِاسْتِعْلَاءِ وَصِنَاعَةُ الْإِرَادَةِ الْفُولَاذِيَّةِ : أَيُّهَا السَّادَةُ الْفُضَلَاءُ؛ يَقُولُ عُلَمَاءُ النَّفْسِ وَالسُّلُوكِ: “الْإِنْسَانُ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الْعَادَاتِ”، وَجَاءَ رَمَضَانُ لِيَكُونَ ثَوْرَةً إِيمَانِيَّةً لِتَكْسِيرِ “أَصْنَامِ الْعَادَاتِ” فِي نُفُوسِنَا. إِنَّ أَخْطَرَ مَا يُهَدِّدُ إِيمَانَ الْمَرْءِ هُوَ الِاعْتِيَادُ الَّذِي يُحَوِّلُ الْعِبَادَةَ إِلَى عَادَةٍ، لَكِنَّ الصِّيَامَ يَأْتِي لِيَنْتَزِعَكَ مِنْ هَذَا الْقَالَبِ الرَّتِيبِ. حِينَ تَمْتَنِعُ عَنِ الْمُبَاحِ -مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ- بِقَرارٍ إِرَادِيٍّ وَاعٍ، فَأَنْتَ تُرْسِلُ رِسَالَةً صَارِمَةً لِجَسَدِكَ مَفَادُهَا: “أَنَا لَسْتُ عَبْدًا لَكَ، بَلْ أَنَا عَبْدٌ لِلَّهِ”.
أولاً: مَلْحَمَةُ الِانْتِصَارِ عَلَى الـذَّاتِ: هَذِهِ الْإِرَادَةُ الَّتِي نَبْنِيهَا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ هِيَ مِفْتَاحُ النَّجَاحِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَمَنْ لَمْ يَمْلِكْ إِرَادَةً تَمْنَعُهُ عَنْ “كُوبِ مَاءٍ” حَلَالٍ، لَنْ يَمْلِكُ إِرَادَةً تَمْنَعُهُ عَنْ “رِشْوَةٍ” أَوْ “نَظْرَةٍ حَرَامٍ” بَعْدَ انْقِضَاءِ الشَّهْرِ. إِنَّ الصَّائِمَ يُعَالِجُ ضَعْفَهُ الْبَشَرِيَّ بِقُوَّةٍ رَبَّانِيَّةٍ؛ فَالْجُوعُ لَيْسَ تَعْذِيبًا لِلْبَدَنِ، بَلْ هُوَ تَهْذِيبٌ لِلرُّوحِ لِتَسْتَعْلِيَ فَوْقَ ضَغْطِ الْحَاجَاتِ الْبَيُولُوجِيَّةِ.
ثانياً: التَّأْصِيلُ الْعِلْمِيُّ لِلْإِمَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ: يَقُولُ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: “الصَّوْمُ لِجَامُ الْمُتَّقِينَ، وَجُنَّةُ الْمُحَارِبِينَ، وَرِيَاضَةُ الْأَبْرَارِ”. وَمَعْنَى أَنَّهُ “رِيَاضَةٌ” أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى نَفَسٍ طَوِيلٍ وَتَحَمُّلٍ؛ فَكَمَا يَحْتَاجُ الرِّيَاضِيُّ إِلَى تَدْرِيبِ عَضَلَاتِهِ لِيَفُوزَ فِي السِّبَاقِ، يَحْتَاجُ الْمُؤْمِنُ إِلَى رَمَضَانَ لِيُقَوِّيَ عَضَلَةَ “التَّقْوَى” لِيَفُوزَ فِي سِبَاقِ الْعُمُرِ. مَنْ لَا يَمْلِكُ إِرَادَةً تَمْنَعُهُ عَنْ كُوبِ مَاءٍ حَلَالٍ، كَيْفَ سَيَمْلِكُ إِرَادَةً تَمْنَعُهُ عَنِ الْمَالِ الْحَرَامِ أَوِ الرِّشْوَةِ؟.
ثالثاً: شَاهِدٌ مِنَ التَّارِيخِ (فِرَاسَةُ الْفَارُوقِ): انْظُرُوا إِلَى سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ حِينَ رَأَى رَجُلًا لَهُ بَطْنٌ كَبِيرٌ، فَسَأَلَهُ: مَا هَذَا؟ قَالَ الرَّجُلُ: بَرَكَةٌ مِنَ اللَّهِ! فَقَالَ الْفَارُوقُ بِحَزْمِهِ الْمَعْهُودِ: “بَلْ عَذَابٌ مِنَ اللَّهِ!”. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الِانْسِيَاقَ خَلْفَ شَهْوَةِ الْبَطْنِ هُوَ فِي حَقِيقَتِهِ ضَعْفٌ فِي الْإِرَادَةِ، وَرَمَضَانُ هُوَ “مَصْنَعُ الرِّجَالِ” الَّذِينَ يَقْهَرُونَ نُفُوسَهُمْ لَا الَّذِينَ تَقْهَرُهُمْ نُفُوسُهُمْ.
رابعاً: بِنَاءُ “الْمُجْتَمَعِ الصَّامِدِ”: أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ؛ إِنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي تَصُومُ هِيَ أُمَّةٌ تَمْلِكُ قَرَارَهَا؛ لِأَنَّ مَنْ يَحْكُمُ فَمَهُ، يَحْكُمُ مَصِيرَهُ. رَمَضَانُ يُرَبِّينَا عَلَى أَنَّنَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَعِيشَ بِالْقَلِيلِ، وَأَنَّ “الْإِرَادَةَ” هِيَ الَّتِي تَهْزِمُ “الْأَزَمَاتِ”. إِذَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَمْتَنِعَ عَنِ الطَّعَامِ سِتَّ عَشْرَةَ سَاعَةً، فَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَى مُقَاطَعَةِ كُلِّ خُلُقٍ ذَمِيمٍ، وَكُلِّ سُلُوكٍ اسْتِهْلَاكِيٍّ مُدَمِّرٍ يَضُرُّ بِكَ وَبِوَطَنِكَ.
الْعُنْصَرُ الثَّانِي: جِهَادُ الْبَاطِنِ الْأَكْبَرُ (صِيَامُ الْخَوَاصِّ).. طَهَارَةُ الْقَلْبِ شَرْطُ الْقَبُولِ : يَا مَعْشَرَ الصَّائِمِينَ؛ إِنَّ الِارْتِقَاءَ فِي مَدَارِجِ الصَّائِمِينَ لَا يَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ الْإِمْسَاكِ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ الْحِسِّيَّةِ، بَلْ بِالْمُجَاهَدَةِ لِتَطْهِيرِ الْبَاطِنِ. يَقُولُ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي “الْإِحْيَاءِ”: “أَهْوَنُ الصِّيَامِ تَرْكُ الطَّعَامِ”. فَالصَّائِمُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ مَنْ صَامَ قَلْبُهُ عَنِ الرَّذَائِلِ قَبْلَ أَنْ تَصُومَ مَعِدَتُهُ عَنِ الْفَوَاكِهِ، وَالتَّحَدِّي الْحَقِيقِيُّ فِي رَمَضَانَ هُوَ “التَّخْلِيَةُ”؛ أَيْ تَخْلِيَةُ الْقَلْبِ مِنْ “كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ”.
أولاً: كَيْفَ يَكُونُ صِيَامُ الْقَلْبِ؟ : كَيْفَ يَكُونُ صَائِمًا مَنْ جَاعَ بَطْنُهُ وَلَكِنَّ قَلْبَهُ مَمْلُوءٌ بِالْحِقْدِ عَلَى فُلَانٍ، وَالْغِلِّ عَلَى عِلَّانٍ؟!. كَيْفَ لِعَيْنٍ أَنْ تَبْكِيَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَهِيَ تَنْظُرُ لِلْحَرَامِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ؟. إِنَّ صِيَامَ الْقَلْبِ يَعْنِي أَنْ تَصُومَ عَنِ الْهُمُومِ الدُّنْيَوِيَّةِ التَّافِهَةِ، وَتَتَّصِلَ بِالْمَلَكُوتِ الْأَعْلَى، لِيَكُونَ هَمُّكَ الْأَوْحَدُ هُوَ رِضَا اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
ثانياً: الْمَنْهَجُ الْأَزْهَرِيُّ الْوَسَطِيُّ فِي التَّزْكِيَةِ : يَقُومُ مَنْهَجُنَا عَلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ جَوْهَرٌ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ مَظْهَرًا، وَبَاطِنٌ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ طُقُوسًا ظَاهِرَةً. وَفِي هَذَا يَقُولُ سَيِّدُنَا ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “مَا كَانَ أَحَدُنَا يَجْرُؤُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْهِلَالَ وَفِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ حِقْدٍ عَلَى أَخِيهِ”. فَهَلْ فَتَّشْنَا قُلُوبَنَا قَبْلَ أَنْ نُزَيِّنَ مَسَاجِدَنَا؟ هَلْ طَهَّرْنَا أَرْوَاحَنَا مِنَ الضَّغَائِنِ كَمَا طَهَّرْنَا ثِيَابَنَا لِلْجُمُعَةِ؟
ثالثاً: قِصَّةٌ لِلِاعْتِبَارِ (أَدَبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ) : يُحْكَى أَنَّ رَجُلًا جَاءَ لِلْإِمَامِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فَقَالَ: “يَا إِمَامُ، إِنَّ فُلَانًا قَدِ اغْتَابَكَ”. فَمَا غَضِبَ الْإِمَامُ وَلَا انْتَقَمَ، بَلْ أَرْسَلَ لِلرَّجُلِ طَبَقًا مِنَ الرُّطَبِ (الْبَلَحِ) وَقَالَ لَهُ: “بَلَغَنِي أَنَّكَ أَهْدَيْتَ لِي حَسَنَاتِكَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُكَافِئَكَ بِهَذَا!”. هَكَذَا هِيَ “الْقُلُوبُ الرَّمَضَانِيَّةُ” الَّتِي لَا تَنْتَصِرُ لِلذَّاتِ، بَلْ تَعِيشُ لِلَّهِ وَبِاللَّهِ، فَتَرُدُّ الْإِسَاءَةَ بِالْإِحْسَانِ.
رابعاً: تَوْثِيقٌ نَبَوِيٌّ لِحَقِيقَةِ الْإِرَادَةِ : يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ الْإِرَادَةَ الْمَطْلُوبَةَ فِي رَمَضَانَ هِيَ “إِرَادَةُ الْكَفِّ عَنِ الْقَبِيحِ”. فَالصَّوْمُ بِلَا طَهَارَةِ بَاطِنٍ هُوَ جُوعٌ لَا يُورِثُ إِلَّا التَّعَبَ، أَمَّا الصَّوْمُ بِبَاطِنٍ طَاهِرٍ فَهُوَ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ فَيُصْبِحُ الْعَبْدُ بِهِ رَبَّانِيًّا.
الْعُنْصَرُ الثَّالِثُ: فَلْسَفَةُ الْكَرَمِ.. الرِّبَاطُ الْمُقَدَّسُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْجُودِ
أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ؛ إِنَّ الرِّبَاطَ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْكَرَمِ رِبَاطٌ “وُجُودِيٌّ”؛ فَالصَّوْمُ “حِرْمَانٌ اخْتِيَارِيٌّ” يُفْضِي حَتْمًا إِلَى “بَذْلٍ اخْتِيَارِيٍّ”. حِينَ تَمْتَنِعُ عَنِ الطَّعَامِ تَشْعُرُ بِآلَامِ الْمَحْرُومِينَ، فَيَتَحَرَّكُ دَافِعُ الْجُودِ فِي نَفْسِكَ. لَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ «كَالرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ». وَتَأَمَّلُوا هُنَا لَفْظَ “الْمُرْسَلَةِ”؛ أَيِ الَّتِي أُرْسِلَتْ لِغَرَضٍ وَاحِدٍ وَهُوَ “النَّفْعُ الْعَامُّ”، لَا تَتَوَقَّفُ عِنْدَ جِدَارٍ، وَلَا تَمْنَعُ نَفْعَهَا عَنْ دَارٍ.
أولاً: الْكَرَمُ طَبِيعَةُ الْمُؤْمِنِ لَا نَافِلَةٌ : يَا عِبَادَ اللَّهِ؛ إِنَّ الْكَرَمَ فِي رَمَضَانَ لَيْسَ نَافِلَةً أَوْ تَفَضُّلاً، بَلْ هُوَ طَبِيعَةُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي اسْتَشْعَرَ جُودَ اللَّهِ عَلَيْهِ. اللَّهُ أَكْرَمَكَ بِبُلُوغِ الشَّهْرِ، وَأَكْرَمَكَ بِالْهِدَايَةِ، فَكَيْفَ تَبْخَلُ أَنْتَ عَلَى عِبَادِهِ؟ إِنَّ صِيَامَكَ عَنِ الطَّعَامِ هُوَ إِعْلَانٌ لِقُدْرَتِكَ عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ، وَبَذْلُكَ لِلْمَالِ هُوَ إِثْبَاتٌ لِصِدْقِ هَذَا الِاسْتِغْنَاءِ.
ثانياً: الْقُدْوَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ فِي الْعَطَاءِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ كَالرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ فِي الْعَطَاءِ؛ فَالرِّيحُ لَا تُمَيِّزُ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ، وَلَا تَتَوَقَّفُ عَنْ هُبُوبِ الْخَيْرِ. كَانَ ﷺ يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَقْرَ، وَكَانَ يُعَلِّمُنَا أَنَّ يَدَ الصَّائِمِ يَجِبُ أَنْ تَسْبِقَ لِسَانَهُ بِالْإِحْسَانِ. هَذَا هُوَ التَّطْبِيقُ الْعَمَلِيُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [سورة آل عمران: 92].
ثالثاً: مَلَاحِمُ التَّارِيخِ (سِيرَةُ ابْنِ عُمَرَ) : انْظُرُوا إِلَى سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ فَقَدْ كَانَ لَا يُفْطِرُ إِلَّا مَعَ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ. وَلَمَّا جَاءَتْهُ مِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَزَّعَهَا كُلَّهَا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ، ثُمَّ طَلَبَ مِنْ خَادِمِهِ دِرْهَمًا لِيَشْتَرِيَ بِهِ لَحْمًا لِلْإِفْطَارِ فَلَمْ يَجِدْ مَعَهُ شَيْئًا!. هَذِهِ هِيَ الْقُلُوبُ الَّتِي فَهِمَتْ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ، وَمَا عِنْدَهُمْ يَنْفَدُ.
رابعاً: مَقْصِدُ الصِّيَامِ الْأَسْمَى: إِنَّ اللَّهَ شَرَعَ الصَّوْمَ لِيُذِيقَكَ أَلَمَ الْجُوعِ فَتَعْطِفَ عَلَى الْفَقِيرِ. فَالصِّيَامُ عَنِ “الْأَنَانِيَّةِ” أَهَمُّ مِنَ الصِّيَامِ عَنِ الْمَاءِ. إِنَّ الْمُجْتَمَعَ الَّذِي يَجُوعُ فِيهِ الْفَقِيرُ فِي رَمَضَانَ بَيْنَمَا الْأَغْنِيَاءُ يَتَنَعَّمُونَ، هُوَ مُجْتَمَعٌ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ مَقْصِدُ التَّقْوَى. الصِّيَامُ هُوَ جِسْرٌ يَرْبِطُ قَلْبَ الْغَنِيِّ بِحَاجَةِ الْفَقِيرِ، فَيَتَحَوَّلُ الْجُوعُ إِلَى حُبٍّ، وَالظَّمَأُ إِلَى مَوَدَّةٍ.
الْعُنْصَرُ الرَّابِعُ: نَمَاذِجُ تُحْرِجُ وَاقِعَنَا.. بَيْنَ جُودِ الْأَكَابِرِ وَشُحِّ الْأَصَاغِرِ : أَيُّهَا السَّادَةُ؛ حِينَ نَتَحَدَّثُ عَنِ الْكَرَمِ فِي رَمَضَانَ، فَنَحْنُ لَا نَسْرِدُ أساطيرَ، بَلْ نَعْرِضُ حَقَائِقَ سَطَّرَهَا رِجَالٌ فَهِمُوا أَنَّ رَمَضَانَ هُوَ مَوْسِمُ “الْمُتَاجَرَةِ مَعَ اللَّهِ”. إِنَّ هَذِهِ النَّمَاذِجَ الَّتِي نَسْتَعْرِضُهَا الْيَوْمَ هِيَ “مَرَايَا كَاشِفَةٌ” لِعُيُوبِ نُفُوسِنَا، وَهِيَ تَضَعُنَا فِي مَوْقِفِ الْخَجَلِ وَالْإِحْرَاجِ أَمَامَ ذَوَاتِنَا؛ لِنَعْلَمَ كَمْ بَعُدْنَا عَنْ حَقِيقَةِ الْبَذْلِ وَالْجُودِ
١. سَخَاءُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ (كَرَمُ الْمُؤَسَّسَاتِ لَا الْأَفْرَادِ) : تَأَمَّلُوا هَذَا الْمَشْهَدَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ كُلُّ رَجُلِ أَعْمَالٍ وَكُلُّ مَيْسُورٍ: قَدِمَتْ لِسَيِّدِنَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَافِلَةٌ تَحْمِلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الطَّعَامِ وَالْكِسَاءِ، وَكَانَتْ مِائَةَ رَاحِلَةٍ (٧٠٠ جَمَلٍ). حَتَّى ارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ لَهَا، فَلَمَّا سَمِعَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- الرَّجَّةَ، ذَكَرَتْ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَقِّهِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ، قَالَ بِيَقِينِ الْمُؤْمِنِ: “أُشْهِدُ اللَّهَ أَنَّهَا كُلَّهَا لِلَّهِ بِأَحْمَالِهَا وَأَقْتَابِهَا”.
-
تَحْلِيلٌ مُحْرِجٌ: هَذَا النَّمُوذَجُ يُحْرِجُ كُلَّ مَنْ يَكْنِزُ السِّلَعَ فِي رَمَضَانَ لِيَرْفَعَ سِعْرَهَا، أَوْ يَبْخَلُ بِفَضْلِ مَالِهِ عَنِ الْمُحْتَاجِينَ. ابْنُ عَوْفٍ لَمْ يَبْحَلْ بـ “رَأْسِ مَالِهِ” كُلِّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ جُودِهِ؟
٢. إِيثَارُ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ (الْكَرَمُ فِي حَالِ الْقِلَّةِ): وَإِذَا كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَدْ أَعْطَى مِنْ سَعَةٍ، فَانْظُرُوا إِلَى مَنْ أَعْطَى مِنْ “مَسْغَبَةٍ”: مَرَّ سَيِّدُنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ بِغُلَامٍ أَسْوَدَ يَعْمَلُ فِي نَخْلٍ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْغِفَةٍ، فَجَاءَ كَلْبٌ فَرَمَى إِلَيْهِ الرَّغِيفَ الْأَوْلَلَ، ثُمَّ الثَّانِيَ، ثُمَّ الثَّالِثَ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ جَعْفَرٍ: بِمَ تَقُوتُ نَفْسَكَ؟ قَالَ: بِمَا رَأَيْتَ. قَالَ: فَلِمَ آثَرْتَ هَذَا الْكَلْبَ؟ قَالَ: “لِأَنَّهُ غَرِيبٌ، وَمَا هِيَ بِأَرْضِ كِلَابٍ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَرُدَّهُ”. فَقَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ قَوْلَتَهُ الشَّهِيرَةَ: “أَيُلَامُ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى السَّخَاءِ وَهَذَا الْعَبْدُ أَسْخَى مِنْهُ؟!”.
-
رِسَالَةٌ لِلْوَاقِعِ: هَذَا الْغُلَامُ يُحْرِجُ كُلَّ مَنْ يَعْتَذِرُ عَنِ الصَّدَقَةِ بِقِلَّةِ ذَاتِ الْيَدِ. إِنَّ الْكَرَمَ لَيْسَ أَنْ تُعْطِيَ مِمَّا يَفِيضُ عَنْكَ، بَلِ الْكَرَمُ أَنْ تُعْطِيَ وَأَنْتَ فِي مَسْغَبَةٍ وَاحْتِيَاجٍ.
٣. كَرَمُ “النَّفْسِ” عِنْدَ تَعَذُّرِ “الْمَالِ” : إِنَّ مِنَ النَّمَاذِجِ الَّتِي تُحْرِجُ حَالَنَا أَيْضاً، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا يَجُودُونَ بِمَا لَا يُشْتَرَى بِالْمَالِ. كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ، جَعَلَ نَفْسَهُ خَادِماً لِلصَّائِمِينَ، يَمْسَحُ نِعَالَهُمْ، وَيُسَوِّي ثِيَابَهُمْ. هَذَا “كَرَمُ التَّوَاضُعِ” الَّذِي نَفْتَقِدُهُ الْيَوْمَ فِي زَمَنِ الْكِبْرِ وَالْأَنَانِيَّةِ.
يَا سَادَةُ؛ إِنَّ الْكَرَمَ فِي رَمَضَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَائِدَةٍ نَنْصِبُهَا، أَوْ كَرْتُونَةٍ نُوَزِّعُهَا، بَلْ هُوَ “تَحَرُّرٌ مِنَ الشُّحِّ” وَ”انْتِصَارٌ لِلْإِرَادَةِ”. هَذِهِ النَّمَاذِجُ تُنَادِينَا: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ لَا مَادِيِّينَ، اجْعَلُوا رَمَضَانَ شَهْرَ “الْبَذْلِ الْفِعْلِيِّ” لَا “الْقَوْلِ الشَّفَهِيِّ”.
الْعُنْصَرُ الْخَامِسُ: الْبُخْلُ الْمَعْنَوِيُّ وَالْمَقْنُوعُ (آفَةُ الصَّائِمِينَ).. تَشْخِيصٌ وَعِلَاجٌ
يَا سَادَةُ؛ إِنَّ مَفْهُومَ الْبُخْلِ فِي رَمَضَانَ قَدْ نَخْتَزِلُهُ فِي مَنْعِ الْمَالِ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ الدَّقيقَ يَكْشِفُ عَنْ نَوْعٍ آخَرَ أَشَدَّ فَتْكاً بِرُوحَانِيَّةِ الصِّيَامِ، وَهُوَ “الْبُخْلُ بِالْمَشَاعِرِ” وَالشُّحُّ بِالْأَخْلَاقِ. نَجِدُ بَعْضَ الصَّائِمِينَ -لِلْأَسَفِ الشَّدِيدِ- يَضِيقُ صَدْرُهُ، وَيَسْرُعُ غَضَبُهُ، وَيَعْبِسُ وَجْهُهُ، وَيُبَرِّرُ كُلَّ هَذَا بِأَنَّهُ “صَائِمٌ”!. وَكَأَنَّ الصِّيَامَ عُذْرٌ لِسُوءِ الْخُلُقِ، بَيْنَمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مِحْرَابٌ لِتَهْذِيبِهِ.
أولاً: مَاهِيَّةُ الْكَرَمِ الرُّوحِيِّ (فِي بَسْمَةِ الْوَجْهِ): إِنَّ الصِّيَامَ كَرَمٌ فِي النَّفْسِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَذْلاً فِي الْيَدِ. أَيُّ بَخْلٍ هَذَا الَّذِي يَمْنَعُ الرَّجُلَ أَنْ يَكُونَ كَرِيماً فِي بَسْمَتِهِ لِزَوْجَتِهِ الَّتِي تَقِفُ لِسَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ أَمَامَ النَّارِ لِتُجَهِّزَ لَهُ مَائِدَةَ الْإِفْطَارِ؟!. إِنَّ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ صَدَقَةٌ، وَالْبَسْمَةَ فِي وَجْهِ الشَّرِيكِ جُودٌ. لَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ» [سنن الترمذي]، فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْبَسْمَةُ فِي أَقْدَسِ الشُّهُورِ وَلِأَقْرَبِ النَّاسِ؟
ثانياً: فِقْهُ الْعَفْوِ عِنْدَ “الزِّحَامِ”: مِنْ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْكَرَمِ الْمَعْنَوِيِّ أَنْ تَكُونَ كَرِيماً فِي عَفْوِكَ عَمَّنْ أَخْطَأَ فِي حَقِّكَ فِي سَاعَاتِ الذَّرْوَةِ وَالزِّحَامِ. حِينَ يَقْطَعُ عَلَيْكَ سَائِقٌ طَرِيقَكَ، أَوْ يَتَجَاوَزُ آخَرُ فِي حَقِّكَ، هُنَا يَظْهَرُ مَعْدِنُ صِيَامِكَ. إِنَّ الْبُخْلَ بِالْعَفْوِ هُوَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ حَقِيقَةَ الصِّيَامِ لَمْ تَلْمَسْ شَغَافَ قَلْبِكَ بَعْدُ.
-
تَوْثِيقٌ نَبَوِيٌّ: يَقُولُ ﷺ: «فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» [صحيح البخاري]. لَقَدْ أَمَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَجُودَ بِسَكِينَتِكَ عَلَى جَهْلِ الْآخَرِينَ، لَا أَنْ تَبْخَلَ بِصَبْرِكَ فَتَنْجَرَّ لِلْمُشَاجَرَةِ.
ثالثاً: الْقِصَّةُ التَّارِيخِيَّةُ لِلْكَرَمِ الْمَعْنَوِيِّ (سَيِّدُنَا زَيْنُ الْعَابِدِينَ): يُحْكَى أَنَّ خَادِماً لِسَيِّدِنَا عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ “زَيْنِ الْعَابِدِينَ” كَانَ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ لِلْوُضُوءِ، فَسَقَطَ الْإِبْرِيقُ مِنْ يَدِهِ فَشَجَّ وَجْهَهُ (جَرَحَهُ). فَرَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ الْخَادِمُ مُسْتَعْطِفاً: “يَا سَيِّدِي، وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ”. قَالَ الْإِمَامُ: “قَدْ كَظَمْتُ غَيْظِي”. قَالَ: “وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ”. قَالَ: “قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ”. قَالَ: “وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ”. قَالَ: “اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ”. هَذَا هُوَ “الْكَرَمُ الْمَعْنَوِيُّ” فِي أَبْهَى صُوَرِهِ؛ لَمْ يَبْخَلْ بِالْعَفْوِ بَلْ زَادَ عَلَيْهِ بِالْإِحْسَانِ.
رابعاً: التَّحْلِيلُ الِاجْتِمَاعِيُّ لِـ “خُلُقِ الصَّائِمِ”: إِنَّ الْمُجْتَمَعَ الَّذِي يَبْخَلُ فِيهِ الصَّائِمُونَ بِالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَالتَّجَاوُزِ عَنِ الزَّلَّاتِ، هُوَ مُجْتَمَعٌ صَائِمٌ “عُضْوِيّاً” وَمُفْطِرٌ “سُلُوكِيّاً”. كَيْفَ نَدَّعِي أَنَّ رَمَضَانَ شَهْرُ الرَّحْمَةِ، وَنَحْنُ نَحْرِمُ بَعْضَنَا مِنْ رَحْمَةِ التَّغَافُلِ؟. إِنَّ “شُحَّ النَّفْسِ” هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يَقِفُ عَلَى الْوَاحِدَةِ لِأَخِيهِ، بَيْنَمَا “كَرَمُ النَّفْسِ” يَجْعَلُهُ يَلْتَمِسُ لَهُ سَبْعِينَ عُذْراً.
خامساً: رِسَالَةٌ لِأَرْبَابِ الْبُيُوتِ وَالْمُوَظَّفِينَ:
-
يَا أَيُّهَا الزَّوْجُ: لَا تَبْخَلْ بِـ “جَبْرِ الْخَاطِرِ” عِنْدَ طَعَامِكَ، فَإِنَّ الثَّنَاءَ عَلَى صَنِيعِ أَهْلِ بَيْتِكَ هُوَ أَزْكَى أَنْوَاعِ الْكَرَمِ.
-
يَا أَيُّهَا الْمُوَظَّفُ: لَا تَبْخَلْ بِقَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ بِحُجَّةِ التَّعَبِ، فَإِنَّ “كَرَمَ الْخِدْمَةِ” فِي رَمَضَانَ يَعْدِلُ أُجُوراً عَظِيمَةً.
الْخُلَاصَةُ: إِنَّ الصِّيَامَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ انْفِتَاحُ الْقَلْبِ عَلَى الْخَلْقِ، فَإِذَا رَأَيْتَ صَائِمًا بَخِيلاً بِمَشَاعِرِهِ، حَرِيصاً عَلَى خُصُومَتِهِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَذُقْ مِنْ رَمَضَانَ إِلَّا قِشْرَتَهُ. فَاسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ “شُحِّ الْأَنْفُسِ” وَتَحَلَّوْا بِـ “كَرَمِ الْأَرْوَاحِ”.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ الْخَلْقِ، الَّذِي كَانَ يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَقْرَ.
الْعُنْصَرُ السَّادِسُ: الْمَسْؤُولِيَّةُ الْمُجْتَمَعِيَّةُ لِلتُّجَّارِ وَالْمُوسِرِينَ.. رَمَضَانُ شَهْرُ الِاسْتِثْمَارِ فِي رِضَا اللَّهِ : أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ؛ إِنَّ رَمَضَانَ لَيْسَ شَهْرًا لِلِاسْتِثْمَارِ فِي جُيُوبِ النَّاسِ، وَتَحْصِيلِ الْأَرْبَاحِ الْفَاحِشَةِ عَلَى حِسَابِ أَوْجَاعِ الْفُقَرَاءِ، بَلْ هُوَ شَهْرٌ لِلِاسْتِثْمَارِ فِي رِضَا اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. إِنَّ الْمَنْهَجَ الْوَسَطِيَّ الَّذِي نَتَبَنَّاهُ يَنْظُرُ لِلْمَالِ عَلَى أَنَّهُ “وَسِيلَةٌ” لِعِمَارَةِ الْأَرْضِ وَخِدْمَةِ الْخَلْقِ، لَا “غَايَةٌ” لِتَحْطِيمِ الضُّعَفَاءِ
أولاً: رِسَالَةٌ صَارِمَةٌ لِلتَّاجِرِ الصَّدُوقِ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ فِي التِّجَارَةِ؛ اعْلَمْ أَنَّ احْتِكَارَ السِّلَعِ أَوِ الرَّفْعَ الْمُغَالَى فِيهِ لِلْأَسْعَارِ فِي رَمَضَانَ هُوَ “خِيَانَةٌ” لِلْأُمَّةِ. كَيْفَ يَهْنَأُ لَكَ عَيْشٌ وَأَنْتَ تَمْتَصُّ دِمَاءَ الْبُسَطَاءِ لِتَزِيدَ فِي رَصِيدِكَ؟
-
الْوَعْدُ الرَّبَّانِيُّ: مَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ فِي هَذَا الشَّهْرِ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَهْوَالَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
-
نَصِيحَةٌ عَمَلِيَّةٌ: اجْعَلْ لَكَ “سِعْراً رَمَضَانِيّاً” خَاصّاً، لَا تَبْتَغِي بِهِ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ الْأَكْرَمَ، وَتَذَكَّرْ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى» [رواه البخاري].
ثانياً: رِسَالَةٌ إِلَى الْمُوسِرِينَ (أَهْلِ الْغِنَى وَالْجَاهِ): يَا مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِيَسَارِ الْحَالِ؛ اعْلَمُوا أَنَّ الصَّدَقَةَ فِي رَمَضَانَ مُضَاعَفَةٌ، وَلَكِنْ حَذَارِ مِنْ “صَدَقَةِ الِاسْتِعْلَاءِ”.
-
أَدَبُ الْعَطَاءِ: أَعْطِ الْفَقِيرَ وَأَنْتَ تَشْعُرُ أَنَّكَ الْمُحْتَاجُ إِلَى دُعَائِهِ، لَا أَنَّهُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إِلَى مَالِكَ. فَالْمَالُ مَالُ اللَّهِ، وَأَنْتَ مُجَرَّدُ مُسْتَخْلَفٍ فِيهِ.
-
الْقُدْوَةُ الصَّالِحَةُ: كَانَ أَكْرَمُ النَّاسِ ﷺ يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَقْرَ، وَكَانَ يُعَلِّمُنَا أَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا -الَّتِي تُعْطِي بِتَوَاضُعٍ- خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى.
ثالثاً: قِصَّةٌ لِلِاعْتِبَارِ (تِجَارَةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الرَّابِحَةُ) : فِي عَامِ الرَّمَادَةِ، حِينَ اشْتَدَّ الْجُوعُ بِالنَّاسِ، وَصَلَتْ قَافِلَةٌ لِسَيِّدِنَا عُثْمَانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- تَحْمِلُ أَرْزَاقاً كَثِيرَةً. فَجَاءَهُ التُّجَّارُ يَعْرِضُونَ عَلَيْهِ أَرْبَاحاً مُضَاعَفَةً (الدِّرْهَمَ بِدِرْهَمَيْنِ، ثُمَّ بِخَمْسَةٍ). فَقَالَ لَهُمْ: “لَقَدْ أَعْطَانِي غَيْرُكُمْ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا”. قَالُوا: مَنْ؟ وَنَحْنُ تُجَّارُ الْمَدِينَةِ! قَالَ: “أَعْطَانِي اللَّهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ عَشَرَةً.. أُشْهِدُ اللَّهَ أَنَّهَا صَدَقَةٌ عَلَى فُقَرَاءِ الْمَدِينَةِ” [تاريخ الطبري].
-
الْمَغْزَى: سَيِّدِنَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَسْتَغِلَّ الْأَزْمَةَ لِيَغْتَنِيَ، بَلِ اسْتَغَلَّهَا لِيَشْتَرِيَ الْجَنَّةَ. فَهَلْ يَعِي تُجَّارُنَا الْيَوْمَ هَذَا الدَّرْسَ؟
رابعاً: التَّكَافُلُ الْمُجْتَمَعِيُّ كَضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ: إِنَّ الْمُجْتَمَعَ الَّذِي يَشْبَعُ فِيهِ الْغَنِيُّ وَيَجُوعُ فِيهِ جَارُهُ هُوَ مُجْتَمَعٌ مَنْزُوعُ الْبَرَكَةِ. رَمَضَانُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَوْسِمًا لِـ “تَصْفِيرِ الْحَاجَاتِ”؛ فَلَا يَبْقَى فَقِيرٌ إِلَّا وَقَدْ سُدَّتْ حَاجَتُهُ، وَلَا غَارِمٌ إِلَّا وَقَدْ قُضِيَ دَيْنُهُ. هَذِهِ هِيَ الرَّسْمِيَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ لِلْإِرَادَةِ وَالْكَرَمِ.
خِتَاماً: يَا كُلَّ تَاجِرٍ، يَا كُلَّ مَيْسُورٍ؛ لَا تَجْعَلُوا رَمَضَانَ يَمُرُّ وَأَمْوَالُكُمْ مَحْبُوسَةٌ عَنْ عِبَادِ اللَّهِ، بَلْ أَنْفِقُوا يُنْفِقِ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، وَتَاجِرُوا مَعَ رَبِّكُمْ، فَتِجَارَتُهُ هِيَ الَّتِي لَنْ تَبُورَ.
الْعُنْصَرُ السَّابِعُ: خُطَّةُ الْبِنَاءِ الْأُسْرِيِّ (مِيثَاقُ الْأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةِ): نَحْنُ لَا نُرِيدُ خُطَبًا تَنْتَهِي بِمُجَرَّدِ “أَقِمِ الصَّلَاةَ”. إِلَيْكُمْ هَذِهِ الْخُطَّةَ الْعَمَلِيَّةَ لِلتَّطْبِيقِ فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ هَذِهِ اللَّحْظَةِ:
١. صُنْدُوقُ الْإِرَادَةِ: اجْعَلُوا فِي الْبَيْتِ صُنْدُوقًا، مَنْ “يَغْضَبُ” أَوْ “يَصْرُخُ” أَوْ “يَغْتَابُ”، يَضَعُ فِيهِ غَرَامَةً مَالِيَّةً تُوزَّعُ لِلْفُقَرَاءِ آخِرَ الشَّهْرِ (تَرْبِيَةُ الْإِرَادَةِ بِالْجَزَاءِ).
٢. وِرْدُ الْكَرَمِ الْخَفِيِّ: اتَّفِقْ مَعَ أَبْنَائِكَ عَلَى أُسْرَةٍ “مَسْتُورَةٍ” لَا تَعْرِفُ مَنْ أَنْتُمْ، وَأَوْصِلُوا لَهُمْ طَعَامًا أَوْ كِسَاءً بِطَرِيقَةٍ سِرِّيَّةٍ.
٣. يَوْمُ الْعَفْوِ الشَّامِلِ: خَصِّصُوا يَوْمًا فِي الْأُسْبُوعِ لِلتَّصَالِحِ الْعَائِلِيِّ، مَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ عِنْدَ أَخِيهِ فَلْيَتَنَازَلْ عَنْهُ إِكْرَامًا لِلشَّهْرِ.
٤. تَرْشِيدُ الْمَائِدَةِ: قَلِّلُوا نِصْفَ كَمِّيَّةِ الطَّعَامِ الْمُعْتَادَةِ، وَوَزِّعُوا ثَمَنَ النِّصْفِ الْآخَرِ عَلَى مَنْ لَا يَجِدُ الْقُوتَ.
٥. مَجْلِسُ الْوُدِّ: خَصِّصْ نِصْفَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِلْجُلُوسِ مَعَ أَبْنَائِكَ لَا لِلْكَلَامِ فِي الدُّنْيَا، بَلْ لِقِصَّةٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تُحَبِّبُهُمْ فِي دِينِهِمْ.
٦. كَرَمُ الدُّعَاءِ: لَا تَنْسَوْا أُمَّتَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِّ بَقَاعِ الْأَرْضِ عِنْدَ كُلِّ إِفْطَارٍ.
٧. مُبَادَرَةُ “أَنْتَ الْكَرِيمُ”: اتَّصِلْ بِأَحَدِ أَقَارِبِكَ مِمَّنْ قَطَعْتَهُمْ لِأَسْبَابٍ مَادِيَّةٍ، وَقُلْ لَهُ: “أَنْتَ أَغْلَى عِنْدِي مِنَ الْمَالِ”.
الدُّعَاءُ: اللَّهُمَّ يَا وَهَّابَ الْإِرَادَةِ، وَيَا وَاسِعَ الْكَرَمِ، اجْعَلْنَا مِمَّنْ غَلَبَتْ رُوحُهُ مَادَّتَهُ، وَغَلَبَ جُودُهُ شُحَّهُ ، اللَّهُمَّ سَلِّمْنَا إِلَى رَمَضَانَ، وَسَلِّمْ رَمَضَانَ لَنَا، وَتَسَلَّمْهُ مِنَّا مُتَقَبَّلًا ، اللَّهُمَّ طَهِّرْ سَرَائِرَنَا كَمَا طَهَّرْتَ جَوَارِحَنَا بِالصِّيَامِ.
اللَّهُمَّ ارْحَمْ فُقَرَاءَنَا، وَأَغْنِ مَحَاوِيجَنَا، وَبَارِكْ لِأَهْلِ الْجُودِ فِي أَمْوَالِهِمْ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ مِصْرَ وَأَهْلَهَا، وَاجْعَلْهَا رِدَاءً لِلْأَمْنِ، وَوَاحَةً لِلْإِيمَانِ، وَمَنَارَةً لِلْإِحْسَانِ.
عِبَادَ اللَّهِ : اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.