فتنة الجوع
19 فبراير، 2026
منبر الدعاة

بقلم الشيخ: أبو بكر الجندى
إمام بوزارة الأوقاف
الجوع هو خلو البطن من الطعام مع شدة اشتهائه, وضده الشِّبع, وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الجوع ويقول: اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع “.
والجوع يسبب حالة مزاجية سيئة فلا تهدأ معه النفس، ولا يهنأ معه القلب، وأصعب الانتظار: انتظار الجائع، والجوعان الذي أقعده الجوع يفقد السيطرة على إرادته، فربما سرق واغتصب؛ ليطفئ نار جوعه، فالجوع كما وصف بأنه كافر؛ وبسبب هذا أوقف عمر بن الخطاب حد السرقة عام الرمادة؛ لأنه لم يستوف شروطه، فقد أصاب الناس مخمصة عامة.
ولهذا امتن الله تعالى على قريش بنعمتين عظيمتين: الاستقرار الأمني والاستقرار الاقتصادي، فقال تعالى: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}[قريش: 4]، بل نعمته تبارك وتعالى بالغذاء على الناس أجمعين، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: “يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم”
وقد كان الأنبياء والمرسلون يتضرعون إلى الله تعالى وحده؛ لرفع الجوع عنهم، كما دعا الخليل عليه السلام، وقال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}[إبراهيم: 37]، ودعا المصطفى صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم بدر، وهم في قلة من العدد والعتاد والزاد، فقال: “اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع فأشبعهم”.
وحثنا النبي صلى الله عليه وسلم على إطعام الجائعين، فقال: “فُكُّوا الْأَسِيرَ، وَأَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ”، وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا في فضل إطعام الطعام: “وأيما رجلٍ أطعم رجلاً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة”.
وقد جعل الله تعالى الجوع اختبارًا ليميز الله به الصابرين من الساخطين، فقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}[البقرة: 155]، وما نجا من هذا الاختبار القدري أحدٌ حتى ربط المصطفى صلى الله عليه وسلم حتى الحجر على بَطْنه من شدة الْجُوع، وما شبع ثلاثة أيام متتالية من خبز الشعير حتى فارق الدنيا؛ ليكون هو صلى الله عليه وسلم أسوتنا في حال المجاعة وغيرها.
واختبار شرعي آخر, وهو فرض الصيام شهرًا على المكلفين؛ حتى يشعروا بالفقراء والجياع فينفقوا على المساكين ويتصدقوا على الجائعين.
وكانت الجنة هي جزاء النجاح في هذين الاختبارين، والتي قال الله عنها لآدم عليه السلام{إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى}[طه: 117 – 119]
ثم حذرنا النبي من تجويع أحدٍ حتى ولو حيوانًا، حيث قال لرجلٍ من الأنصار” أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؛ فإن هذا الجَمَل شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه”، وأخبر صلى الله عليه وسلم عن المرأة التي دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعا لا أطعمتها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض”، وفي النار طعام وشراب، ولكن كما أخبر القرآن الكريم عن طعام أهل النار وأنه لا يزيدهم إلا جوعًا، فقال تعالى {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ}[الغاشية: 1 – 7].